حين داس القرني أقداس العقل !

 

استرعت خرجة، من يُنعت بكونه داعية، ونعني به هنا عائض القرني التلفزيونية الأخيرة، وعلى نطاق واسع، بل أوسع مما تخيله هو فلربما، والتي أعلن فيها انشقاقه عن الدعوة والصحوة وتحوله إلى وطنية السيف، اهتمام الكثير من المتتبعين للشأن السعودي، وشأن الدعوة بهذا البلد الذي صار، مذ استمسك بمقود الحكم الفعلي فيه محمد بن سلمان، تتقلب فيه الأمور بشكل غير طبيعي ووفق نسق متصاعد بعشوائية ينذر بمنقلب ختامي ليس بالذي قد يحمد عقباه على الأسرة المالكة والنسيج المجتمعي ككل، في ظل عدم توفر آليات التغيير التي تتيحها النظريات والتطبيقات الاجتماعية ومؤسساتها، لكون المجتمع العربي بأرضي نجد والحجاز عاش ولا يزال خارج وتيرة التاريخ، غير مستوعب لنظم التحديث والاندماج في العصر، لا يزال نصف سكانه يشك في دوران الأرض، والنصف الآخر في حقيقة وجود الشمس والقمر في السماء! بسبب بقائه لفترة طويلة تحت رحمة تحالف القصر القاصر والمؤسسة الدينية البدوية، تفسيرا وتسييرا للتاريخ، ووصاية على العقل ما غرَّب الإنسان هناك وغيبه عن الواقع الإنساني وسبل الإفلات من وطأة الجهل، الدجل والكسل الحضاريين.

الحقيقة أن إعلان القرني عن توبته من الصحوة وضعه للقلم لحمل السيف دفاعا عن المملكة من خصومها، ما كان ليلفت إليه كل هاته الأنظار لو كان لنا عقلا حضاريا نرتجع له لفهم الأمور، ونضع به موازين القسط في سوق الأشخاص والمواقف، المفاهيم، الأفكار والقيم.

فالرجل كان نجمه قد هوى من يوم أُعلن عن لصوصيته الفكرية وسطوه على إنتاج غيره، ونسبه إليه دون وجه حق، فمن يومها يفترض أنه بار منبره وطار مزماره، لو كانت ساحة الدعوة والصحوة مؤسسة على قدسية النقد التي كان من شأنها أن تؤسس لنقد القدسية المفتعلة التي تتمظهر في ألبسة الوقار الديني وقاموسه الخطابي المنبري المتجاوزة بضاعته للجمركة العقلية.

مشكل ما تُنعت بالصحوة الإسلامية أنها ظلت عبر عقودها الثلاث خطابية أخلاقية، بعيدة عن التأسيس العقلاني الذي كان سيفضي آليا إلى إنتاج نسق فكري خاص، فيما لو أفرزت نخبا ناقدة غير ناقمة، أو ناقلة لسرديات قديمة كالتي تربى عليها عائض القرني واجترها على المنابر والبلاتوهات التلفزية، سرديات

أريد بها إعادة إنتاج المثل العليا في تاريخ تقفز فيه التجارب البشرية من أحقاب إلى أخرى بفضل التجديد النسقي الذي تتيحه الممارسة النقدية العقلانية.

هذا الفراغ البنيوي القاتل، الذي لازم الدعوة الإسلامية في مرحلة ما تُعرف بالصحوة مذ تفجرت أنوار النهضة من مصر محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا، هو الذي عسَّر ولا يزال من مهمة التأسيس النسقي الذي يلحق نخبة هاته الدعوة بالحقل النخبوي العربي ويعطيها شرعية الوجود، ولربما هو ما أبقى رجالات هاته الدعوة يشتغلون داخل النطاق دائرة الفكرية الخاصة، وفق نمط المريد والأتباع، ما أبقى الدعوة والصحوة في قاع الشعبوية العاجزة عن التلاقي والتلاقح مع الغير والآخر الفكريين.

وهذا ما أتاح لمثل عائض القرني إيجاد حضور غير شرعي في المشهد الدعوي من خلال غوغاء الكلمة وفوضى المنبر، حتى حسب، من فرط ما حازه من آذان صاغية، أنه قد فاق من يسمعوه من مريدي حظيرته الخطابية، علما ومعرفة، فمد يده إلى حظائر الفكر الحر ليسطو على ما ليس في متناول فكره حاسبا أن غياب ثقافة النقد وتقاليده بحوزته الشعبوية، هو شامل لكل الحظائر الأخر، محتميا بهالة القداسة الدينية من عباءة وشماغ ولحية ضد كل من يسعى لجمركته فكريا واسترداد منه ما ليس له.

لكن المؤلم هو أن بعض النخب الإسلامية ممن علت مستوى كثيرا هذا العائض، وأكاد أجزم أنها مدركة لخطيئته وسطوه على إنتاج الغير في الفكر والسير، ومع ذلك ما حادته بل حابته وواصلت مجالسته في خيم الشعر ونظم القصيد المادح لخير برية! في تغاض عن لزمة أخلاقية كبرى، لا سيما بعد صدور قرار محكمة السعودية ضد هذا العائض في قضية السرقة الفكرية التي اقترفها بحق الكاتبة سلوى العضيدان في مؤلفها “لا تيأس” الذي غير عنوانه بـ”لا تحزن”!

في الغرب حيث العقل يعتلي مدارج كل القداسة، موقف كهذا يجلب العار، ليس للمؤلف السارق وحده، بل لعائلته ولمحيطه من زملائه وصحبه،إذا ما واصلوا ملازمته من دون أن يعترف بجرمه ويتوب منه، لكننا ولكوننا خارج “أخلاقيات العقل” عار السرقة يقف لدينا عند حالة المشهود المادي فقط، وإلا كيف سكت الوعاظ والخطباء والشعراء، من أمثال عصام البشير، محمد العوضي، راتب نابلسي وأبو زيد مقرئ الإدريسي وغيرهم في خيمة الصحوة والدعوة المنصوبة في ليالي بذخ الكلام، عن جرائم القرني الفكرية، وهو يفتتح معهم سهرات الشعر والمواعظ بعبارة اللهم لا علم لنا إلا ما سرقنا” ! في وقت اشتغل بالموضوعية المثلى عبد الله السمطي الكاتب المصري المقيم بالسعودية على فضح هذا السارق المارق المدعي للفكر والتنوير؟

لقد اختفى الناقد الجزائري بعلي مباشرة بعدما جُرد من جائزة البابطين عن كتابه في النقد الثقافي، حين ثبت أنه خالف ضوابط اقتباس ومنهج التمرجع، وغال في إيراد مواقف كتاب دونما أن يشير إليهم، كالدكتور عبد الله الغذامي، عز الدين المناصرة، ولم يعتلي من وقتها منصة أو منبرا فكريين، في الوقت الذي لا يزال فيه هذا العائض يكابر في المنابر ويعتذر عما لم يُطلب أن يعتذر منه ويذر ما يلزمه الاعتذار والتطهر منه، فكان حربي به أن يعتذر عن سرقة كتاب سلوى لا المشاركة في الصحوة، فاختفاء بعلي كان إقرارا منه بالزلته الفكرية لأنه غير مدثر بغطاء قدسي وليس له منبر خطابي متجاوز لسلطة وأخلاقية العقل، في حين استمرار القرني على مغالبة العار، لأنه لا عقل له ولا للذين يسلمونه سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم.

المقال السابقهل تنتقل أمريكا من الردع إلى الفعل مع إيران ؟
المقال التالىالاضاءة في الفيلم السينمائي (١)
بشير عمري كاتب صحافي جزائري.. يشتغل على نقد الخطاب السياسي، بالإضافة لاشتغاله في حقول الأدب والفن نقدا وإبداعا يكتب في القصة القصيرة والرواية... عمل بالعديد من الصحف الجزائرية، ويساهم في عدة دوريات عربية وأجنبية. حامل لدبلوم في الاقتصاد التربوي، من المعهد التقني للتسيير. صدر له: 1) حول ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد