فكرة الموت في المنظور الفكري للإنسان الرافديني

 

كانت ظاهرة الموت وما زالت من أهم الظواهر الَّتي شغلت فكر الإنسان وحيرته، إذ وقف الإنسان القديم أمامها راصدا، يسجل ظروفها وأسبابها المختلفة معللا أحيانا ومصورا أحاسيسه وانفعالاته تجاهها أحيانا أخرى، يتساءل: كيف نموت؟ ولماذ نموت؟ وماذا بعد الموت؟ فما كان عليه إلا أن يبتكرَ مجموعة من الرموز التي تعينُه على قبول الواقع والاستعدادِ لما هو آتٍ فكانت الأسطورة وسرعان ما تقبل مضمونها؛ لأنها أقرب إلى ما يسمو إليه وإلى نظرته التفاؤلية فيما يخص الحياة والموت وبذلك يكون قد وقف عند الانطباع الكلي دونَ اللجوء إلى التحليل المتأمل للتَجربة وكان هذا الانطباع مشوبا بالانفعال المتأثر باللحظة الحاضرة المباغتة.
لذا فقد أثرت فكرة الموت بشكل كبير في حياة الإنسان في مجالين أولهما: عقلي وهذا يتجسد في محاولته لفهم هذه الظاهرة وتفسيرها وبالتالي تحديد موقفه منها، وثانيهما:عملي يتمثل في قيامه بأعمال خاصة معينة تعقب حدوث الموت ابتداءً بعملية حفظ الجثة وانتهاءً بأداء الطقوس والشعائر الخاصة بالموت، فقد أدرك الإنسان القديم النهاية الحتمية له (الموت) الذي اعتبر أمراً حتمياً وقانوناً طبيعياً وضعته الآلهة له عندما أوجدته ، فقد قيل بأن الآلهة وحدها خالدة ، أما الإنسان فموته أمر لا مهرب منه ويستوجب الرضا.
ولا شـك أن العراقيين القدماء آمنوا بحتمية الموت لأنه مقدر مـن الآلهة منذ أن خلقوا، وهذا ما أكدته ايضا قصة الخليقة البابلية التي ورد فيها تقرير الموت للإنسان منذ البدء :
((قالت الآلهة العظام :
دعونا نستمع إلى طبل من اجل مصير الأيام القادمة
وبسبب لحم الإله نود أن يسكن شبح الموت جسد الإنسان
ليذكره بالموت ، ليت شبح الموت يسكن الإنسان
حتى لا يكون بالإمكان نسيانه)).
((فالموت حقيقة وجودية وجدت بوجود الحياة ، وأن كان هناك اختلافات بين البشر حول حقيقته فالجميع يتفقون حول (حقيقة الموت الحتمية) ووقوعه ولا يمكن فهم هذه الحقيقة إلا من خلال الحياة، فالحياة هي تلك الظاهرة التي تبرز فعلها من خلال مقاومة الموت، ولا يمكن إنكار تلك العلاقة الجدلية بينهما الموت يمنح قيمة ومعناً للحياة فعندما يدرك الإنسان بأن وجوده محدود بزمن متناه فانه يندفع إلى الحياة بكل عنفوان لتحقيق طموحه)) ، فلو كانت الحياة لا متناهية لما كان لديه الدافع إلى الاستعجال في تحقيق ما يريد، فالموت ليس مجرد عملية فيزيولوجية تتوقف خلالها الأعضاء عن الاستمرار بل هو نهاية الطموح، والرغبات والأماني والأحلام والإنسان عندما يرفض الموت فأنه يريد أن يستمر في الحياة لتحقيق ما يتمناه ، ولهذا رغب الإنسان في أن تكون حياته طويلة ليتمكن من تحقيق كل ما يريد تحقيقه فهو يخشى الموت عندما يشعر بأن أيامه قد ضاعت عبثاً ودون جدوى، فالموت هو الذي يحيل الكل إلى أللاشيء هو العدم والفناء والغياب الأبدي ولهذا فأن ظاهرة الموت. كانت من أهم الظواهر التي أقلقت مضجع الإنسان وحيرت باله فحاول أن يقدم لها تفسيراً.
لذا نجد أن قضية الموت شكلت موضوعا مهما للإنسان في بلاد الرافدين حتى بات ينسج حوله القصص والروايات وحاول جاهدا الوصول إلى وصف دقيق ومناسب لذا نجد مثلا في ملحمة كلكامش يصف انكيدو الموت لصديقه ويمنحه مميزات وخصائص تفوق البشر فيـرد:
كانت السماء ترتعد فاستجابت لها الأرض

وكنت واقفــا وحـدي فظهر أمـامي
مخلـوق مخيف مكفهــر الوجــه
كان وجهه مثل وجه طير الصاعقة (زو)
ومخالبــه كأظفــار النســر
لقد عراني من لباسي وامسك بي
بمخالبه واخذ بخناقي حتى خمدت أنفاسي..
لذا كان الموت في نظر العراقيين القدماء من طبيعة الإنسان وتركيبه في حين كان الخلود من نصيب الآلهة ، أما إذا حاول الإنسان تحقيق الخلود فيكون عبارة عن خلود معنوي الذي يتحقق من خلال تقديم الأعمال المفيدة للإنسان والمجتمع ومنها تضحية الفرد بنفسه من اجل الوطن ، إذ يرد على لسان كلكامش :
آه ، غدا صاحبي الذي أحببت ترابا
وأنا سأضطجع مثله ، فلا أقوم ابد الآبدين .

لا تعليقات

اترك رد