أكلة من ذاكرة الصبا: رفيسة خالتي السيّدة

 

للرفيسة ببلدتنا وجهان. كلّ واحد منهما ألذّ من الثّاني. انتقلت الخالة السيّدة بنت بن حضرية من العزاعزة إلى الشّرامطية إثر اقترانها بالعمّ الهادي بن حدّة فتركت الخالة فاطمة ترعى أختها الصّغرى وتُعدّها لزواج موسر من فارس الجهة العامل ببلجيكا. أمّا الخالة السيّدة فقد ورثت نشاط العزازة وحذقهم الكلام. وستتعوّد لدى الشّرامطية كيف تجسّد ذلك على أرض الواقع. وهي صبيّة فارعة أورثتها أمّها بعض قدّها وكثيرا من جمالها ذي البسمة الدّائمة والوجه المشرق زاده زواجها الحديثُ يَناعة وخَفَرا ولُيونة ما حدّت من مضائها واجتهادها في كلّ عمل تنجزه. فهي مافتئت عضدًا أيمن لزوجها الحفيّ النّشيط هادئ الطّباع جيّد الإنصات خَفِيض الصّوت، عاشق زوجته ونشاطه في صمت. فهي راعية الأغنام في غير كلل. وحاصدة الكلإ من التلّ القريب في غير ملل. تنقل محصولها من العشب قريبا من البيت ليُجفّف ليومين ثمّ يتفنّن العمّ الهادي في بنائه في كوم سويّ، فمنه علف الشياه والبقرة والأتان ، وسيلة تنقّله إلى ما نأى من أماكن كسوق سيدي علي أو سوق أولاد حفّوز أو غيرها من المشارب. وترى الخالة السّيدة لا تكفّ عن الحركة: ترتّب البيت على قلّة أثاثه وتحلب البقرة والنّعاج كلّ على حدة عند الفجر. وتصفّي الحليب بمصفاة الحلفاء في الحلاّب لتُودعه ببُرمة عظيمة قرب الأثافيّ يَروبُ.هي ستعود إليه مساء تصبّه بالشّكوى تمخضه فتفصل الزّبدة عن لبن يُطعم الجاراتِ و الأ بناءَ وجراءَ الكلاب. وإن أنت رُمت لأعمالها عدّا أعياك ثني الأصابع. فهي الحارثة الزّارعة منقّية الزّرع، الجانية الدّارسة مستخرجة الزّيت، الحاصدة الدّارسة مجمّعة الحبّ. جالبة الماء معدّة الطّعام، والدة الأبناء مُشذّبة أخلاقهم، القيّمة على طلبات سي الهادي القليلة. البارّة بأمّها ،الشّادية في الحفلات القليلة ،الرّاقصة طربًا الباكية غضبًا ، الضّاحكة نِكايَةً في شظف العيش، الحالمةُ ،الحامدةُ المُصلّية في غير انغلاق ولا تزمّت.. تخشى اللّه فرقبتها بين يديه. وتحبّ الحياة فأنفاسها منها ولا تتحقّق رغباتُها ورغباتُ بنيها إلاّ فيها،لذا فهي صورةٌ ثابتةٌ للبِشر. والشرامطية كلّ الشّرامطية أرجلٌ نشيطةٌ وأيادٍ نظيفةٌ. بيوتهم مرتّبةٌ. وحظائرهم نقيةٌ وزرائبهم لا شوائب فيها.والدّواب عندهم محمولة الفضلات حال وقوعها منها ليظلّ محيطها طاهرًا. فحتى كرمات الصّبار جذوعها مقشورة لا شوك فيها وأرضيتها الصّلبة الظّليلة يحلو فيها الجلوس لنظافتها…. تجلس السيّدة إلى المِعجنة الطّينية بعد أن تطهّر يديها حتى المرفقين لتعدّ كسرة “المبسّسة”. فتصُبّ من مكّوك جلد الماعز سميذًا أبيض ناصعًا ، تكيله تجسّسا بكفّ يدها ثمّ تُحكم ربط فم المكّوك الملويّ. وتأخذ قارورة زيت الزّيتون لتصُبّ حفنةً زيتا على السّميذ. وتنشأ في تحريكه بأصابع باعدت بينها. ثمّ تضيف قبضة َ إصبعين مِلحًا ومثلها من مسحوق زنجبيل الكركم الزّعفرانيّ. والأصابع لا تنفكّ تحرّك الخليط. تتوقّف الخالة فجأةً لتأخذ جرّة صغيرة من خزف لتصبّ ماءً بمقدار يُساعد على العجن. ثمّ طفقت الفاتنة ذات السّالفين الفاحمين تعجن الخليط بما أوتيت من قوّة وقد حوّلت جلستها في خفّة فباتت كالهامّة بالسّجود لكنّ يديها المختصمتين والسّميذ تحوّلانه عجينًا تمنعانها. وما إن يستوي عجينها حتى تقسّمه قِطعًا تَكْمشها بيدها اليمنى.ثمّ تُحيّد الأقراص إلى جدار المِعجنة. وتُبقي واحدة تدفعها إلى الوسط. و تشر ع في تفطيرها براحتي يديها مستخدمة كلّ القوة التي تنبعث من جسدها وقد جثت على ركبتيها، فينبعث من صوت الأنثى بعض أنين مكتوم. وهكذا دواليك مع جميع القطع وتضعها على أقفية الغرابيل. ثم تنبري إلى الأثافيّ توقد نارَه. وتمسح بيدها داخل الطّاجين. ثمّ تسوّيه في حركة سريعة على نار تستعر. و تُمهله قليلا حتى يسخُن لتضع به الكسرات لتنضج. وأمام الخالة السيّدة أمران: إمّا أن تمدّ ذويها بأجلاف من هذه الكسرات اللّذيذة،وإمّا أن تنصرف إلى “هَرْوَشَتها” بأناملها قبل أن تبرد وإلا اضطرّت إلى التّوسّل إلى ذلك بمِهراس. ويمكن أن تفرك ما تحصّل لديها على أعين المِنفضة الحديدية.فينزل المُبسّس أسفر ذهبيّا وقد خالطته بعض سُمرة النّضوج. توزّع الخالةُ فُتاتَ الكسرة المبسّة في صحنين بربريين ملوّنين. وترفس فوقه عحين التّمر وكرة زُبدة فاح منها الإكليل والكمّون الأسود وحفنة زبيب وحفنتَيْ لوز. وتبقى كلّ الشّرائح وكلّ المكسّرات صالحة لهذا الطّبق، الذي سيُذرى عليه السكّر أو تدلق فيه ملاعق عسل جبليّ.وأحبب به من طبق شهيّ لذيذ نافع في آن!…. وقد تنجز الرفيسة بالملاوي أو المريّش وفي ذلك تفاصيل أخرى…

لا تعليقات

اترك رد