إدارة مشروعات التعليم بين المال والخرافة

 

مع التحولات السياسية في منظومة الحكم بعد التغيير الراديكالي في العراق بعد سنة 2003، انفتحت الحياة العامة على فوضى المشروعات التي تستثمر بمختلف القطاعات التي يمكن أنْ تمارس مهمة تبييض الأموال من جهة وأنْ تدرّ الربح السريع وإعادة تدويره لمضاعفته قبل نقله إلى فضاءات استقراره الأخيرة. وفي ضوء تحالف مافيا نهب الثروات الخاصة والعامة مع رجال التدين الجدد، أي بضع أنفار ارتدوا (لبسوا) الجلابيب والأعمّة وباتوا يمارسون دجل الفتاوى وأضاليل الخرافات وطقوسها صارت مجريات الحكم تتخذ قوالب وآليات تبحث عن رسم معالمها بأهداف أبعد من اضرب واهرب أو اسرق وهرِّب فقد اطمأن التحالف إلى سطوته وصار له أن يخطط لمديات نهب وسلب وتحكّم أطول زمناً..

وهكذا دخل ميدان (التعليم) لاستثمار جانب من أموال النهب. وبذلك يمكنه أنْ يفصِّل البنى والهياكل المجتمعية على وفق رؤاه ورغباته، ويسيّرها بإرادته من دون عناء كبير…

إنّ الأمر لم يعد مقصوراً على الاتساع بل (التضخم) بحجم التعليم الديني في الزوايا والتكايا أو مدارس التعليم الأولي الأساس بل انتقل ليشمل حجماً أكثر تضخّماً في التعليم الثانوي والإعدادي ومن ثمّ في التحول إلى افتتاح مشروعات التعليم (الجامعي والعالي).

إذ أن الأمر عند أصحابه لا يعدو عن وجود مبنى بالحجم الذي يراه مفصَّلاً أو مقاساً على حجم ما يرغب باستغلاله في المشروع وعلى وفق ما يريد منه بميادين التعليم التي اختارها من دون دراسات جدوى وعلاقة بسوق العمل والحاجات المجتمعية بهذه المرحلة ومن دون وجود إدارات وكوادر عمل مناسبة لإدارة المشروعات موضوعيا وعلى وفق منطق التعليم الحديث وقوانينه..

الأنكى أن تلك المشروعات عادة ما تتخذ من برامج متدنية في هويتها ومحتواها ولا تنتمي للعصر بصلة بقدر ما تجتر من عصور خلت أغلب مفرداتها… والهزل في تلك الأوضاع أنها تتضمن بالأساس فكرة (أسلمة) العلوم لتصير هندسة إسلامية وطب إسلامي نبوي وغير نبوي وكيمياء إسلامية وفيزياء إسلامية أو هكذا يضعون الأسماء على شهاداتهم وبرامجهم تسويقاً وتمريراً بقصد حجب من يمكن أن يحاسب وحظر أي تدخل منه بمجرد وضع تسمية الأسلمة أو وضع المشروع تحت جلباب المعمم وعمامته…

وإذا كنتُ قد عنونتُ معالجتي بالمال والخرافة فلقد قصدت بالأول المنهوب منه الفاسد المتجه لتبييض وجوده وأردت بالثانية تلك الادعاءات لتمثيل الدين وليس فيه من اي ين سوى آلية التدين المفرّغة من تعريفها المرتبط بالدين وحقيقتها المنتمية بجوهرها لمنطق الخرافة وأضاليل ما تقدمه وتسوّق له وتفشيه وباءً مرضيا خطيراً وسط المجتمع..

كل ما تحتويه مشروعات التعليم الأهلية بمرجعيات مستثمري أموال السحت المنهوبة بالحواسم وعبر كومشنات تخريب القطاع العام وبنى الاقتصاد العراقي المعطَّل، هو رأس مال (مفسد) ما يعني أنها مشروعات تغطية للتبييض وإعادة تدوير السرقات المتأتية بمختلف الطرق بضمنها ألاعيب القدسية المزيفة التي مارست نهب الفقراء وعليه فلا مناص من شكليات إجرائية من مبانٍ وعاملين يمارسون أعمالا تشبه (شكلا) ما يجري في منظومات التعليم بمختلف البلدان…

لكن، أين الفحوى؟ أين المحتوى والمضمون؟ سيكتشف المرء أنّ أفضل أحوال تلك المؤسسات أن تضع مفردة أو مقرراً بين برامجها مما ينتمي لمنجز التعليم الحديث ولكنها لن تحاسب الطالب على دراسته وتفقه ما فيه فهي تضع (أشخاصاً) يمارسون دور (الأساتذة) بطريقة شكلية تمرر (في كثير من الأحيان من دون امتحان حقيقي لأنّ التدريس بمستوياته المعروفة اليوم هو بمستوى ملائي كتاتيبي لا يرقى حتى لمستوى كتاتيب ايام زمان!

ولا نسبة رسوب بل نسب مخرجات تتواءم والحاجة للبيع والشراء في الشهادات بما يخدم المشروع (استثمارياً أو استغلالياً بدقة أكثر) حيث المردود المالي المطلوب المنتظر من افتتاح تلك المشروعات أو على أقل تقدير تدوير المال المنهوب لتبييضه كما أسلفنا.. طبعاً التبييض ليس لسرقة بطريقة حرامي أيام زمان بل السرقة و\أو النهب ما زال يُرتكب بشرعنة لم تعجز الآليات عن استباق الأمور حتى لو جرت مطاردة بإطار صراع اقتسام الغنائم فكل طرف (سارق) أمَّن على حصته بطريقة بعينها..

حسناً بالعودة إلى مشروعات ((التعليم)) ما هي الخصائص والسمات:

الأبنية غير وافية ولا تتلاءم وطابع التخصصات وهي لا تستجيب لضوابط اشتغال كل فرع علمي بعينه.
التجهيزات المرفقة من معامل ومختبرات أما قاصرة بطريقة فجة تنتهك فرص التعليم تطبيقا أو عمليا أو تتكئ على استغلال جامعات رسمية…

الكوادر الإدارية ليست ممن يحمل الخبرات الوافية لإدارة جهد نوعي بما يفي وهي ملائمة فقط لإدارة ربحية المشروع لا لغير ذلك.
الكوادر التدريسية بين استقطاب (استغلالي) لبعض ممن يعمل في جامعات أخرى رسمية مجاورة تبحث عن تغطية الجانب المعيشي أو عناصر غير مؤهلة وممن أولوياتها البيع والشراء بما ينتهك العرف القيمي للأكاديمي..
البرامج مشبعة بفوضى الأداء حتى عندما تقتبس مسميات لمقرراتها هي غير فحوى أدائها الفعلي.
مستوى المحاضرة وحجم الانتظام فيها لا يخضع لبرمجة ذات هدف بنيوي له مؤشراته التي تقاس نوعيا كميا..
تدني آلية المحاضرة لمستويات أدنى من الملائية الكتاتيبية..
خرق فاضح للامتحانات واختبارات التقويم ومعاييرها وآلياتها، ما يمكن اكتشافه بمجرد نظرة أولية إلى المجريات.
خضوع فلسفة تلك المشروعات لمنطق التجهيل والتخريب لمخرجات التعليم العالي عبر منظور الجلابيب والأعمة ولا معرفية اشتغال الخرافة وفوضى ما يثسمى مجازاً منطقها.
انعدام أنشطة إنتاج جسور العلاقة بين التعليم والمجتمع فبالأصل لا علاقة بحاجات المجتمع وأولوياته في رسم خطط المشروعات تلك المسماة جامعات.
إن ظواهر تفريغ التعليم من محتواه العلمي وطابع أو هوية تنويره الثقافي هو السمة الجوهرية لتلك المشروعات..

وإذا كنا ندرك معنى وجود بعض كوادر أو شخصيات مؤهلة هنا وهناك لظروف وأسباب مختلفة فإننا نعي حقيقة أن ذلك لن ينفع مع ابتلاع منظومة المشروعات المافيوية الآلية والهوية لأي قدرة فردية وكبح فرص تأثيرها الإيجابي ومسخ المخرجات بوساطة السكات الكلية الشمل لمخرجات مشروعات الخرافة وما تمّ من إضفاء العلمنة عليها بطريقة هزلية..

من هنا سيظل وجود تلك المشروعات المربوطة بقطاع التعليم شكلا في حين أنها جوهريا هي مجرد مشروعات تبييض أو تدوير أموال لصالح المتسترين بالعمامة من أدمغة الخبث وتخريب المجتمع.. نقول سيظل ذلك سبباً خطيراً لانهيار العقل الجمعي وانحداره لمستويات لا تمثل أرضية لأي احتمال في تغيير يمكن أن يحصل بالمدى المنظور ومن ثمّ فهي تغييب الوعي الجمعي عن مهامه في بناء وجوده والتقدم به لأنسنة الحياة وذلكم هو مسعى تلك المشروعات ضمن منظومة قيمية شاملة لنظام التخلف والظلام وإنْ ارتفعت صيحات التطبيل للقدسية المزيفة التي لن تكون سوى استخدام ألفاظ محرّفة المواضع زمكانيا حيث وضع كل شيء في غير موضعه..

والنتيجة أردأ المخرجات..

أما الحل فلن يكمن في مراجعات بعض موظفين يشتغلون في ذات المنظومة أقصد منظومة تلك المشروعات من جهة ومنظومة وزارة التعليم الأساس والتعليم العالي في حكومة اقتسام البلاد والعباد غنائم حرب 2003 وهي كما سوَّقوها جزءاً من ثأر وهْم 1400 سنة من ألاعيب التضليل…

إلى أنظار المجتمع وحركة الوعي والتنوير فيه.. كيما نقف موقفنا المؤمل من نظام التعليم برمته في بلاد كانت يوماً موئل مدرسة العلمنة الأولى فصارت موئل الخرفنة الأولى…

لا تعليقات

اترك رد