حرب في الحديقة الخلفية

 

بين ترامب المصمم على ارغام ايران على التفاوض او المواجهة وبين خامنئي الذي يراهن على وحدة شعبه وقوة ارادته، تتواصل عمليات التحشيد الامريكي مع بعض الالعاب الجانبية، تفجير سفن بالفجيرة ومحطات ضخ في السعودية، ولا احد يمكنه التكهن بمصدر هذه الالعاب، فالعقل يستبعد تماما ان تكون ايران ورائها ولكن مجريات الحروب كلها بعيدة عن العقل تماما، الحرب هي فشل العقل وعجزه ان كانت النوايا حسنة وسليمة، وهي ايضا وجه الشر والكراهية والغرور وحب السيطرة والهيمنة والبحث عن المصالح بعيدا عن الاخلاق والانسانية، وهي نوايا مبيتة مبنية وفق اهداف وستراتيجيات ربما لانعرف منها الا القشور، والا ما يجب ان نتوهم بمعرفته ، وعندئذ لايمكن ان نستبعد ان مثل هذه الالعاب قد يكون مصدرها او الراعي والموجه لها هو الطرف الساعي الى الحرب كوسيلة للتوريط والضغط السياسي والنفسي على الطرف الاخر، لاسيما اذا وضعنا بالاعتبار ان الطائرات المسيرة التي ضربت محطات الضخ في السعودية اذا كانت قد انطلقت من اليمن كما قيل فان عليها ان تقطع مايقرب من ثمانمئة كم، وهو امر ليس باليسير وبالمعقول اذا ما وضعنا في حساباتنا قدرات المملكة الدفاعية التي كثيرا ما سمعنا عنها باعتبارها رابع أكبر مشتر للاسلحة في العالم..
الصراع بين اميركا وايران يتميز بحقيقة تشدنا جميعا وهي ان طرفيه من الاشرار ، فبقدر ادانتنا للهيمنة الامريكية ورغبتها في التدمير والسيطرة على الشعوب وثرواتها، بقدر ما ندين ايضا السلوك الايراني المدمر والمخرب والعابث والمشيع للفوضى في المنطقة، ايران لعبت دورا كبيرا وخطيرا في تدمير العراق وتخريب بنيته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وجعلته كيانا مشلولا مسلوب الارادة وتتعامل معه وكانه جزء تابع لها او كما يقال حديقة خلفية لها، وكذلك فعلت في اليمن وسوريا ولبنان، ومع كل ذلك فان الالعاب التي ترافق هذا الصراع لم تصل ايران ولم تقترب منها بعد، بل صممت لتكون قابلة للنفي او التاكيد..
في بغداد نشاط دبلوماسي متواصل، فبعد زيارة بومبيو المفاجئة والسريعة والتي اضطر بسبب اهميتها الى الغاء لقائه بالمستشارة الالمانية ميركل والتي سعى من خلالها كما قيل الى كشف مخططات تهديد كان من المقرر ان تقوم بها بعض اذرع ايران في العراق ضد المصالح الامريكية، جاء دور السفير البريطاني ليزور السفارة الايرانية ببغداد ليتباحث مع نظيره الايراني شؤون الحرب والسلام في ذات الوقت الذي كان الجنرال قاسم سليماني ينسق المواقف في بغداد ايضا ويدعو فصائله العراقية للاستعداد لحرب بالوكالة حسبما كشفت صحيفة الغارديان عن مصدرين استخباريين، ترافق هذا اللقاء مع التوجيهات البريطانية برفع حالة التاهب لقواتها في دول الخليج وفي العراق ايضا، وكان قد سبق ذلك ان سحبت واشنطن موظفيها غير الاساسيين من العراق، اما المانيا وهولندا فقد منعت حركت موظفيهما وخبرائهما العسكريين في العراق والزمتهم السكن في قواعدهم..
في واشنطن، يصرح ترامب انه لايميل للحرب، فيما تعبر مدمرتين اخرتين مضيق هرمز، ملتحقة بحاملة الطائرات لنكولن وبقطعات مدمرة اخرى مع خطط بتحشيد مايقرب من مئة وعشرين الف عسكري ، ومع ذلك فقد شهدت واشنطن اول لقاء بين رئيس سويسري ورئيس اميركي وهو لقاء لم يكن معدا او مبرمجا ليعطي صورة عن وساطة تقوم بها سويسرا لنزع فتيل الازمة بين طهران وواشنطن، اما الحدث الاهم في واشنطن والذي على ما يبدو انه وراء كل هذه النشاطات والوساطات فهو استلام مجلس الشيوخ الامريكي لملخص عن ملف ايران لمناقشته يوم الثلاثاء القادم لتشكل هذه المناقشة الموقف الحاسم والمسار الواضح لاتجاهات الاحداث المرتقبة..
مازلت ارى ان هذا السيناريو مكرر اذ انه سبق وان عرض علينا في تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، وساطات من هنا وهناك، تسويف هنا وهناك، تحدي من هنا وتخوف من هناك ، وعود جوفاء ومراهنات بائسة وغير واقعية، تطمينات بعدم وقوع الحرب ولكن الحرب بالنسبة لاميركا وسيلة لفرض الهيمنة وايضا للتربح مادام ثمنها مدفوع مقدما..
وبما ان ترامب رجل تجارة ومال فلا اعتقد انه سيفوت فرصة ثمينة مثل هذه خاصة اذا ما اعطاه مجلس الشيوخ وهو المتوقع الضوء الاخضر للمضي قدما في سياسته تجاه ايران الا اذا تراجعت طهران واستجابت ليس للمفاوضات بل للشروط الامريكية وجنبت نفسها والمنطقة كارثة بكل معنى الكلمة..
مع كل ذلك تبقى افكار المراقبين غير مستقرة وغير واثقة من اتجاهات الاحداث، هناك من يرى ان هذه الضغوطات تهدف للتركيع وليس الحرب وان ايران ستخضع مجبرة في النهاية ، وهناك من يضيف احتمالية توجيه ضربات محددة نحو اهداف ايرانية مهمة، وهناك من يرى ان الوساطات وخاصة بعد تحرك الرئيس السويسري ستاتي ثمارها باطفاء الحرائق سريعا، والبعض من يعتقد ان الحرب لازمة كانها قافية في نهاية بيت شعر..
كل هذا الحديث يتعلق باميركا وايران، فما الذي يدفع سفارة واشنطن وبعض حلفاءها الى اتخاذ الحذر في العراق؟..
الذين يستبعدون الحرب والصدام يبررون وجهة نظرهم ان احتلال ايران ليس بالامر الهين والامر يحتاج لاضعاف الحشود المخطط لها، لاسيما وان اميركا لن تجد حليفا مشاركا اخر لها كما حصل مع العراق سابقا، وما هذه الحشود الا للترويع ولخلق اوضاعا قلقة داخل المؤسستين الايرانيتين، الرسمية منها او تلك التي يمثلها الحرس الثوري الساعي لنشر الثورة وتصديرها، وبين التفاوض والحرب هناك مساحة واسعة للانكسار والتخاذل والاهانة ونهاية قصة شوشت تاريخ المنطقة منذ مجيء الخميني عام 1979، ومع ذلك فان ايران قادرة وهذا ما يثق به البعض على تحريك الاوضاع في العراق ولبنان وربما في الكويت ودول خليجية اخرى وهو الامر الذي سيعجل بضربات موجعة وبتفاوض سريع ايضا ، ولهذا السبب تحديدا فان التخوف من التهديدات في العراق ياتي باعتباره جزءا من الكيان الايراني وليس كيان منفصلا عنه، واذرع ايران فيه هي الاقوى والاكثر طاعة للولي الفقيه وجاهزية قتالية ، ومن المرجح تماما ان يكون ساحة الحرب اذا ما دار اوارها..

المقال السابقكان عندنا امل
المقال التالىناي …
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد