تَخَيَّلا ، أنْتِ وَأنا ج (2)* والاخير


 

2- وَعندما الكمائن مِن وَرْدٍ وَنَبِيذ

أسألُ الورْدَةَ :
كَيفَ تَستَعيد عطْرَها،
نضارتَها،
حَبّات النَّدى،
مَلْمَسَها الذي يُسْكِرُ الأنامِلَ؟!.

وَالوَرْدَةُ
زاوِيَةٌ مُنْفَرِجَةٌ
يرسمُها فَخِذاكِ السَّمراوانِ
على مَلاءَةٍ سَماوِيَّةٍ.
شَهَقَتْ رُوحِيَ
وَتَعَرَّقَ في قَمِيصيَ
جَسَدِي،
عندما الوردَة
فَرَدَتْ بَتَلاتها
بَيْنَ فوضى عُشْبٍ قاتِم.
………………..
هكذا
ألوذُ بالصَّمْتِ
لاعِقاً جِراحِيَ
أنا المَغْدُورُ
بأشواكِ الوُرُودِ
التي فَتَنَتْني!.

أنا مَن لا يَشْتَرِي الهَوى مِن بائعاتِهِ الصّغيراتِ
بأعصابِهِ وَنَبْضِ جُيوبِهِ
أنامُ وَعَلى لِسانِيَ
طَعْم امرأةِ النّيكوتين
يا لِحَفِيداتِ “جان دوفال” في شَماليّ أفريقيا
يُفَتِّتْنَ قَلبيَ البودليريّ
مُبْتَسِماتٍ لِمَرايا مُضَبَّبَة!.

-1-
تَخَيَّلِي أنَّكِ تُقْتَلَعِينَ
مِن ذِراعَيَّ
أنتِ الطّفْلَةُ الكبيرة
بِنَهْدَيْها الثّائرَيْنِ كَبُرْكَانَيِّ شَهْوَةٍ
عَلى فَمِيَ وَكَفَّيّ
وَشِراع شَهْوَتِيَ أُفْرِدُهُ
مِن حَريرِ بَطْنِها
تَعانَقَ فَخِذاها المُتَعَرِّقانِ حَوْلَ ظَهْرِيَ
وَبُخار لُهاثِها
يُبَلِّلُ هَمَساتها في أُذُنَيّ :
ادْخُلْ في عباءتي
وَدْخُل جَنَّتي..
الطّفلةُ التي فَجَرَتْ بي
وَفَجَّرَتْ فُولاذَ يأسِيَ مِن حُبٍّ جَديد
تَرَكَتْنِيَ ذاهِلاً
في مَعبدِ الشّوقِ والانتِظار
وَمَضَتْ تُرَوِّضُ جاحِداً آخَرَ
بِهذهِ النِّعَم!.

-2-
وَتَخَيَّلِي وَرْدَةً غامِضَةً
بِوُضُوحِ شَوكِها.
لَم أصادِفْ قَبْلُ امرأةً يَمحُوها الغِيابُ هكذا,
يَنْعَدِمُ وُجُودُها حَارِجَ سَريري!.
جَسَدُها الذي كانَ نَبْعاً
في فراشيَ المُقْفِر
في لحظةِ غِيابِها بَدا سَراباً!..
لم يَتركْ أثَرَاً على جَسَدي
ولا في الرُّوح؟!.
كأنَّ لَحظةَ اللذَّةِ
“آيس كريم” في هَجير الصّحراء
والخيانة عاصِفَةٌ رَمليّةٌ
تكتسح أعشابَ الوجدان.
كأنَّ حُبَّها الوردةُ العالية
تذبلُ في وحدتي
يقطفها غيابُها
وَيٌلقي بِها
إلى ظَلامِ القنوط!.
………………

-3-
وَتَخَيَّلِي يا امرأةَ الأحَد
أنَّكِ تَغيبينَ سَبْعَ لَيالٍ
لأنْهَضَ نَهارَ الأحَد فيكِ
ثُمَّ أغفو على ما اكْتَنَزَتْهُ الوسادةُ
مِن عَرَقِ إبْطَيْكِ
وعطْرِكِ.
على أنغامِ جَسَدٍ في جَسَدٍ
أتَّسِخُ بِضَجَرِ وحدتي،
فاغْسلي عُبارَ انتِظاري
بِرِيقِكِ،
إشْراقَةُ عُرْيِكِ
تَفْتَحُ عَيْنَيَّ على وُجُوديَ
فَرُدِّي قَدَمَيْكِ عَن الدُّرُوبِ المُهَرْوِلَةِ
في عَباءاتٍ قاتِمَةٍ
لا تَغيبي
مُتَدَثِّرَةً بِعَدَمِي!.
…………
أتَوَسَّدُ صَخْرَةً
وَأصْغي
لِهَدِيرِ بَحْرٍ في قَميصِيَ المُبْتَلِّ بِدَمْعِ السّماء.
صَنادِلُ النَّوارِسِ فَوْقَ الرِّمالِ
فارِغَةٌ مِن أقدامِها
تلكَ الدّقيقة المَضمُومُةُ إلى بٌطٌونِها في الآفاقِ
وَصَوتُ أمِّيَ
نُورٌ يَفكّ القَيْدَ عَن فُؤادٍ وأضلاعٍ
في مهبِّ التَّحَجُّرِ
صَوْتُها حَجَلٌ بينَ أنقاضِ بيروتَ
يَرْثي مملكة الرّاجِمات
مُصْغِياً لِتَراتيل كَمَنْجاتٍ
بين أكتافِ الانتِظارِ
وَأقواسِ الشَّوْق.
أنا النّابِضُ على حافّةِ “المَلّاسين”
في غُرْفَةٍ مُؤثَّثَةٍ بأطيافِ رغبَةٍ وموسيقا،
يَدخلْنَ مَلَكوتي، يَخْلَعْنَ مَلَابِسَهنّ، يَغْتَسِلْنَ بِعَرَقِي،
وَيَخرجْنَ مِنَ المَرايا فَرِحاتٍ يَرْفَعْنَ على طُرُقاتِ المَدينَةِ
العتيقَةِ راياتِ البَهْجَةِ..
في “المَلّاسين” رَغْوَةُ البيرةِ يَحمِلُها النَّسيمُ
يحطّ بِها على صُراخِ مَخمُورٍ
في زُقاقٍ يُضيئهُ نَصْلٌ
يَقْطُرُ دَماً..
أرشقُ الغَيْمَ
بأسئلتي:
كَيْفَ يَندمِلُ جُرْحُ الحَجَرِ
بَعْدَ أنْ فَرَّت الفراشَةُ
بالضّماداتِ كُلِّها ؟.
قَبْلَ أن يَمسَّ الأرْضَ
مَسَّني مزاجُهُ
عامُ اثنَيْنِ وألفَيْن،
أنا وَهْمُ أحْشاءِ طائرٍ حديدِيٍّ
أم أحشاء غَزالَةٍ تَنْهَبُ الفَضاءَ؟.
كُلُّ أنثى أدخُلُها
تَمْرَحُ بِجناحَيْن
والغَزَالة التونسيّة تَعلو
مَرْجاً مِنَ الغَيْمِ الأسْوَد
كأنّهُ غَيْمُ اثنَيْن وألفَيْن.
ما الذي يَنتظرُني بَعْدَ ساعَتَيْنِ رُبّما
غَيْر مُنْعَطَفٍ كَحَدِّ السكّينِ
أثلمُهُ بِدَمِي
وَبِعَبَثِ طُفُولَتِيَ الخالِدَة؟.
يا أمّي
لِماذا أبحَثُ عَن امرأةٍ
تَلِدُنِي ثانِيَةً؟.
………………
أنَذا أتَقَلَّبُ على نَفسيَ
رُوحاً غريبةً بينَ أجسادٍ غريبةٍ
فيا جَسَديَ الظّامئ كرُمْحٍ
كَم أنثى تَنتَظِرُ وَحِيدَةً
على سَريرِها
وَأنتَ في حَقْلِ النبيذِ
تَرعى حَذِراً؟

يا جَسَدي
أنحني إليكَ
أيُّها المُتَماسِك!.
………………
وأنتِ شُدِّي إليكِ
أعضائي كُلّها
يا امرأةً بلا مَلامِح
شُدِّي إليكِ
أعضائيَ النّائمةَ
يا قَبْرَ ذُكورتي!..
فَمَن يُحاوِرُ الجدرانَ
يَحتّها بأجفانِ أيّوبَ،
وَمَن يَصُوغُ باشِقاً
مِن رَمادِ ذُكُورَتِهِ
تُعَشِّشُ العَصافيرُ
في فِخاخِهِ الرّحيمَةِ!.
————

*الجزء الثاني والأخير مِن قصيدة “تَحيّلا ، أنت وأنا” ، بَعْد الجزء الأوّل الذي نُشِرَ في “الصدى. نت” يوم 07/05/2019.

لا تعليقات

اترك رد