اثر الاخطاء الطبية في سير العدالة


 

مقدمة:
حين يقترب الإنسان من أخيه الإنسان ليس فقط لشفائه من أمراضه وتخفيف وطأتها عليه بل أيضاً لمشاركته فيها بما تحمله من قلق وعذاب وبما تمنحه من فضائل الصبر والمحبة والرجاء، تتجسد بذلك مهنة الطب القائمة على الخبرة والاختصاص والأخلاق العالية والإخلاص والاندفاع في خدمة الآخرين بأبهى الصور وأحلاها والتي تحميها القواعد القانونية بقوتها الرادعة لمنع أي تقصير أو إهمال في القيام بواجبات المهنة، وبالتالي لا يجوز لأي إنسان أن يستفيد من تفوقه على المريض للتحصن بمناعة قانونية أو رفض أية محاسبة عن الأخطاء والمخالفات التي قد يرتكبها، ولهذا لا بد من الرجوع إلى التاريخ في هذا الموضوع مروراً بتحديد العلاقة ما بين الطبيب والمريض وميدان المسؤولية المدنية العقدية إلى المسؤولية المدنية والجزائية بعيداً عن دائرة حسن النية أو سوء النية توصلاً إلى اجتراح الحلول

– لمحة تاريخية:
* مواجهة الطبيب أسرار الموت والحياة وعلاقته بالغيبيات (العبرانيون – الآشوريون – المصريون، الإغريق ، المسيحية ، الإسلام ، الأديان والمذاهب الأخرى).ه
* ظهور المسؤولية الطبية أيام حمورابي عندما سن نظام العقوبات ضد الطبيب المخطئ (1750) سنة قبل الميلاد
* معالم المسؤولية العلمية الطبية رسمها عميد الطب في التاريخ – الطبيب والفيلسوف أبو قراط (370) سنة قبل الميلاد كونه أول من تعرض إلى المسؤولية الناجمة عن مخالفات للعلم أو للفن الطبي والأخلاق الطبية

– الطب في واقعنا الراهن:
* تعريف العمل الطبي:
العمل الطبي هو نشاط يتفق مع القواعد المقررة في علم الطب ويتجه في ذاته أي وفق المجرى العادي للأمور إلى شفاء المريض. والأصل في العمل الطبي أن يكون علاجياً أي يستهدف التخليص من مرض أو تخفيف حدته أو مجرد تخفيف آلامه، ولكن يعد كذلك من قبيل الأعمال الطبية ما يستهدف الكشف عن أسباب سوء الصحة أو مجرد الوقاية من مرض. (شرح قانون العقوبات اللبناني – القسم العام – الدكتور نجيب حسني – ص 201-202)ي

* مدى مسؤولية الطبيب:
إطلاق قاعدة نموذجية في ميدان المسؤولية في عالمنا المعاصر.
لم يعد مقبولاً في يومنا هذا أن يخطئ المرء عن حسن نية.

* الخطأ الطبي مسؤولية جزائية ومدنية
(La Responsabilite Medicale)إن الفعل الخاطئ يكون سبباً للملاحقة الجزائية والمدنية أيضا
(مجلة الحقوق والشريعة – ص 157 – عدد 2 سنة 1981) .

* المسؤولية المدنبة نوعان:
مسؤولية تعاقدية: وتنشأ عن عدم الوفاء بالتزام مصدر العقد واعتبار عدم الوفاء خطأ تعاقدياً وتسري عليه المسؤولية التعاقدية.
مسؤولية تقصيرية: تتجسد بموجبات الطبيب في إطار العقد التي هي موجبات السعي وليس موجبات النتيجة. أي تأتي العناية بتطبيق قواعد العلم وأصول الفن حتى ولو لم تتحقق الغاية المتوخاة. وان الطبيب يلتزم إزاء مريضه ببذل العناية الطبية له على الصورة التي تشترطها أصول مهنته ومقتضيات فنه.(محكمة استئناف بيروت المدنية – الغرفة الثالثة – قرار رقم 910 أساس رقم 101 تاريخ 18/5/1967 الرئيس النقيب – والمستشاران معوشي وحداد).

وان الطبيب الذي يعالج المريض والمصاب لا يلتزم بتأمين الشفاء له كاملاً ومتماً فيما يجريه من فحص أو عملية إنما يأخذ على عاتقه بذل العناية الواجبة مراعياً في عمله القواعد الطبية الحديثة المستقرة في مجال اختصاصه فلا يخرج عما ينبغي أن يلتزمه أوسط الأطباء كفاءة وخبرة في المجال ذاته إن وجد في مثل وضعه (محكمة استئناف بيروت المدنية الغرفة الثامنة – قرار رقم 313/71 – النشرة القضائية لعام 197– ص 971 – 977 )ق.
* صعوبة إثبات مخالفة قواعد النقابة من قبل الطبيب بسبب اختلاف النظريات الطبية جعلت الفقه والاجتهاد يتجهان إلى ترتيب المسؤولية على أسس تخرج عن إطار العقد المدني استناداً إلى التبعة الناشئة عن الجرم أو شبه الجرم المنصوص عليها في المادة 122 و123/ م وع.

مادة 122/م وع: كل عمل من أحد الناس ينجم عنه ضرر غير مشروع بمصلحة الغير يجبر فاعله إذا كان مميزاً له التعويض.
تبصره كما يسأل عن الضرر الناشئ مادة 123/م وع: يسأل المرء عن الشر الناجم عن إهماله أو عدم عن فعل يرتكبه.
* توسع دائرة التبعة بحيث لم تعد قائمة على فعل مقصود بل أيضاً على عدم الفعل كما في الإهمال وقلة الاحتراز.
* نتيجة صعوبة تركيز التبعة على أساس الخطأ المثبت والناتج عن الجهاز والآلة. أتى القانون بنظرة جديدة إلى المسؤولية في المادة 131/ م وع (التبعة الناشئة عن الجوامد حيث يسأل مالك الجوامد عن الأضرار التي تحدثها تلك الجوامد وهي بغير حاجة إلى ثبوت واثبات ).

هذا في ما يتعلق بالتبعية المتمثلة بالتعويض المالي.

* أمثلة في الأخطاء الطبية:
الوقاية في استعمال أجهزة أشعة الليزر
“من الاحتياطيات الرامية ضرورة إحكام غلق أجهزة الليزر لمنع تسرب أي إشعاع إلا في النتيجة المخصصة لذلك”
مجلة العلم والمجتمع – العدد 44 – 1981 – مركز المطبوعات اليونسكو ص 98).)
– إذا كان الطبيب يجري عملية لمريض وأخطأ فسبب له العقم فإن هذا الفعل لا يعتبر تعقيماً بالمعنى القانوني إنما هو خطأ طبي تترتب على فاعله مسؤولية مدنية.

(الدكتور عبد الوهاب جوفر في مقال: المسؤولية الطبية الجزائية – مجلة الحقوق والشريعة – العدد الثاني 1081 – ص 183).
– ترك الطبيب المريض على سرير الفحص والانصراف عنه لاهتمام بآخر يشكل إخلالاً بموجباته لأن موجباته لا تقتصر على الأعمال الفنية الصرفة بل تشمل الأعمال العادية اللازمة لتنفيذ تلك الموجبات.

(محكمة استئناف بيروت المدنية غرفة 3 – قرار 368 – 7/3/1974) (العدل 1975 ص 263).
– حدوث النزيف الناتج عن قطع شرايين صغيرة أثناء العملية وعدم ربطها يشكل خطأ طبياً ويرتب المسؤولية.

(الموسوعة الجنائية جندي عبد الملك – جزء ص 863).
– إعطاء البنج بواسطة طبيب غير أخصائي يشكل خطأ طبياً.

(الرئيس رفيق الحسامي والمستشاران إميل ناصيف وجبرائيل معوشي).
– نقل الدم المناسب والسليم، فإن الطبيب الذي ينقل الدم غير المناسب والملوث بجرثومة تقوم مسؤولية الطبيب.

(مشكلات المسؤولية المدنية للدكتور محمود جمال الدين زكي – القاصر – جزء طبعة 1978 ص 377 – 378).
– لا مجال للتفريق بين خطأ جسيم وخطأ يسير في ميدان الخطأ الطبي.

(محكمة استئناف بيروت المدنية قرار رقم 910 تاريخ 18/5/1967).
– يسأل الطبيب إذا أجرى عملية بأدوات غير معقمة أو ترك سهواً في جسم مريض أداة جراحية.

(قانون العقوبات اللبناني – محمود نجيب حسني – الطبعة 1975 – ص204).
– الطبيب خاضع من حيث المسؤولية للقواعد العامة، فيسأل عن كل خطأ ثابت في حقه على وجه التحقيق سواء أكان الخطأ عادياً أم فنياً وسواء أكان يسيراً أو جسيماً وبالنسبة إلى لأطباء الأخصائيين يجب استعمال منتهى الشدة معهم وجعلهم مسؤولين عن أي خطأ ولو يسيراً خصوصاً إذا ساءت حالة المريض بسبب معالجتهم لان واجبهم الدقة في التشخيص والاعتناء وعدم الإهمال في المعالجة.

(محكمة استئناف مصر، حكم صادر بتاريخ 1936 مجلة المحاماة رقم 713.
– وبنفس المعنى القرار رقم 910 الصادر عن محكمة استئناف بيروت المدنية تاريخ 18/5/1967).
– العقد الذي يحصل بين طبيب ومريض يوجب على الأول أن يعطي الثاني المعالجات المنطبقة على قواعد الممارسة الطبية والمعطيات العلمية وبالتالي يسأل الطبيب عن النتائج الضارة لمعالجته المتأتية عن إهمال أو عدم انتباه أو عدم فطنة بصورة أكيدة – عدم تقيده بواجباته.
(فرح أبي راشد – المسؤولية – 1965 ص 215 و216).

* المسؤولية أو التبعة الجزائية:
هذه التبعة ملقاة إجمالاً على المرء ولا سيما الطبيب:
المادة 189: “تعد الجريمة مقصودة وان تجاوزت النتيجة قصد الفاعل إذا كان قد توقع حصولها فقبل بالمخاطرة ”
المادة 191: ” تكون الجريمة غير مقصودة سواء لم يتوقع الفاعل نتيجة فعله أو عدم فعله المخطئين وكان في استطاعته أو من واجبه أن يتوقعها وسواء توقعها فحسب إن بامكانه اجتنابها ”
المادة 190: ” يكون الخطأ إذا نجم الفعل الضار عن الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة الشرائع والأنظمة ”

(والمقصود هنا بالأنظمة تلك التي وضعها له العلم والفن في الحقل الطبي).
المادة 564: ” من تسبب بموت احد عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس ”
المادة 567: ” ومن بمواجهة شخص في حالة الخطر بسبب حادث طارئ أو بسبب صحي وكان بوسعه إغاثته أو إسعافه بفعل شخصي أو بطلب النجدة دون أن يعرض نفسه أو غيره للخطر وامتنع بمحض إرادته عن ذلك عوقب بالحبس من شهر إلى سنة ”

– الطبيب وبحكم شهادته وبحكم واجب اطلاعه المستمر على تطور العلم الطبي والتقنيات الطبية مسؤول جزائياً سواء كان الفعل غير مقصود ومحفوفاً بالمخاطر التي توقع حصولها فقبل بالمخاطرة وسواء لم يتوقع نتيجة فعله أو عدم فعله وكان باستطاعته أو من واجبه أن يتوقعها وكذلك في حال عدم إغاثة الشخص وإسعافه بالسرعة القصوى عندما يكون في الأمر خطر حال (جريمة الامتناع).

وهنا ميدان الخطأ على ثلاثة أنواع:
– الفعل الذي يقوم به الطبيب بوعي وإدراك وعن حسن نية وبقصد الشفاء وهو يتوقع حصول ضرر ما وقد قبل بالمخاطرة بقصد الشفاء ومن اجل مصلحة المريض غير أن المحاولة فشلت وتضرر المريض أو مات (فالمساءلة هنا جزائياً بعقاب وتعويض).
– إن لم يتوقع الطبيب نتيجة فعله فأقدم عليه ولكن كان في استطاعته أو من واجبه أن يتوقع، يسأل جزائياً متى كان من واجبه أن لا يجهل الضرر.
– الطبيب الذي يمتنع عن إسعاف شخصي عندما تكون حالته خطرة وتنذر بالموت يسأل جزائياً.

* الإثبات:
– مبدأ الإثبات على المريض
– هناك استقرار قضائي تحقق في بعض المجالات الطبية واستثناء على إلقاءه على سبيل المثال
– الطبيب مسؤول عن أضرار بالآلة دون حاجة إلى إثبات الخطأ
– الطبيب الاختصاصي في الجراحة التجميلية مسؤول عن الضرر الناتج عن فعله أو عن إهماله بدون حاجة إلى إثبات الخطأ أو الإهمال على اعتبار أن القانون ادخل العلاقة بين هذا الاختصاصي وزبائنه في دائرة العقود ذات الموجبات الرامية إلى إنجاز نتيجة محددة خلافاً للنظرية العامة السائدة فإن الطبيب ملزم بالعناية والعناية فقط
– الطبيب مسؤول عن جهله بمعطيات العلم والفن والتكنولوجيا في عصره وفي ما عدا ذلك فالاجتهاد القضائي يتجه بخطى ثابتة من ميدان المسؤولية المدنية العقدية إلى المسؤولية المدنية والجزائية بعيداً عن دائرة حسن النية أو سوء النية(8)

* نظرية حرية المبادرة:
تؤدي إلى تبرئة ساحة الجراح أو الطبيب بصورة عامة وبالتالي استبعاد تطبيق المواد 189 و191 كون هذه المبادرات أنقذت العديد من المرضى وساهمت في تطور الجراحة ولان المسألة فيها اجتهاد طبي طموح يقوم على موازنة دقيقة بين الخطر الجاثم والخطر المحتمل.

– الجراح غير مسؤول عن نتائج العملية إذا استعمل آلة مألوفة ووسائل علمية معروفة.
(خليل جريج – نواحي خاصة في مسؤولية الطبيب المدنية).

– إذا أجرى الطبيب الاختصاصي عملية جراحية عقبها طارئ مرضي، لا تترتب المسؤولية عليه.
(حكم القاضي البدائي في بيروت – عاطف النقيب رقم 826/ تاريخ 29/3/1961).

* التقرير الطبي:
التقرير الطبي هو وصف لحالة صحية معينة وهو يحتوي على:
1- اسم الطبيب واختصاصه وعنوانه.
2- اسم المعاين وتاريخ ولادته بحسب ما يعلنه هو على مسؤوليته.
3- يسلم التقرير لصاحبه شخصياً وذلك حفاظاً على مبدأ سرية المهنة.
4- لا يذكر الطبيب في التشخيص نوع المرض إلا بعد موافقة المعاين على ذكره.
(أي إن الطبيب يعطي وصفاً خطياً لحالة معينة ويكون التقرير بالتالي، وصفاً دقيقاً مهنياً طبياً صادقاً لحالة المعاين).

فيكون التقرير الطبي، على تعداد أنواعه، نتيجة لفحص دقيق ولتشخيص طبي صادق ولا يمكن الفصل بينه وبين المعاينة لأنه نتيجة حتمية لها، فلا يمكن إعطاؤه إلا بعد معاينة طالبه.

إن التقرير الطبي على أنواع متعددة نذكر منها:
1- التقرير الشرعي حيث يقوم الطبيب بمهمة أساسها الخبرة وغايتها خدمة الحق والعدالة.
2- التقرير المعطى نتيجة لحادث.
3- التقرير المحدد لنسبة الأضرار.
4- تقرير الوفاة.
5- تقرير محدد للأمراض المهنية.
6- تقرير الشفاء.
7- تقرير استشفاء.
8- تقرير التسبب في حادث.
9- تقرير الزواج.
10- التقرير المعطى بشهادة سوق أو وظيفة أو سواهما،

وفي كل هذه الحالات يصف التقرير حالة المعاين، ومهما تكن نتائجه أو طريقة استعماله أو الهدف منه، يبقى مرتبطاً بتصوير حقيقة المعاين من دون سواها.

وللتقارير الطبية تأثير مباشر على حياتنا اليومية فإذا جاءت مطابقة للحقيقة كانت أداة لإظهار حقوقنا والمحافظة عليها وإذا جاءت مغايرة لها انعكست على مجتمعنا فأفسدته وأضاعت الحقوق.

أصبح التقرير الطبي مجرد ورقة شكلية، يطلبها المواطن من طبيبه معتقداً أن الطبيب ملزم بإعطائه، ويستعمله المواطن بدوره بحسب أهوائه وحاجاته من دون أن تكون لارتباطه ولتصويره للحقيقة أية أهمية، فما يهم المعاين هو أن يخدم التقرير الطبي حاجته، أما حقيقة هذا التقرير وصحته فأمران لا يتوقف المعاين عندهما، لان التقرير في نظره مجرد معاملة من المعاملات عليه إتمامها ليحصل على تقديمات حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الغير.

1- التقرير الطبي والقضاء:
يدخل التقرير الطبي في سير العدالة كمستند مهم، ويعتمد كوسيلة لبيان الحقيقة وكمرجع تستفيد منه العدالة، وقد بات اليوم وسيلة للتهرب وطريقة تستعمل كل يوم لتأخير مجرى العدالة ولتشويه الوقائع التي ترتكز عليها.

أ- في تأخير سير العدالة:
هناك حالات تستلزم مثول المواطن بالذات أمام القضاء، إذ لا يكتفي فيها بحضور وكيله عنه.
هذا غالباً ما يحدث أمام المحاكم الجزائية، سواء في مرحلة التحقيقات أو في طور المحاكمة، وسواء أكان المطلوب مثوله شاهداً أم كان مدعى عليه.
فالتقرير الطبي الكاذب يستعمل في هذه الحالة للتهرب من المثول أمام القضاء، ذلك أن المعاين يعرف أنه ليس مصاباً بمرض يمنعه من المثول أمام القضاء وليس له عذر مشروع في ذلك، ويعرف الطبيب كذلك حقيقة الأمر، وعلى رغم هذا يعطيه تقريراً طبياً كاذباً يساعده على التهرب.

هذا ما يحدث اليوم في مختلف المراحل، وأمام المحاكم على أنواعها من جزائية ومدنية، وقد تفشى هذا الأمر وتوسع في مجتمعنا إلى درجة أصبح التقرير الطبي معها وسيلة معروفة وأكيدة تستعمل كل يوم، تستعمل كشربة الماء، حتى تكاد تصبح جزءاً من العادات المتبعة.
والكل يعرف هذا الواقع: قضاة ومواطنين وأطباء ومحامين، يعرفون حقيقة هذه التقرير ولا يحرك احد ساكناً لوضع حد لها.
وإذا عجز المواطن عن الحصول على تقرير طبي للتهرب من القضاء أو إذا لم تكن مدة التقرير كافية في تهربه، لجأ أيضاً إلى الطبيب وطلب إليه إدخاله مستشفى للقيام بعملية جراحية، عمليه يحدد موعدها مع اقتراب موعد الجلسة، وان على الطبيب أن يصف حالة المعاين هذه في تقرير كاذب يخوله التهرب من القضاء أطول مدة ممكنة بإدخاله احد المستشفيات، فإذا عدنا بذاكرتنا إلى ما يحصل، لتذكرنا كثرة المصابين بأمراض معضلة من تاريخ إرسال مذكرات الجلب إليهم وتتأخر عجلة العدالة ويضيع القاضي والمحامي والمواطن في هذه الدوامة الرهيبة، وتؤجل الدعاوى، وتؤجل المحاكمات من موعد إلى موعد ومن مهلة إلى أخرى، ويعتاد الجميع هذا الوضع الذي خلقه التقرير الكاذب، وقد أصبح وسيلة لتأخير سير العدالة.

ب- في تشويه الحقيقة:
إن التقرير الطبي هو من حيث تحديده: «وصف حقيقي لحالة المعاين» تقوم أهميته على حقيقته وواقعيته. وانطلاقاً من واقعه يستعمل كحجة أو قرينة يستند إليها في الأحكام
إن بعض التقارير المعطاة لا تصف الحقيقة كما هي، بل تصف رغبة المعاين الذي يطلب من طبيبه تقريراً بحسب حاجته إليه، ليستعمله بحسب أهوائه. كما يطلب من الطبيب أن يعطي شهادة عن شخص يتمتع بكامل حواسه ومؤهلاته العقلية لكي تكون وصيته قانونية، فيعطي الشهادة من دون أن يتأكد الطبيب الحسن النية من صحتها، إذ يعطيها بناء على رغبة الموصي له، فنجد أنفسنا مراراً أمام وصية مخالفة للحقيقة.
ويبلغ التقرير الطبي ذروة أهميته عندما يكون الركيزة الأولى التي يبنى عليها الحكم كما في القضايا التي يدعى فيها أن المجرم ارتكب جرمه وهو ليس في كامل قواه العقلية فيكون التقرير الطبي المستند لإدانته أو لتخليته، فترتدي حقيقته أهمية أولية.
ونصل بتشويه الحقيقة إلى التقارير المعطاة بسبب الحادث على مختلف أنواعها، حوادث السير والمشاجرات وغيرها، حيث يلجأ المتضررون إلى الطبيب ويطلبون منه تقارير عن إصابتهم التي يريدونها دائماً بالغة الخطورة ويطلبون من الطبيب تقريراً بتعطيل يتعدى العشرة الأيام ليتحرك الحق العام فيتسنى لهم توقيف الخصم، فيلجأ الآخرون إلى طبيب ثان يوقف بتقريره الطبي تقريراً طبياً آخر، وتكون النتيجة: تشويه الحقيقة وتشويه المستند الذي ترتكز عليه العدالة، وبافتقار التقرير إلى الحقيقة والابتعاد عنها يفقد أهميته، فبدل أن يكون وسيلة لإظهار الحق بتصويره الحقيقة يظهر التقرير الطبي اليوم كأنه أداة لطمس الواقع وتشويهه.

ج- في التهرب من تطبيق العدالة:
يوجب حسن سير العدالة أحياناً كثيرة توقيف شخص أو سجنه.
ويبدأ التفتيش عن حل للهرب من تطبيق العدالة، ويظهر الحل فجأة من خلال التقارير الطبية الكاذبة باعتبار انه لا يجوز أن يبقى المحكوم المريض في السجن في حين أن أصحاء من المساجين يقضون محكوميتهم في المستشفيات… فإذا ذهبنا اليوم أو أي يوم آخر إلى المستشفيات الحكومية أو غيرها من المستشفيات أو إلى المصحات لشاهدنا المساجين يستشفون وهم في كامل صحتهم وعافيتهم وبناء على تقارير طبية كاذبة.
نضيف إلى ذلك، التقارير الطبية الكاذبة التي تبرز كمستند يمهد للحصول على «عفو خاص» ويصدر العفو مرتكزاً عليها، في حين أن هناك سجناء حالتهم الصحية تستوجب العفو وقد خلقت التقارير الطبية الكاذبة ما أضاع عليهم هذا الإمكان فنرى من نتيجة ذلك مساجين أصحاء يعفون ومساجين مرضى يبقون في السجن
فمن خلال هذه اللمحة الموجزة ندرك تأثير التقرير الطبي الكاذب على سير العدالة وتطبيقها اليوم، فنرى كيف يؤخرها ، يحورها ، يشوهها وكيف يستعمل كوسيلة للتهرب من تطبيقها ، فينتج أثره المخيف الذي يشمل المجتمع.

2- التقرير الطبي وشركات الضمان:
تتأثر شركات الضمان مباشرة بالتقرير الطبي وبصحته وذلك في مراحل متعددة، ففي مرحلة أولى كضمان الحياة يطلب من المضمون أن يقدم تقريراً طبياً عن حالته الصحية، أن هذا التقرير غالباً ما يعطى اليوم من دون أن يخضع المعاين لكل الفحوصات التي من شأنها توضيح المعطيات التي تحتاج إليها شركة الضمان ليكون تعاقدها مع المضمون سليماً، فتضمن مثلاً مصاباً بمرض القلب أو غيره من الأمراض غير الظاهرة، فيأتي التقرير الطبي الذي تريده شركات الضمان أساساً لتعاقدها، تقريراً كاذباً لأنه أعطي من دون العودة إلى واقع المريض ومن دون أن يكون نتيجة لفحص دقيق.
وفي مرحلة ثانية تتأثر شركات الضمان بالتقارير الطبية المعطاة في حالات التعطيل عن العمل التي على أساسها يعوض المضمون والكل يعرف كيف في امكان المضمون الحصول على تقارير بتعطيله عن العمل.
كذلك تتأثر شركات الضمان في مرحلة ثالثة بالتقرير الطبي الكاذب في حالات العطل الجزئي أو الدائم إذ يحدد التقرير نسبة العطل وتدفع الشركة إلى المضمون تعويضاً يستند كلياً إلى النسبة المحددة في التقرير.
ففي كل هذه الحالات يلجأ المضمون إلى الطبيب وغالباً ما يرسله إلى وكيل شركة الضمان بالذات ويحثه على الحصول على تقرير طبي يصور أهمية الأضرار اللاحقة به من دون أن تكون الأضرار أو على الأقل نسبة الأضرار المطالب بها صحيحة، والطبيب اعتقاداً منه على رغم كون اعتقاده خاطئاً انه يخدم معاينه ما دام المضمون راضياً وممثل شركة الضمان موافقاً يعطيه التقرير الطبي الذي يطلب من دون أن يعلم الثلاثة جميعاً أو وكيل شركة الضمان والطبيب والمضمون أنهم يحرفون الحقيقة ويفسدون الواقع فيلحقون الضرر بأنفسهم وبالغير.

3- التقرير الطبي والمدارس:
غياب المعلمين كلكم تعرفونه، خصوصاً في المدارس الرسمية، وغياب التلامذة وتهربهم من الامتحانات كلكم تعرفونه: تتعدد الحالات وتبقى الوسيلة واحدة، التقرير الطبي المعطى للتهرب من المسؤوليات ومن الواجبات.

4- التقرير الطبي والتغيب المرضي:
إن التغيب عن العمل بذريعة المرض يصيب الدخل القومي بانتقاص مخيف ولا يمكن التغيب المرضي إلا بتقرير، فهل كل هذه التقارير صادقة ؟
ففي معرض البحث وفي كل الميادين، سواء تكلمنا عن العدالة أو عن شركات الضمان أو المدارس أو السفارات أو شركات الطيران أو الإنتاج الوطني، رأينا كيف افسد التقرير الطبي الكاذب الحقيقة، كيف افسد الواقع، كيف نال من سمعة مجتمعنا، كيف نال من حقوقنا وحقوق كل مواطن، كيف أصبح وسيلة كثيرة الاستعمال وفي كل الميادين للتهرب من الحقيقة والأنظمة والقوانين، كما أصبح الأداة اللاأخلاقية الأولى لتقويض مجتمعنا.
والمشكلة الكبرى والخطر الأكبر يكمان في الأطباء الشرعيين المعينين وهم ليسوا أصحاب اختصاص في الطب الشرعي.

ثانياً: الوضع القانوني الذي يترتب على التقارير الطبية الكاذبة:
إن التقارير الطبية الكاذبة بتشويهها للحقيقة والواقع وبإلحاقها الضرر بالغير تُعَّدُ قانوناً كمستندات كتابية مزورة.
وتطبق عليها بالتالي النصوص القانونية المتعلقة بالتزوير واستعمال المزور.
فهي تخضع لنصوص المادتين 453 و454 من قانون العقوبات اللبناني اللتين تقابلهما المواد 145/ وما يليها من قانون العقوبات الفرنسي.
فقد نصت المادة 453 على ما حرفيته: “التزوير هو تحريف للحقيقة في الواقع والبيانات التي يراد إثباتها بصك أو مخطوط يحتج بهما قد ينجم عنه ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي
ونصت المادة 454:« يعاقب بعقوبة مرتكب التزوير نفسها من استعمل المزور وهو عالم بأمره »
ولم يكتف قانون العقوبات اللبناني بنصوص المادتين السابقتين بل خص التقارير الطبية الكاذبة في المادة 466 حيث جاء ما حرفيته: “من أقدم حال ممارسته وظيفة عامة أو خدمة عامة أو مهنة طبية أو صحية على إعطاء شهادة لكي تقدم إلى السلطة العامة أو من شانها أن تجر على الغير منفعة غير مشروعة أو أن تلحق الضرر بمصالح احد الناس عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وإذا كانت الشهادة الكاذبة قد أعدت لتبرز أمام القضاء أو لتبرر إعفاء من خدمة عامة فلا ينقص الحبس عن ستة أشهر”
وبالإضافة إلى كل ذلك فقد نصت المادة 20 من قانون الآداب الطبية على ما حرفيته: « إن إعطاء تقارير مغرضة وشهادات مجاملة تشكل خطأ جسيمًا »
وبالتالي تترتب على التقارير الطبية الكاذبة كل المسؤوليات والعقوبات التي تترتب على الخطأ الجسيم.
كذلك نص القانون الفرنسي في مواده 159 و160 وما يليهما على معاقبة الطبيب الذي يعطي في أثناء ممارسته المهنة الطبية ولمصلحة شخص معين تقريراً يحتوي على مغالطات، كذكره وجود مرض معين أو نفيه لوجوده أو تحديده لسبب ومسبب لعطل أو تسبب في وفاة، على أن تطبق المواد ضمن شروط معينة.

Encyclopedie Dalloz , Droit criminel 11.
Delivrance d’un faux certeficat medical – faux en ecriture .

N* 258 : L’article 160 du code penal , modifie par l’ardonnance du 8 Fevrier 1945 vise le cas ou le certificat emane d’un homme de l’art (medcin , chirurgien , dentiste , ou sage-femme ) . Ce qu’il punit , ce sont les indications fausses donnees par cet homme de l’art dans l’exercice de ses fonctions et pour favoriser quelqu’un.

La fausse indication peut porter sur l’escistence ou l’absence d’une maladie ou de l’infirmitie ou de l’etat de promesse ou encore l’origine de la maladie ou de l’infirmitie et la cause de deces .

ولأجل تطبيق هذه المادة أوجب القانون معرفة الطبيب أن التقرير المعطى منه غير صحيح.

N* 259: Pour etre puni , l’homme de l’art , doit avoir agisciemment.

(chambre criminelle , 12 mai 1950 . Bull . crim . N* 152 ).

لكن القانون والاجتهاد اعتبرا أن عدم معرفة الطبيب لوجهة استعمال التقرير الطبي لا ينفي مسؤوليته.

N* 260: Mais l’ignorance ou se trouve le medecin de l’usage precis que l’interesse doit faire du certificat ne supprime pas l’infraction .

وصدرت أحكام متعددة في هذا الصدد:
Trib. St – Etienne 14 Fevrier 1948 . Rec. Sirey 1948 .2. 75 .
أما العقوبة التي نصت عليها المادة 160، فإضافة إلى الغرامة المنصوص عليها في المادة 164 من قانون العقوبات فهي تراوح بين سنة حبساً وثلاث سنوات.
هذا وقد تناول القانون الفرنسي كمستندات مزورة تخضع بالتالي لنص المادة 145 وما يليها من قانون العقوبات التقارير الطبية التي سبق إن تكلمنا عليها في علاقة التقارير الكاذبة بالقضاء والتي من شأنها نقل محكوم إلى مصح أو مستوصف، كما تناول التقارير الكاذبة التي تستعمل أساساً للتعاقد مع شركات الضمان.

GARROUD: Droit penal Francais . Tome IV . page 267 :

L’hypothese s’est presentee que l’on fabrique un faux certificat de maladie , dans le dessin de faire extraire un detenu d’un prison pour le faire transferer dans une maison de sante ,… devra etre puni comme un crime de faux ordinaire .

Il en serait de meme de la fabrication d’un certificat destine a tromper les compagnies d’assurance sur la vie .

ويعاقب الطبيب إذا أعطى تقريره على أساس المجاملة، أما إذا كان التقرير قد أعطي بناء على وعود من طالبه فإن العقوبة تزداد لتصبح أربع سنوات بدلاً من ثلاث سنوات وفي إمكان المحاكم الفرنسية أن تلفظ أحكاماً تمنع بموجبها الطبيب من ممارسة حقوقه المدنية لمدة خمس سنوات.

كل ذلك يختلف بحسب ماهية الوعود وبحسب الأجر المتقاضى عن الأعمال هذه.
أما في ما يتعلق بطالبي التقرير فان الفقرة 4 من المادة 160 تلاحق وتعاقب طالبيه بالعقوبة نفسها التي يلاحق بها الطبيب.
فإن طالب التقرير الكاذب أو مستعمله يعاقب إما على أساس شريك في الجرم وإما على أساس محرض.

Encyclopedie Dalloz . Droit criminel . Tome 11 . N* 263:

Celui qui a obtenu de medecin un faux certificat est punissable comme complice ou encore comme corrupteur dans les termes de l’article 179 du code penal (ord. 8 Fev. 1945) .

فمن خلال هذه النظرة القانونية إلى الموضوع نلاحظ أن التقرير الطبي الكاذب لا يختلف عن بقية المستندات المزورة بل يؤدي إلى ملاحقة الطبيب وطالب التقرير أو مستعمله بعقوبات التزوير واستعمال المزور.

* الحلول:
إن للطبيب دوراً مواطنياً مهماً، فهو مواطن قبل أن يكون طبيباً، فعلى الطبيب أن يعمل لإصلاح مجتمعه من خلال ممارسته المهنية، لأنه من خلال مهنته يبدأ دوره المواطني، كما يبدأ أيضاً دور القاضي والمحامي والمهندس والعامل وصاحب العمل … في بناء مجتمعهم من خلال ممارستهم لمهنتهم. والطبيب في ممارسته لمهنته يقوم بعملين:

الأول هو إعطاء الوصفات الطبية وهي تشمل الفحوصات والأعمال الطبية على أنواعها، وهذا الأمر مرهون كلياً بكفاءته المهنية.

أما الثاني وهو إعطاء التقارير للمعاينين فيشكل امتحاناً لصدقه خصوصاً وان علاقته في الشق الأول محصورة بشخص المعاين وتبقى العلاقة شخصية بينهما، بينما في الشق الثاني علاقته تمتد لتشمل المجتمع ككل.

على الطبيب أن يؤمن حسن سير العدالة في وطنه، فلا يساهم في تأخير سيرها ولا يساهم في تشويه الحقيقة فيه ولا يساهم في التهرب من تطبيقها.
وبالمقابل فان الطبيب ومهنة الطب بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى حماية مسبقة، وهذه الحماية تتحقق:
1- بتفعيل الرقابة الطبية الذاتية داخل الجسم الطبي لحمايته ككل بإدانة الأطباء المخطئين لإنقاذ هذا الجسم.
2- في مجال الطب الشرعي المعيار الأول اختيار أطباء أخصائيين في الطب الشرعي فضلاً عن معياري الأخلاق والصدقية.

«ظاهرة الإهمال الطبي منتشرة في مصر بشكل كبير والسبب الرئيسي ليس فقط الأطباء وانما المنظومة الصحية تفتقر إلى الكثير من المهارات والمصداقية. لدينا مشكلة في تدريب وتأهيل العاملين في الحقل الصحي في التمريض وفي الإدارة والطبيب يعمل في بيئة غير صحية. لدينا أيضا مشكلة كبيرة في أكياس الدم الملوثة التي تأتي من بنك الدم وفي توفر العلاج واستقبال المرضى في المستشفيات وفي التمريض كل هذه الأمور تؤدي إلى الأخطاء الطبية.

«أن عدم وجود رادع يؤدي إلى زيادة الإهمال والاستهتار في المؤسسات الصحية وطالبنا عبر وسائل الإعلام بإعادة هيكلة مصلحة الطب الشرعي وبوجوب وجود معايير تلتزم بها ومصداقية ورقابة».

ان التزام الطبيب في هذه العلاقة ببدل عناية وليس التزاما بتحقيق نتيجة، أي ان الطبيب غير ملتزم بتحقيق الشفاء للمريض ولكن ملزم بإثبات الضرر الذي وقع له واثبات العلاقة السببية بين الخطأ الصادر عن الطبيب والضرر الحاصل منه. كما ان ضحية الخطأ الطبي ملزم بتقديم تقرير طبي وإجراء خبرة طبية تفيد وجود هذا الخطأ، وهذه الخبرة يقوم بها طبيب أيضا وغالبا ما يتضامن الطبيب مع زميله ويكون المواطن المريض هو الضحية أولا وأخيرا.

م

لا تعليقات

اترك رد