جمهورية العراق الأهلية


 

روى لي صديق يعمل في إحدى المحاكم، أن أمرأة كبيرة في السن، مصابة بخرف الشيخوخة، تدمن “الشكاوى”، تأتي دائماً لتطلب منه أن يكتب لها شكوى، وبعد أن يكتب لها، تأخذ الورقة وتطويها وتذهب دون أن تقدمها لقاضٍ!

فيوماً يكون المشكو منه أقرباء لها، أو نساء أزعجنها، مرة أشتكت من تلميذة كانت معها في المدرسة قبل ستين سنة حسبما تقول.
أما ما أضحكني في أمرها المحزن، أنها جاءته يوماً لتطلب شكوى على سفارة أهلية!

هكذا خطر لها، ورغم فنتازيا ابتكارها لمصطلح “سفارة أهلية” إلى أنه يمسّ ما تسير إليه الأمور في العراق فعلاً، فكلمة “أهلي” و”أهلية”، أصبحت لازمة تتبع أسماء رياض الأطفال والحضانات، وأسماء المدارس من الأبتدائية حتى الثانوية، وكذلك الكليات الأهلية التي أصبحت لا تعدّ ولا تحصى، الأمر ينطبق كذلك على المستشفيات الأهلية، مما يجعل الوضع مخيفاً، في تلك الانتقالة من القطاع العام إلى “الخصخصة وبيع أصول الدولة للقطاع الخاص، العملية التي بدأتها أمريكا في أكثر من دولة في العالم، قبل أن تعمل على تطبيقها في العراق.

فهل يصل الحال بالعراق يوماً، أن تكون فيه “محاكم أهلية” و”سفارات أهلية” و”سجون أهلية” و”جيش أهلي” و”شرطة أهلية”، وأن يدفع الفرد ضريبة الحماية لهيئات أهلية، أو أن يمرّ الفرد بسيارته عبر “شارع عام أهلي”، ويعبر النهر من فوق “جسر فلان وشركاه” ويقف على “رصيف الحاج علاّن الأهلي”!

هذه الأشياء السيادية التي لا تفرط بها أي دولة، هي المستحيل القابل للتحقق، فإذا ما قدر للبلاد أن تدخل حرباً، أعلن حاكموها “الأهليون” عن مناقصة لشركات الجيوش الأهلية، لتقدم عروضها، حيث ترسو المناقصة على من يتكفل بردّ المعتديّ بأقل التكاليف!

في بلد لا يخفى على من يتابع أحواله، الإسراف في منح الرخص والتراخيص لكلّ ما هو خاص، وترك أبنائه تحت رحمة الرأسماليين، من تجار هذا الحزب أو ذاك، وبالمناسبة فإن أحزابنا خرجت من عباءة الوطنية إلى عباءة النفع الخاص، فأصبح الحزب يعرف باسم البيت والعائلة التي تديره، فيقول العراقيون:”حزب بيت فلان”، أو “كتلة عشيرة البو..”

كلّ هذا يجرّ البلاد لتكون ملكاً مشاعاً لخليط من المنتفعين، وينفي عن الدولة بالتدريج، أهم ركن من أركان قيامها، بصفتها ضامنة لأفرادها، حامية لهم، حتى يستحيل اسمها إلى جمهورية أهلية، قتلتها الخصخصة، وسفكت سيادتها على مذبح خيرات البلاد، التي لم غدت حكراً على طبقة أهلية متنعمة، على حساب فقراء يتشاركون المأساة والحلم بالعدل الإجتماعي.

لا تعليقات

اترك رد