إيديولوجيا أم نضالات حراك، الحراك الجزائري إلى أين ؟

 

مع الجمعة الثانية عشر من عمر الحراك الشّعبي في الجزائر، ثارت بعض الأسئلة حول مآل الحراك بعد أن طرأت بعض الأمور كاستدعاء الكثير من رموز النّظام السابق من قبل القضاء المدني والعسكري، للتحقيق في أمور فساد وحتى قضايا تتعلق بأمن الوطن ومنها التخابر، ولقد كان من بين الرّموز السياسية لويزة حنّون رئيسة حزب العمال والعسكرية الجنرال توفيق والجنرال طرطاق وأخو الرئيس السعيد بوتفليقة، مما يعني لدى البعض أنّ مؤسّسة الجيش ضربت بالعيار الثقيل، ولكن هنا مكمن الأسئلة التي أحرجت حتى الحراك لأنّ الرّأي داخله انقسم بين مؤيّد للمؤسّسة العسكرية في مبادرتها وبين رافض ومشكك في نواياها.

إنّ ما قام به القضاء فُسّر على إنّه حصل بإيعاز من المؤسّسة العسكريةلتصفية حسابات قديمة وتلميع بعض القيادات، مما لم يتقبّله القضاة وخرجت نقابتهم في اجتماع أكّدوا فيه على حرّية الفعل لديهم وإنّهم يقومون بواجبهم في المحافظة على أمن الوطن والسير الحسن لمؤسّساته من خلال التحقيق في قضايا الفساد والمفسدين، وفي حقيقة الأمر أنّ الذين شكّكوا في عملية استدعاء “رموز الفساد” في النّظام السابق إنّما يرون ذلك من خلال زاوية الالتفاف على الحراك وعرقلة مساره نحو بلوغ حلم “الجمهورية الثانية”، وهذا المنحى في تفكير الحراك له ما يبرّره، فالوضع لم يستتب لمرحلة انتقالية بعد تتم فيها العدالة الانتقالية، لأنّ المطالبة برحيل كل رموز النّظام السّابق لم تتم بعد، ومازال بن صالح وبدوي على رأس المؤسّسة التنفيذية، مما يعني أنّ النّظام السّابق أو الدولة العميقة مازالت مستمرة وحاضرة، وهو ما يجعل الحراك مستمرا في مظاهراته ومسيراته إلى أن “يتنحاو قاع” أي يرحلوا جميعا.

وعند هذا المنعطف لا بد من القول بأنّ الواقع يؤكد بعض الحقائق حتى لو كنّا لا نؤمن بها ونرفضها، فاستدعاء “رموز الفساد” المتّهمين بذلك من قبل القضاء، يصبّ في مطالب الحراك بمعاقبة كل من تسبّب في انهيار القيم الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الجزائري خلال العشرين سنة الماضية، رغم أنّ الأزمة الجزائرية وباتفاق العقول الناظرة مستمرّة منذ مصادرة الاستقلال الوطني من قبل جماعة وجدة، لكن ما حدث – في رأيي – يُستثمر ويُطالب بغيره تأسيسا على سياسة خذ وطالب، وخصوصا والحراك في الجزائر محظوظ جدّا لأنّه على خلاف “تحالف الحرية والتغيير” في السودان لم يواجه بمجلس عسكري، ولم يواجه أيضا بعنف كما ووجه به الحراك السوداني، وبالتالي تصبح القضية قضية أمل وطول نفس، والإيديولوجيا الوحيدة في رأييهي الأمل، لأنّنا محكومون بالأمل كما قال الرّاحل سعد الله ونوس، ولا مهرب لنا عنه، حيث على الحراك أن يستثمر في ما يتحقّق على أرض الواقع، ولابد من تكثيف شحنة الوعي بالمطالبة بمرافقة الجيش للحراك ضمن مهامه الدستورية المخوَّلة له، أمّا المطالبة بإسقاط رأس المؤسّسة العسكرية حاليا وفي هذا الظرف بالذات فهذا يبدو ضربا من الانتحار السياسي الذي لا يحسب حساب القوادم من الأمور.

تبقى المؤسسة العسكرية هي الضّامن للتوازنات وخصوصا في المراحل الحسّاسة من حركة المجتمعات العَالمْ ثالثية التي تتوق إلى نسائم الحرّية وممارسة إنسانيتها، ولكن، وهذا شيء طبيعي أنّ في لحظات التملص من عنق الزّجاجة، أول ما يتبادر إلى الإنسان هو استنشاق أكبر قدر من الهواء كي يستعيد عافيته ويبعد شبح الاختناق الذي يودي بالحياة وينهيها، فمطلب الحراك من هذه الناحية مبرّر، ومع ذلك فقليل من العقل والاتزان سوف يكشفان عن شيء آخر، وهو في حالة فراغ رأس المؤسّسة العسكرية سوف تثور بالضرورة صراعات الاستخلاف وبذلك لا يمكن أن نستشرف ما يخبّئه القدر من ريح قد تعصف بالوطن وبالدّولة أساسا.

الفريق الثاني الذي يدافع عن المؤسّسة العسكرية يبدو لي أنّه يغالي في ذلك، لأنّ هذه المؤسّسة ليست في حاجة إلى من يدافع عنها لأنّها عرين الوطنية والضامن لتحقّقها ضمن الأطر الشّرعية البادئة ببيان نوفمبر، ولهذا تعتبر النوفمبرية هي الرّكيزة الأولى والأساس التي تحقّق الاستقرار والالتفاف حول المبادئ الضّامنة والمؤسّسة لجوهر العمل الوطني وحقيقة الجمهورية الفاعلة والناطقة باسم الغياب الاستشهادي والحضور النضالي، أي الوطنية المتمثلة في القيمة الموضوعية الناهضة بين وصايا الشهادة ونضال المواطنة، وبهذا تعتبر النوفمبرية من “مصادر الذات” بتعبير المسكيني التي تمثل المرجعية حالالأزمات الكبرى التي تحيق بالوطن.

لا شك وأنّ الحراك الشّعبي قد قطع شطرا كبيرا من وقوفه ضدّ الظلم والطّغيان وامتهان الكرامة وتغييب الحرية وتبديد المال العام، ومازاله في البدايات لأنّالنضال طويل واجتثات نظام فاسد عمّر لحين من الدّهر، لا يمكن أن يكون بتلك السهولة التي نتصوّرها، ولهذا قد يتسرّب اليأس إلى بعض النّفوس التي تستعجل قطف الثمرة، والحقيقة إنّنا جميعا نريد ذلك عاجلا وليس آجلا، ولكن حركة التاريخ تخبر أنّها لا تحابي أحدا وإنّ الضريبة التي تُقدّم لاسترجاع الحرّية والكرامة والإنسانية باهضة الثمن، ولعلّ أقلّها الصبر، والمكسب الكبير هو أنّ الحراك قد ضمن عدم التدخل بالقوّة للجيش ضد المسيرات وهذا كان أكبر مكسب من حين الخروج الأوّل الذي رافقته تلك السّلمية التي أبهرت الجميع بما فيهم المؤسّسات الوطنية السياسية والعسكرية وقد حاول بعضها جرّ الحراك إلى العنف ولكن نضجه منع ذلك الانجرار إلى حافة الهاوية، أيضا المكسب الثاني هو عدم إعلان الجيش لمجلس عسكري يفرض مرحلة انتقالية ويقودها، وهو ما قد يفسّر موازين القوى داخل المؤسّسة العسكرية التي تحفظ الاتّزان داخل البنى المهيكلة للمؤسسة العسكرية ذاتها، وبالتالي حفظ التوازنات السّلمية داخل الحراك بما يعني التعبير الحر عن التوجهات داخل بؤرة الوحدة الوطنية الضّامنة للتلاحم الشّعبي ودحر كل مسعى جهويوعروشي وكل نعرة لغوية.

أصبح الحراك منظومة قيمية ترفض إعادة إنتاج القيم السّياسية البائدة عن طريق رفض التدخل من قبل من كانوا سببا في استفحال الأزمة، وزيّنوا للنّظام السابق سلوكاته التي أضرّت بالوطن والمواطن وجلبت عليهما الفقر والحاجة، في الوقت الذي اغتنت فيه أطراف داخلية وخارجية على حساب الجزائري المسكين الذي نفض غبار الخوف ونزع لجام الصّمت، وانتفض داخل ذاته وداخل حراكه لكي يقول أنا هنا أنا أناضل.

إنّ الصّورة الرّائعة للإفطار الجماعي في الهواء الطلق في مدينة برج بوعريريج لتمثل أرقى درجات الوعي الوطني والدّيني والاجتماعي لحراك لا يتّسم فقط بالسّلمية بل يمارس تجلياتها على كافّة الأصعدة، ومنها الصّعيد الإنساني، هذا الأفق الذي يعصم حراكنا المبارك من الانسياق خلف الدّعوات النّاعقة من هنا أو هناك لتشتيت شمل الجماعة الوطنية، أو انتهاك حرمة لحمتها التي تحقّقت انطلاقا من نضالات مريرة وعميقة على مستوى الوعي وبذر الأفكار البسيطة الحاملة لمعاني الأخوّة والوطنية المستلهَمَتين من فترة الاستعمار كما كان يفهمها “الخاوة” في الجبال والصّابرين في السّجون والمرابطين في المدن الكبيرة التي تحوّلت إلى سجون، فكان ميلاد الحراككتهليل بديع من سماء قريبة في صحو الوطن يرنو إلى بعث شعب يؤمن بما يقوم به ويرسم مستقبله بين حلم لجمهورية خالية من الفساد ووطن عريق في المحبّة.

لا تعليقات

اترك رد