اعتذار القرني وخطورة الأديان بلا علمانية

 

ما اعتذر عنه أحد رجال الدين مؤخرا من أخطاء شرعية تنسب الي زمن ما يسمى بالصحوة الإسلامية في المملكة العربية السعودية (منذ نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي)، وإنها تمثل التشدد والتطرف في فهم الشريعة الاسلامية وتقديم صورة متعصبة للدين من خلال الفتاوي والأحاديث والنصوص الدينية. إنما يمثل أحد الأوجه والأقنعة التي لطالما كان رجال الدين والفقهاء يمارسونها أبان التاريخ الاسلامي. فالتشدد والإعتدال، أو التطرف والوسطية، جميعها مسارات فقهية تم استخدامها سياسيا واجتماعيا بحسب طبيعة النظام الحاكم وبحسب هيمنة المناخ الملائم لتواجد الدين بشكل مجتمعي مهيمن أو مهمش. ولنا في العصور الاسلامية الأموية والعباسية وغيرهما، الكثير من القصص والتجارب والأحكام، ما يدل على أن الدين يكون بطانة للحاكم والبيئة والمجتمع متى ما توافقت الظروف المناسبة.
الصحوة الإسلامية مصطلح يقصد به رجوع مؤسسة الحكم والمجتمع بكامل فئاته وأطيافه الي النهل من الدين كشريعة وقانون ومؤسسات وحكم نافذ بما فيه تطبيق الحدود وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحماية الدولة وشرطتها الأمنية. فالصحوة إذن، وضمن هذا المفهوم تعني غلبة الدين في المجتمع ورضوخ الجميع الي تعاليمه وأحكامه. ويعتبر رجال الدين والفقهاء في تلك الفترة من أقوى الأدوات في محاسبة الناس وفرض الوصاية والطاعة والقوة داخل المجتمع، بل ويستمدون تعاليمهم وعقابهم وزجرهم من الدين نفسه، أي من التراث والأحكام القديمة وكتب الفتاوي والأحاديث النبوية والنصوص القرآنية. ويحدث ذلك غالبا عن، إما بالتطبيق الحرفي لنصوص الدين الصالحة لكل زمان ومكان، وإما عن طريق تأويل ولي وتوجيه النص والحديث لما يناسب تطلعاتهم وأفكارهم ومصالحهم الشخصية، وبهذا يتكلمون باسم الدين ويأمرون باسم الدين ويحبسون ويعاقبون وينبذون باسم الدين أيضا. وهنا تكمن الخطورة والعاقبة والألم، فاستخدام الدين بهذه الصورة جعل كثير من الناس والشعوب تخاف من الدين وتخشى من العقاب وتنافق وتكذب وترائي حتى تعيش بوجهها الحقيقي بعيدا عن الوصاية وسلطة رجال الدين المحمية بالدول ومؤسساتها وأجهزتها الرسمية والأمنية وحتى الخاصة. وقد دفعت شعوب المنطقة الثمن الباهظ جراء الصحوة الاسلامية التي وصلت الي دول الشام ومصر وأفريقيا، وحتى في المهجر ودول الغرب. ولم تتوقف نتائج الصحوة الاسلامية عند هذا الحد، بل تم استثمار أموال الدعم (الزكاة والصدقات والنذور والتبرعات وغيرها) الي قيام تيارات مسلحة وأجهزة دينية عسكرية لها اليد الطولى في التأثير على دول العالم من خلال الإنخراط في عمليات الإرهاب والقتل والتفجير باسم الجهاد الاسلامي.
هنا، لم يعد من الملائم أن نطلق على مسمى الصحوة الإسلامية هذا اللقب، أي باعتبارها عودة الي جذور السلف الصالح، بل كان المسمى هو إعادة هيمنة الدين في المجتمع وفرض الوصاية الدينية كما كانت في العهد الإسلامي وعهد الخلفاء وما بعدهم. فأدبيات الإسلام السياسي ودعاته لا تتوقف عند لحظة أسلمة المجتمعات، بل تتعداه الي ضرورة اقامة الخلافة الإسلامية والسيطرة على العالم وقيادته تحت راية الإسلام. ولم يتوانى دعاة الصحوة والفقهاء من مختلف الجنسيات والدول من دعم هذا التوجه، بل والإشادة بما وصلت اليه الصحوة من قوة وعنف يمثلان الصورة الحقيقة للتاريخ الاسلامي.
إن اعتذار رجل الدين عن الصحوة الاسلامية يجب أن لا يأخذنا الي الضحايا السذج والدهماء والمغفلين الذين إنساقوا خلف فتاوي الصحوة ودعاتها، فهؤلاء لا عقل لهم، بل قد استسلموا لمن يقودهم كالنعاج الي مقصلة الجهل والإعدام والموت وهذه حصيلة الشعوب المتخلفة، بل يجب أن يأخذنا اعتذار رجل الدين الي إطلاق جرس الإنذار لما تمثله الأديان من فرصة خطيرة للمتطرفين والمتشددين في بث ارهابهم ودمارهم الي العالم. يجب أن يأخذنا اعتذار رجل الدين الي فهم أكثر للعلمانية بما هي المحصلة النهائية للدول المتقدمة في إدارة مجتمعاتها وفق الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والمواطنة كونها الحاضنة للسلام والتعايش وقبول الآخر وفصل الدين عن الدولة. يجب أن يأخذنا اعتذار رجل الدين الي إدراك أن الأديان ماهي الا قناعات شخصية وعندما تتحول الي أدوات سياسية وأيديولوجيات مجتمعية إنما تحيل المجتمعات الي خراب وحروب وجهل واستبداد. يجب أن يأخذنا اعتذار رجل الدين الي فهم أكبر وأوسع لمعنى الإنسانية والتعايش وقبول الآخر المختلف مهما كان مغايرا عنا بالدين والجنس واللغة واللون. يجب أن يأخذنا اعتذار رجل الدين الي إعادة تشغيل عقولنا والي تضمين مناهجنا أدوات الشك والنقد والسؤال والتفكير النقدي. يجب أن يأخذنا اعتذار رجل الدين الي المطالعة بشكل أكبر، فالمعارف والعلوم لم تعد تقتصر على الأديان كما كان في العصور الوسطى، بل هناك العديد من التجارب البشرية والحضارات المختلفة التي أضافت للإنسان وللمجتمعات ما عجزت أن تقدمه الصحوة الاسلامية في أعوامها الطويلة. يجب أن يأخذنا اعتذار رجل الدين الي تقديم العقل قبل النقل، وأن نحصر دور الأديان في المعابد، وأن نلتفت الي ذاتنا وأن نصحح أخطاءنا وأن نرسم البهجة على وجوه أطفالنا وأن نؤمن بالمساواة والقانون وأن نتبين أن ليس كل من يتكلم باسم الدين أن يكون بالضرورة صادقا أو مخلصا أو وطنيا أو حتى مؤمنا.

لا تعليقات

اترك رد