هل يكفي الفكر الشّخصيّ لدحض الإيمان ؟


 

هل يكفي الفكر الشّخصيّ لدحض الإيمان؟
(ردّاً على مقال الدّكتور جعفر الحكيم، قصّة قيامة المسيح، كيف بدأت، وكيف تطوّرت؟)

هذا الرّدّ ليس بمثابة ردّ لاهوتيّ لأنّني أميل إلى الرّأي القائل إنّ الحوارات العقائديّة مضيعة للوقت. فهذه الحوارات لا تثمر ولا تغني، لأنّ كلا طرفي الحوار مقتنع بإيمانه بغضّ النّظر عن صوابه أو ضلاله. وكلاهما ينطلق من كتابه المقدّس ليثبت صحّة إيمانه. وبالتّالي فهذه الحوارات أشبه باستعراضات إيمانيّة لا أكثر ولا أقلّ. كما أنّ هذا الرّد ليس بمثابة دفاع عن العقيدة المسيحيّة لأنّ مبدأ الدّفاع يفترض هجوماً، ما لم أقرأه في مقالة الدّكتور جعفر الحكيم. لكنّني وبعد الاطّلاع على مقال “المسيح قام… ثمّ ماذا؟” وبالعودة إلى مقال ” قصّة قيامة المسيح، كيف بدأت، وكيف تطوّرت؟” لا سيّما أنّ بعضاً من سلسلة مقالات للدّكتور جعفر تحت عنوان “حوارات في اللّاهوت المسيحيّ”، بدت لي هذه المقالات وكأنّها نقداً للنّصوص المسيحيّة المقدّسة بل استفاض الدّكتور جعفر غالباً في مقالاته في شرح هذه النّصوص بما يتناسب مع بحثه. وذلك لأنّه يتعامل مع شرح النّصّ انطلاقاً من فكره الشّخصيّ ومنطقه الخاص. ويكفي أن أورد مثالاً واحداً وهو عبارة (عودة يسوع النّاصريّ إلى الحياة) الّتي بدت مترادفة والإيمان بقيامة المسيح. وهنا يقع أيّ ناقد لنصّ دينيّ في فخّ اللّغة وفخّ المنطق الشّخصيّ. وبناء عليه ينتفي هدف المقال ويلتبس مضمونه لأنّ ناقد النّصّ أو الباحث في أصوله وتاريخيّته انطلق من فكره ولغته المنطقيّة الشّخصيّة. فقيامة المسيح لا تعني أبداً عودته إلى الحياة كما يعتقد الدّكتور جعفر.
من ناحية أخرى، يستهلّ الدّكتور جعفر مقاله بما يلي: “تعتبر عقيدة (قيامة) يسوع الناصري بعد (صلبه) هي الحدث الأعظم في سرديات قصته، حسب المنظور المسيحي، فعقب موت يسوع على الصليب، قام من الموت وعاد ثانية الى الحياة بعد ثلاثة أيام، كما تقول النصوص الدينية المسيحية، والتي تعتبر حادثتي الصلب والقيامة، هما الحدثان الضخمان في تاريخ المسيحيةُ، حيث اعتبرت الكنيسة المسيحيةُ، أن قيامة يسوع المسيح هي برهانها الضخم، والحدث التاريخي الفريد المعجز في تاريخ البشرية!”
ولئن كانت القيامة عقيدة المسيحيّة فلا بدّ أنّها مرتبطة بالإيمان المسيحيّ. والإيمان أمر خاصّ ومشخّص ولا يمكن تقييمه أو قياسه. كما لا يجوز نقد النّصوص المرتبطة بهذا الإيمان أيّاً كانت، مسيحيّة أم غير مسيحيّة. مع العلم أنّ الدّكتور جعفر وضع مقالاته ضمن إطار البحث التّاريخيّ لكنّ من يقرأ هذه المقالة يستشف نقداً غير متّزن ورصين للنّصوص الّتي قرأها في الكتاب المقدّس. “لقد شكل الحكم بموت يسوع الناصري، صلبا، صدمة كبيرة في نفوس تلاميذه، وانهيار كامل لكل الآمال المرجوة في تحقق صدق نبؤات معلمهم، الذي أحبوه واتبعوه، ولم يشكّكوا في كلامه أو وعوده… وفجأة.. يموت المعلم.. وينهار كل شئ!! وهذا الأمر، يبدو واضحا، في قصة التلميذين، الهاربين من أورشليم، بعد موت يسوع، كما وردت في إنجيل (لوقا 24)
عندما يواجه الإنسان، أو مجموعة من الناس، صدمة شديدة محزنة، عادة، ما تكون ردة فعل الاغلبية منهم، إما رفض تصديق الحدث، وإما إعادة قراءة الحدث وما سبقه، من أجل صياغة تفسير مقبول ومريح، يزرع الأمل مجددا في النفس!
وهذه الظاهرة، معروفة في أدبيات علم النفس والسلوك البشري، حيث نجد أن الفاقد لشخص عزيز عليه، أحيانا، يؤكد للآخرين أنه رأى ذلك الشخص الميت، وهو يجلس في المكان الذي اعتاد أن يراه جالسا فيه!!!”
يشرح الدّكتور جعفر ردّة فعل تلاميذ يسوع انطلاقاً من علم النّفس، وقد يجوز ذلك نقديّاً، لكنّه يبقى ذلك رأيه الشّخصيّ الّذي نحترمه وحسب. لكن إذا أراد الدّكتور جعفر أن ينقد النّصوص المقدّسة علميّاً فلقد فاته أنّ هذه النّصوص تنطلق من الحرف ولا تنحصر فيه. كما فاته أنّ هذا المنهج يجب أن يطبّق على جميع النّصوص المقدّسة مسيحيّة وغير مسيحيّة. وهنا سيدخل في متاهات لا حصر لها، تاريخيّاً وإيمانيّاً. النّصّ المقدّس ملك للمؤمنين به، يشرحونه بحسب منهجهم الخاص. فمن غير المنطقي أن ينتقد مسلم نصّاً مسيحيّاً والعكس صحيح، لأنّ لكلّ منهما منهجه وتأويله الخاصّ. وكلّ ما عدا ذلك استعراض للمعلومات لا أكثر واستنتاج شخصيّ كما ورد في المقال: “من هنا، يظهر، أن التعاطي مع قصة عودة يسوع المسيح إلى الحياة، يختلف، حسب الخلفية الإيمانية لكل جهة، فالذين يؤمنون بالعقيدة المسيحية، يعتبرون هذه القصة، حقيقة تاريخية ثابتة، بينما يعتبرها غيرهم، مجرد ادعاء لا دليل عليه، وربما يكون مرده إلى توهمات أو هلوسات شخص أو مجموعة أشخاص، مصدومين بفقدان معلمهم وزعيمهم، الذي أحبوه وتعلقوا به، خصوصا أن نصوص الأناجيل تؤكد على أن أول شخص ادعى رؤية يسوع بعد موته كان امرأة …!!”. ويبدو لي أنّ الدّكتور جعفر يناقض نفسه في هذه الفقرة إذ يعترف من جهة أنّ القيامة مرتبطة بالخلفيّة الإيمانيّة، ومن جهة أخرى يربطها بالتّوهّم والهلوسة مستدلّاً بذلك على أنّ أوّل شخص ادّعى رؤية يسوع بعد موته امرأة. ما يدفعني إلى القول إنّ الدّكتور جعفر وقع في فخّ تركيبته الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة مدّعياً استدلالات علميّة.
للمسيحيّين ما يؤمنون به، وكذلك سواهم وما علينا إلّا أن نحترم هذا الإيمان، ونتخلّى عن استعراض معلوماتنا في سبيل دحض هذا الدّين أو ذاك تحت غطاء البحث التّاريخيّ. ما ينقص مجتمعاتنا الغارقة في الجهل والتّخلّف إعادة بناء الوعي والفكر حتّى تنهض من بؤسها الفكريّ.
“المسيح قام.. ثمّ ماذا؟”، السؤال العنوان الّذي أراده الدّكتور جعفر لمقاله الثّاني. العنوان الّذي يمكن إسقاطه على أيّ فكر دينيّ وعقائديّ. “المسيح قام.. ثمّ ماذا؟”، المسيح قام… حقاً قام.

لا تعليقات

اترك رد