أكلة من ذاكرة الصّبا: (الرُّبُّ عسل أيّام بني جلاص)


 

الرُّبُّ عسل أيّام بني جلاص) … ينهض شلغم مبكرًا بل إنّه يسبق كلّ الدّيكة. فيخلط مقدارا من “الروّينة” بحلاّب فخّار. يدلقها كلّها بجوفه. ويحمد الله حمدلةً مكرّرةً قبل أن يتّجه إلى ركن من الزّريبة حيث حماره “المصعصع” فيقدّم له حفنات شعيرا في سطل فقد عروته.فيلتهمها الأشخم في لهف. أمامهما يوم طويل.. وينبري الكهل في همّة يعدّ زنبيليه ويرصف بهما بضاعته بإتقان. ولكلّ منها كيس أو وعاء بلاستيكي.. فيغرف من صناديق الخضر المرصوفة بركن المعمورة الشّرقية بعضها.. ويا لعظمة زنبيليْ البيّاع! ويا لَشساعتهما. فبالقعر تكون البطاطا والبصل وفوقهما كيس من حلفاء تعوّد البلل ليحفظ حبّات الفلفل بصنفيه الحار والحلو ولا فرق بينهما إلا في الجسامة واللّذع ووظائف الطّبخ أمّا منافع الغذاء فواحدة. وللطماطم المرهفة الحسّ وسريعة التّلف مقامٌ رفيعٌ في الزّنبيلين. ولقرُون الخِيار ركن محفوظ بعيدا عن تمرات “الكنتيشي” الكالحة وذات الطّعم الملوكيّ في المتجر المتنقّل على ظهر المصعصع الهائج المائج. فلا تشكمه إلاّشدّة عنيفة بقبضتي سائسه. فتُؤلمه الصّريمة الفولاذية المستقرّة بين فكّيه. فيُلوى عُنقه. ويتوب عن جماحه. وقبل أن يقفز شلغم قفزته الخلفية وقد وضع يده اليمنى على ظهر الدّابّة فيستوي في خفّة في جلسته “البرداعي”، يضيف ثمرتي قِثّاء أصفر اعتاد حفظها فوق سقف المعمورة للعراء. ويُنادي إحدى بناته لتمدّه بقفّة النّساء وقد ملئت قراطيس سواك ولوبان وحنّاء وبخور وأغراض أخرى قلّ حجمها وارتفع سعرها، وبلغت أهمّيتها في حياة النّسوة للتّجمّل والتّعوذات… ويثبّت مِشربة الماء المكسوّة من قماش الشّكائر. ويأخذ ميزانه بيده. فيثبّت عروته بيده اليسرى ويضع منتقى البضاعة في الكفّة. وتحرّك يمناه مِثقال الميزان حتى يتحقّق الوزن المناسب على القضيب النّحاسيّ وقد احتفرت عليه حدود الموازين… يحثّ الكهلُ سبطُ الشّعر فاحمه الدّابّةَ على المضيّ إمّا بتحريك متسارع لقدميه أو بلكنة يُصدرها لسانه وقد انغرز في قواطعه. فتعصف الدّابّة مهرولة باتجاه الدوّار المقصود يومها. ولكلّ جمع من السكّان موعد من أيّام الأسبوع يُستهدف فيه بالبيع والشّراء. وما إنّ يحلّ البيّاع بحيّ حتى يستقبله هرير الكلاب وقد تألّبت على المتجر. والتّاجر يهشّ ويصول بعصاه حتى تقدم إليه النّسوة بغرابيلهنّ وبعض المال. وينقدنه مقايضةً ببيض أو قمح أو شعير او نسيئة إلى أن تنفرج الضائقة وقد لا تنفرج. ألِف شلغمُ طباع النّسوة وألفته. فأينما حلّ كان التّسليم والودّد وتجاذب أطراف الحديث.وتكثر النّداءات: -” وا طفلة هاتي كاس تاي لخالك امحمّد” واكتشف الصّبيّ أنّ لشلغم اسمًا ورحمةً وإيثارًا وعطفا وشهامةً. إذ يعزّ عليه ردّ طلبات النّسوة والصِّبية فالخيرُ كثيرٌ والنّخوةُ عطاءٌ.. ولم يكتف شلغم بتجارة الخضر. بل كان خير أمين مبلغ الأمانة أهلَها. ويقتني رغبات النّسوة من ملابس يسيرة وأخفاف وأحزمة وغرابيل وطلبات تَثقُل دونها قدرة النّساء وحياؤهنّ الرّيفيّ عن السّفر والتسوّق. وتستشعر من كثرة الوصايا مقامَ هذا الرّجل وأهمّيته فكأنّه السّاعي الوحيد والمسؤول الأوحد عن تحقيق المُنى، وثغره باسمٌ وعينه راضية. وتدور الأيام دورتها وسنابكُ حمار شلغم ما تزال تفلق الحصى لتذلّل مُنى السيّدات ولا أجر يتضاعف.. الفجر هو ميعاد أثير لجني حبّات صبّار الهندي أو كما يشتهي بعضهم وسمه بالتّين الشّوكيّ.تنطلق حدّة ذات السّالفين وعائشة وهي أكبر بناتها وأتقنهنّ غناء. وقد تسلّحتا بقفّتي حلفاء ومِنجلين وكمّاشة ولاويتين أُعدّتا من ورقتي صبّار صغيرتين قُطعتا أمس . وأُملستا من شوكهما. فأمسيتا بفعل الشّمس طيّعتي الطيّ تُلوى بهما ثمار الهندي. وتنشر على عشبات نجم ثم تمسحان عليهما بسعفات من عنيد النّبت حتى يزول الشّوك.وتعبّئه الأصابع في قفاف الحلفاء. وتؤوب الجلاصية سعيدة بما جنت وصوتها في الفضاء صدّاح : عانيت صقع الليل وأنت وينك. أنا والقمر الاثنين مستنينك. نمت هنية عاهدتني وهانت عليك الجيًا. خليتني سهران عيني حيًا. مذبوح زي الطير بسكاكينك. ناعشت ليالي ذقت الذلّ لكن موسّع بالي. نلڨاك نخلة طالعة في العالي. وباڨي التمر ماطاب في عراجينا. ڨاعد نرجا في الثانية الأوجاع تطلع درجة خليتني ممروج يعطك مرجة. اماليك ظنيتهم عَ الجّفا مربّينك ضاڨو خلوڨي وركبت الغرام معاك وأنت تسوڨي. ولا تستحي كي تڨولي معشوڨي ولا عشڨ كالعشاق بيني وبينك.. اليوم يوم من أواخر الصّيف وقد نضجت أغلب الحبّات واحمرّت وجنتاها ووجنتا بنات جلاص. وخالطت حمرتها خضرة أوراقها الشوكية العظيمة الولود. وضعت حدّة وعائشة ثمرات التّين في قصعة كبيرة مُلئت ماءً. وأخذت كلّ واحدة منهما سكّينا تقطع به مَنبت الثّمرة وتاجها ثمّ تشطرها شطرين وترمي بها في “البرمة” وهي قدر فخّاريّ عظيم.وتظلاّن على حالهما حتى تكاد تمتلئ.فتضعانها على نار الأثافيّ المزدهرة. كيف لا؟ ووقودها ورقات الصبّار التي جفّت فيها الحياة ولم تعد صالحة إلا وقودًا يُحيي اللّهب ويؤجّجه. ويُطبخ الهندي ومرقه من ذاته إلى أن تذيب النارُ أحجامه ويضحي سائلا يفور.. ومتى تقلّص حجم الطّبيخ إلى ما يقارب رُبعه،نشأت به عيون عسلية متهادرة.أخذتا في تصفيته جزئيّا بغربال حديد. ويتحصّل لدى الطاهيتين عسل التّين الشوكيّ.فيُحفظ في آنية فخّارية . فيهدى ويضاف إلى زيت الزّيتون فيُكوّنا غموسا ولا ألذّ ولا أمتع.

المقال السابقشكل كتابة السيناريو
المقال التالىهل يكفي الفكر الشّخصيّ لدحض الإيمان ؟
عمار التيمومي : ولد في 05 مارس 1969 بنصرالله. وهوأصيل بني جلاص يسكن بمنزل المهيري-القيروان أستاذ أول مميّز درجة استثنائية للتعليم الثّانوي حاصل على الأستاذية من كلّية الآداب بمنّوبة والماجستير من كلّية الآداب بالقيروان بتقدير حسن جدّا. ويعدّ رسالة دكتوراه في الخَطابة بكلية العلوم الإنسانية والاج....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد