غَدًا عِيدُ الْأمَّهَاتِ


 

غدا عيد الأمّهات:
ذو السّنوات الأربع لا يذكر وجه أمّه ولكنّه عندما يَفَعَ رآها – وهو يقلّب أوراق أبيه-تحتضنه قامتُها مديدة وجسمها نحيلٌ. ورآه يطالع قسماتِها ذاهلا بين دهشة وحنين. كانت الصّورة ذاتَ لونين أبيضَ كاتّساع المكانِ بَعْدَهَا ووِحْدتِه، وأسودَ يلتهم الأضواء والألوان.
عاد الشّاب إلى أوراق أبيه يبحث عنها لكنّه لم يجدها. ولم يجد جوابا لسؤال يَطْرُق عقله. ولعلّه لم يهتد إلى أصحّ الإجابات عن سؤاله، ولعلّه رجّح ولكنّه لم يجزم …
غدا عيد الأمّهات:
أمومة ترعرعت على أجنحتها طفولة الأولاد والأحفاد تهدهدها، كان حُلُم حياته يكبُر على كثب منها، وكانت يداها تطيّب حنّاؤها يديه وروحَه، وكان ملءَ ناظريه وشمٌ على جبينها وغضون يتهجّاه ويتهجّاها وهو يجلس إليها تروي حكايتها الّتي هي حكايته أو حكايتَه الّتي هي بعض حكايتها.
كان صقيعٌ وأوحشك الطّريقُ وكانت مَحْفَلَ الرُّوحِ وَالضَّوْءِ.
وكان العمر وَقْتا كِبَادا، وكان دُعاؤها زادا وإسعادا، وكان لقاؤها عيدا.
غدا عيد الأمّهات:
ذاتَ غربةٍ والأيّام فراغ وضجر، هاج بين حناياك الوجع وعلا الصّوت بالنّداء: يا جدّتي… وأجابك الصّدى …
وأُبْتَ نِضوَ شوقٍ وحنين.
“غدا عيد الأمّهاتِ” جملة لاحنة في نحو القلوب.
الأمّ هي الآن وهنا. هيهات، لا زمان خارج الذّات؛ ذواتنا الّتي تنسج الزّمان حضورا وارفا أبدا؛ ماض نذكره الآن وهنا فتملأ أطيافُه المكانَ وألوانُه الكيانَ، وحاضر نعيشه الآن وهنا ونمتلئ به، ومستقبل نرقبه الآن وهنا فهو شوقنا وحلمنا. والأمّ روح تسكننا نراها في كلّ شيء ونرى بها كلّ شيء.
الأمّهات أعيادنا الدّائمة، أحوال تستغرقنا تسري في ندى أصواتنا، وفي وقع خطانا، وفي عنفوان نشاطنا، وفي لباس يخفي سوءاتنا، وفي طعام طيّبه وهج الأمومة، وفي شراب ساغ بين أيديهنّ، وفي حضن لا نكبر حين نأوي إليه.
***
ابني الطالب الجامعيّ يجوب الغرف مناديا أمّي، أمّي،… قبل أن يسألني: أين أمّي؟
– سل حاجتَك أقْضِها.
– أجبني أين أمّي؟
– لعلّها ذهبت في شأن. ولكن ما حاجتك؟
– لا بأس. سأنتظرها.
وأنتظر معه فأشهد عرس الأمومة وهو يسألها حاجتَه في ركن قَصِيٍّ من المنزل لا يبلغه سمعي، وهو يثوب وقد تهلّل وجهُه ووجهُها.
كانت عيدَه وكان عيدَها. وكنتُ في نشوة العِيد وأنا أسألها خبرَ الفتى فتراوغ ولا تجيبني.

لا تعليقات

اترك رد