رمضانيات ج2 الله الذي لا نعرفه


 

المعرفة تستند إلى الإحاطة. من غير الممكن معرفة ما لا نحيط به، فنحن نعرف الأرض لأننا نحيط بها علماً، وهكذا مع سائر المعارف والمدركات الحسية، من الذرّة الى المجرّة، لأنها جميعاً أشياء حسيّة يدركها العقل عن طريق الحواس، والعقل يرفض الإحاطة بما لا يقع تحت الحسّ، لأن ذلك خارج تخصصه.

دعكم من هذا الغموض، ولنتحدث بصورة مبسطة، العين تتفاعل مع المرئيات، والأذن تتفاعل مع المسموعات وليس من الحكمة بأن ننتظر من العين أن تسمع أو من الأذن أن ترى. كون العين لا تسمع لا يعني أن الصوت غير موجود، لكنه خارج تخصصها الوظيفي، وهكذا بالنسبة للأذن حين لا ترى!

المعرفة تعتمد على الإحاطة وهي من عوالم الإمكان، ولا يعقل إحاطة المطلق بالممكن، لأن إحاطة المعرفة بشيء دليل على إمكانه!
وقد ورد في دعاء الصباح المنسوب للإمام علي ع قوله “يا من دلّ على ذاته بذاته وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفيّاته. يا من قرب من خطرّات الظّنون، وبَعُد عن لحظات العيون”. وهو بقوله هذا يكشف عن عجز المعرفة عن الإحاطة بالذات الإلهية المقدسة، لذلك ترك الأمر لخواطر الظنون، لأنه سبحانه رفيع المقام، عظيم الشأن، سرمد، صمد، لا يحدّه حد، ولا يعدّه عدّ، ولا يوجد في مكان ولا يخلوا منه مكان، ولا يؤيّن بأين ولا تبصره عين!

عظيم ليس لأنه “عظيم” ولكن اللّغة وهي آلة الإدراك، لا تتوفر على تعابير أدل بياناً، وأجل تصويراً، وأكثف معنى، فترقى الى جلاله وجماله وفخامة ذاته، لذلك نصفه بالعظيم، لأن العظمة توصيف بشري محسوس للذوات الجليلة الفخمة، والصنائع البديعة المتقنّة، على هذا القياس تأتي سائر الصفات والأسماء التي نطلقها على الله سبحانه.

نحن نحب الرحمة ونحتاجها وهي جميلة وفق أنساق حياتنا البشرية، لذلك جعلناه رحيماً، ونحن نستشعر الفقر عميقا في ذواتنا لذلك وصفّناه بالغني. يقهرنا جهلنا لذلك وصفّناه بالعالم، يقتلنا ضعفنا لذلك نصفه بالقوي، يصرعنا الموت لذلك وصّفناه بالحي.

جميع الصفات الجمالية التي وصفّنا الله بها هي من وحي حاجاتنا، من وحي معارفنا البشرية المتولدة في مدار محدود زمانياً ومكانياً.

الله الذي نعرفه نحن خلقناه، نحن منحناه صفاتنا، هو الصورة الكاملة للإنسان المثالي الذي ننشده، أما الله الذي لا نعرفه فإنه واهب المعرفة، ملهم الوجود بالحياة، هو الحياة والحرية والحب والسلام.

لا تعليقات

اترك رد