عندما نَتْبَعُ ظلنا

 

أبتسم كثيرا بيني وبين نفسي كلما رأيت عقيدة من العقائد تحاول أن تأخذ شكلا لها في الحياة وتحاول أن تهيمن على الآخرين وتعتبر نفسها العقيدة النهائية وما رأى الناس أفضل منها حقيقة. تنسى العقائد أن التاريخ مقبرة عفنة للكثير من الحضارات السابقة ونجده يتقيأ العقائد والأسماء والأعمال والرجال ممن وصلوا إلى قمة المجد وليس لهم في مقبرة التاريخ إلا بضع سطور كشاهدة القبر عليها إلا الاسم والعمر وطلب المغفرة .
وما الحضارات السابقة إلا نهج على نفس المنوال تبز غيرها وتلتحف الدم الأزرق شعارا والخلاص طريقا وتعد المتقشفين من أنصارا بالجنان والعسل والغيد . هو لغز الإدراك إذن ما وصله عارف إلا وسار خلف ظله في هذه الحياة . يجلده ويغز السير نحو المجهول ويتمرد على الواقع مدركا الحقيقة المرة التي تقول أن الغيوم البيض جميعا لها ظلال سود وأن الإنسان يمكن أن يقف على قارعة الطريق ويستند إلى ظله .
لقد بلغت الحضارة الغربية ما بلغت من التقدم لكنها حتى الآن ما وصلت أوجها وهناك من يرى ظلالها السوداء ونيرانها المقدسة تحرق الأخضر واليابس بدءا من أوروبة مرتعها وصولا إلى الأمريكيتين حيث آلهة الدم التي لا ترتوي مرورا بالشرق الأوسط الذي يزف كل يوم عريسا أو عروسا إلى الجنة الموعودة وصولا إلى شرق أسيا وجنوب الكرة الحزينة وشمالها الذين ينتظر الكيد اللئيم . لم يرصد أحد الأزمة الروحية للحضارة الغربية وبؤس من يئنوا تحت وطأتها . ربما كانت الأنوار الباهرة وموسيقا الروك وأصوات موسيقا الصالونات السياسية والكازينوهات أقوى من الأنين والألم .
لقد فشل العلم الوضعي فشلا نهائيا كحقيقة لا يأتيها الباطل ونبت فشله في صميمه كما تنبت ألأزهار البرية في قلب الصخور.
وفشل العقل المهيمن البارد الذي لا يشاركه أحد بسلطته ومنطقه ومقاييسه وظله الثقيل وتأكد الجميع أنه ليس الحصن الحصين للمعرفة .
وفشلت العقائد ولا يستطيع أحد في الوجود أن يشرح له بدقة ما يؤمن به هو نفسه وما يجب أن تؤمن به وما هو جدير بالاحترام الأبدي الأزلي من ضروب الإيمان .
وفشلت القيم الأخلاقية في تكريس نفسها بل صارت من القيم الكلاسيكية البائدة في نظر البشر وصار من يلتزم بالقيم الأخلاقية ودرجات الشرف معتوها يرجمه الناس على قارعة الطريق.
وفشل التوازن لدى البشر بين قيهم الروحية والجسدية وصاروا جزءا من العالم الرقمي فاقد الإحساس والبصر والبصيرة في حالة انحطاط فكري وعقائدي وثقافي ومعرفي غير مسبوقة .
هناك في الصين خرافة ترويها الجدات لأحفادهن قبل النوم . تقول الحكاية أن مجتمع الآلهة الذي يسكن عاليا في السماء ويرى السحب تحت قدميه كما نرى نحن النجوم فوقنا تخفق بتوهجها الجميل عاش دهورا متكررة مملة حتى خطر ببال أحد آلهة هذا المجتمع وهو لي تسو هو أن يتعرف على أسرار زملائه الآلهة . فبدأ بالاصغاء إلى الهسيس والهمس والوشوشات وخلجات الحب والمؤامرات التي تحمر لها الوجنات خجلا . وسرعان ما عرف الآلهة ما عند لي تسو هو من فضول وعرفوا من نواياه الماكرة ما عرفوا فاضطربوا وأصابهم الذهول وقرروا أن يقدموا له كأسا لذيذا من نبع النسيان وأجبروه على شربها فأحس أن هناك شيئا يدب في عروقه ويغلف رأسه وينسى كل شيء. أدركتهم نشوة النصر المنتقم فتركوا له قلق الفضول يعمر ويزداد في نفسه ثم حملوه إلى هذا الكوكب البعيد الأرض وزرعوا في باله شعلة تلاحقه وتحضه على المعرفة والمزيد من المعرفة والهرولة والركض وإيغالا في التآمر والكيد نثروا في السماء نجوما جميلة متلألئة ترقص لهذا المسكين كلما جنّ الليل وتضحك بالأمل كلما أعتمت نفسه وأظلمت . هذا الإله المعذب ما هو إلا أنا وأنت يا صديقي نملأ الكون ضجيجا ونتبع ظلنا ونعتصر الوقت والعقل والحياة .
لم يكن لي تسو هو استاتيكي التفكير غير متغير . كان هو أتباعه من بعده زعماء التغير وقالوا أن المرء لا ينزل ماء النهر مرتين فالمرء مختلف والنهر مختلف . وهناك من يعتبر هذا الكلام نوعا من الهرطقة الفكرية الذي يستحق العقاب . وهذا الـ ” هناك” أوقع أشد العقاب بمن اتهمه بالهرطقة وثبت للتاريخ أن ما سُميّ ” هرطقة ” هو عين عين الصواب . مرة أخرى نتبع ظلنا .
فما بالك لو أطلقت برهان زينو بطريقة مماثلة على أن الحركة مستحيلة في نظرية السهم حيث برهن أن السهم كي يصل إلى هدفه يلزم أولا أن يقطع نصف المسافة على الطريق على الطريق إلى الهدف ثم نصف النصف حتى يصل الهدف ثم نصف النصف وهكذا لن يصل السهم إلى الهدف . وقد اثبت العلم نقيض هذه النظرية فالشيء إما أن يبقى في مكانه أو لا يبقى في مكانه وإذا بقي في مكانه فإنه لا يتحرك والحركة عدوة السكون . السكون هو الموت والحركة والتغيير هما الحياة بعينها . وهذا هو الفرق بين التفكير الخطي والتفكير الدائري الحلزوني . مرة أخرى نتبع ظلنا .
ثمة قصة صينية قديمة لا تزال شائعة حتى اليوم في دول شرق أسيا وفي النكت على وسائل التواصل الاجتماعي . تروي الحكاية قصة فلاح عجوز هرب حصانه الوحيد ونظرا لأن الجيران يعرفون أن الحصان هو عماد حياته فقد اجتمعوا عنده لمواساته . قال الشيخ تعبيرا عن رفضه لتعاطفهم معه :” من منا يعرف أين الخير وأين الشر في هذه الحياة ؟” وبعد أيام عاد الحصان إلى حظيرة الفلاح ومعه حصان بري آخر فتوافد الجيران للتهنئة . عبر العجوز عن رفضه لتهنئتهم قائلا : ” من منا يعرف أين الخير وأين الشر في هذه الحياة ؟” وبعد أيام امتطى ولد الفلاح الحصان البري فسقط أرضا وكسرت ساقه . فاجتمع الجيران في منزله لعيادته . قال العجوز : ” من منا يعرف أين الخير وأين الشر في هذه الحياة ؟” ومضت أسابيع قليلة وأتى رجال الجيش يجندون الشباب لحرب مع الجوار ، وعندما وجدوا رجل الشاب مكسورة اعتبروه غير لائق للخدمة العسكرية وأعفي منها . الحكاية طويلة يمكن متابعتها في حكايات الصين . المهم أن نعلم أن الحياة في تطور مستمر ومجنون من يقف عن جدار ثابت يتكئ على ظله .
العالم دائم التغيير ومليء بالمتناقضات ونحن لكي نفهم ما يجري في الكون علينا أن نفهم وجود الشيء ونقيضه وعلينا أن نستوعب أن لكل شيء نقيض . هذا هو لب الحياة والتغيير .
فما رأيكم ؟

لا تعليقات

اترك رد