شروط واشنطن على إيران واضحة … ليست كشروطها نحو العراق قبل الغزو

 

يبدو أن إيران في الفترة الماضية صدقت أنها قوة إقليمية، ولم تستوعب سياسة أمريكا في استدراج الخصوم ثم الانقضاض عليه، وكانت تعتقد أن الخدمات اللوجستية التي قدمتها للغزو الأمريكي للعراق عام 2003 يشفع لها، وأيضا تعتقد أن المليشيات التي أنفقت عليها الغالي والنفيس، والتي تركتها أمريكا في زمن أوباما تلعب بأمن المنطقة من أنها ستكون السند لها وقت الطوارئ.
لكن إيران تشاهد أن تلك المليشيات بدأت تتسول بعدما قصقصت أمريكا أجنحتها وجففت منابعها المالية ووضعتها على لائحة العقوبات وحاصرتها من كل جهة وتلقت ضربات متلاحقة من إسرائيل في سوريا، حتى أصبح حزب الله اليوم يضع صناديق التبرعات في كل جانب فيما الشعب اللبناني يئن من الفقر والجوع، كذلك كانت تعتقد إيران أن تحالفها مع روسيا والصين سيدافعون عنها، لكنها لم تستوعب أن القوى الكبرى لا تدافع إلا عن مصالحها وفي زمن المواجهة تقف على الحياد.
إيران لم تأخذ الدرس من تهور صدام حسين، واستدراجه لاحتلاله الكويت، بعدما اختبر صدام حسين نوايا الإدارة الأمريكية التي لم تعترض على احتلاله، بعدما تورط أيضا ورطته دول عربية التي وقفت إلى جانبه مثل اليمن وليبيا ومنظمة التحرير والردن، ولكن تلك الدول لم تتمكن من الدفاع عن صدام، لأنها أساسا لا تمتلك قوة تدافع عن نفسها لو احتلتها إسرائيل وكانت حرب 1967 مثال على ذلك.
لكن بعد ذلك حيدت إسرائيل مصر القوة العربية الكبرى، وأنهت القوة العربية الثانية العراقية بعد الغزو الأمريكي 2003، بسبب غياب استراتيجيات عربية واعية لمواجهة مثل تلك التحديات بسبب الصراع العربي البيني، وبعد ذلك عانى عراق صدام حسين من الإنهاك حتى تم إضعافه وأصبح جاهزا للقضاء على قوته المتبقية عند الغزو، رغم ذلك لم يستجيب صدام حسين للعقل ولا للمنطق في تشكيل مجلس رئاسي والتنحي استجابة لمبادرة الشيخ زايد للحفاظ على العراق الوطن بل اتهم القادة العرب بالخيانة.
هل تستوعب ولاية الفقيه درس صدام حسين وكيف تم توريطها وكيف تم استدراجها كل تلك الفترة الطويلة منذ الغزو العراقي 2003، حتى جعلت الولايات المتحدة إيران تعتقد أنها أصبحت قوة إقليمية لها عضلات منتشرة في المنطقة تهدد بها الولايات المتحدة.
لكن نجد مليشيات إيران اليوم انزوت في جحورها، ليس فقط غير قادرة على الدفاع عن ولاية الفقيه الذي من أجله تم تشكيله، لكن نجدها اليوم بدأت تخشى على نفسها، فبعض المليشيات في العراق تمارس عمل مافيوي خصوصا في شمال العراق.
أخطأت قراءة ملالي طهران لاستراتيجيات أمريكا، مثلما أخطأ صدام حسين والقذافي والبشير، الآن نجد انهيارات لمليشيات الحوثي في اليمن، وهناك انسحاب من الحديدة وإن كان بشكل آحادي، لكنه يعتبر مفاجئا ومتماشيا مع تهديدات واشنطن لطهران بعد العراقيل التي وضعتها المليشيات، وهناك انهيارات لمليشيات السراج وتحول السراج إلى عبء على المجلس وقوات الجيش الوطني الذي قدم درسا وطنيا عندما حافظ على موقعه والحفاظ على الوطن.
لم يدرك ملالي طهران أن دوره انتهى وأن أمريكا وأوربا هم الذين أتو بهم إلى طهران في زمن مواجهة الاتحاد السوفيتي، واليوم هناك مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا ولا تريد الولايات المتحدة ترك منطقة الشرق الأوسط الذي يصل بأوربا وأفريقيا غنيمة جاهزة للصين أو روسيا، خصوصا وأن هناك تفاقم الجوع في الشرق الأوسط في ظل النزاعات واتساع الفجوات، وهناك نحو 52 مليونا يعانون من نقص التغذية ،ويتسبب هذا في استمرار الهجرات إلى أوربا وهي بيئة حاضنة للإرهاب الذي اتسعت رقعته وبدأ يهدد ليس فقط منطقة الشرق الأوسط بل اتسعت دائرته إلى أوربا وأنحاء العالم كان آخرها في سيرلانكا.
أتت الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لبغداد التي لم تكن للنزهة ولا للسياحة، وإنما هي كانت رسالة تهديد للحشد الشعبي ولعادل عبد المهدي إذا لم يقم بواجبه في لجم هذه المليشيات وإلا ستعتبر أمريكا أي اعتداء من تلك المليشيات على قواتها الموجودة في العراق هو اعتداء مباشر من إيران وهو تهديد مزدوج للجانبين.
فوجئت إيران ليس فقط من التزام روسيا الحياد، بل كذلك موقف أوربا المهادن تحول إلى موقف مساند للولايات المتحدة فجأة، وأعلنت أوربا أنها مستعدة لإعادة العقوبات على إيران إذا انتهكت إيران النووي، هناك شروط وضعتها واشنطن على إيران وتطالبها بأن تلتزم بها بالكامل، وحددتها واشنطن ب12 شرطا، وهي ليست شروط على غرار الشروط الغير واضحة التي كانت على العراق قبل الغزو، والتي تم اكتشاف أن تلك كانت ادعاءات وكانت مضللة من أجل الغزو فقط، لكن الشروط التي وضعتها واشنطن على إيران كل العالم يعترف بها ويراها على الواقع.
لم تكتف واشنطن من تكثيف وجودها العسكري في المنطقة، بل تحمل طهران مسؤولية أي هجوم، وللمرة الأولى أدركت طهران أن واشنطن لا تمزح وأنها جادة، ولم تعد إيران تمارس ألاعيبها السابقة، وتخويف أمريكا عبر وكلائها على غرار النجاحات السابقة التي جعلت أمريكا تخرج من لبنان عام 1984 بعد فترة قصيرة من تفجير مقر المارينز قرب مطار بيروت في 23 من أكتوبر 1983، وكذلك مارست لعبتها المفضلة وأجبرت الأمريكيين على الانسحاب من العراق عام 2010.
لذلك أمريكا وضعت في حسبانها حدوث مثل تلك اللعبة المفضلة لدى طهران، وجعلت طهران في حالة ارتباك وهلع وتوجس، وتشعر طهران أنها لأول مرة عاجزة، وهي تريد أن تتحاشى أي ضربة قاضية لا تبقي ولا تذر، خصوصا بعدما ذكر نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس ووزير الخارجية الأمريكي بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون أن على إيران استيعاب أن قوانين اللعبة تغيرت.
كانت تراهن طهران على ترمب من أنه يعاني في الداخل الأمريكي، وأنه رئيس ضعيف، ولا أمل له في ولاية ثانية، ولن يستطيع تنفيذ تهديداته تجاهها، لكن بعد حصول الرئيس الأمريكي ترمب على تبرئته من تهمة ارتباط حملته الانتخابية بالدعم الروسي لتؤكد احتمال إعادة انتخاب ترمب لولاية ثانية في 2020.
إيران في حالة هلع بعد توجه قوة ضاربة أميركية تضم حاملة طائرات إبراهم لنكولن، وأربع قاذفات ب52 وهي صواريخ ضخمة الحجم تطير مسافات طويلة وقادرة على حمل صواريخ كروز وسلاح ذري، وصلت قاعدة العديد في قطر التي أقامت مع طهران علاقة وثيقة، لكن قطر غير قادرة على منع أميركا من استخدام القاعدة ضد طهران، وهي ليست كتركيا التي منعت أميركا أثناء غزوها العراق من استخدام قاعدتها في تركيا، وأضافت لتلك الأسلحة إرسال صواريخ باتريوت للشرق الأوسط، وهي أسلحة تشل قدرات إيران في القيام بأي تهديد أو أي عمل استفزازي.

لا تعليقات

اترك رد