ابتسامة ظريف وطبول الحرب


 

في تموز عام 2015، وبقدر انشغال العالم بالاعلان عن توقيع الاتفاق النووي الايراني مع مجموعة دول 5+1 فانه انشغل ايضا بالابتسامة الفارسية التي اعتلت وجه المفاوض الايراني محمد جواد ظريف وزير الخارجية، ليس فقط لحظة التوقيع بل في كل فصول المفاوضات التي كانت مارثونية بحق، وشكل الاتفاق نصرا كبيرا لايران ونقطة بداية جديدة لنشاطها وسياستها على الصعيدين الداخلي والخارجي اذ انه فتح افاقا واسعا لعلاقة ايران مع العالم كما قال الرئيس روحاني حينها..

على ما يبدو ان ابتسامة ظريف كان لها وقعا اخر في نفوس البعض، كعرب مثلا كانت تمثل لنا صورة للفشل الذي نعيشه، اذ اننا لم نتمكن على مدى نصف قرن مثلا ومنذ مفاوضات حلف بغداد، من تحقيق نصر تفاوضي مع الاخرين مطلقا، ولم نتمكن من الشعور بنشوة النصر الهاديء المسالم، وكل مشاكلنا انتهت بالتنازلات راغبين او مرغمين، اما الغرب وتحديدا اميركا فقد شعر البعض فيها ان من غير اللائق ان ينتصر العالم الثالث في مفاوضات ضمت اعتى العتاة في هذا الكوكب، حتى ان ترامب وضع لوما كبيرا على وزير الخارجية انذاك جون كيري واتهمه بتقويض السياسة الخارجية لاميركا وبالتهاون الكبير مع ايران، ولذا كان من المهم ازالة تلك الابتسامة نهائيا..

ظهر ظريف اخيرا على غير عادته ، زالت تلك الابتسامة الممزوجة بالخبث، واخذته جدية الحديث عن هويته الفارسية بتكرار مقولة ان ايران امبراطورية تاريخها اطول من تاريخ اميركا ، وراح مثل سابقيه يتكأ على ارادة الشعب وعلى قوته وعلى وحدته ازاء التهديدات الامريكية الحاضرة ويكرر مثلهم نفس الكلمات السابقة ولعل كلمة ( Game) (لعبة) شدتني كثيرا اذ ذكرتني بمفاوضات المرحوم طارق عزيز مع المفتشيين الدوليين في العراق اذ كرر ايضا ذات الكلمة -لعبة- فيما كررت القيادة العراقية مرات كثيرة اثناء ادارتها الفاشلة للازمة من اننا امة صاحبة حضارة ويمتد تاريخها لالاف السنين وهو اطول كثيرا من عمر اميركا، وان العراق يستمد قوته من الشعب وقوته وارادته..

لا اعرف لم لم يحفظ القادة العرب او حتى الفرس باعتبار ان هناك تاريخا مشتركا بيننا بيت الشعر العربي الذي يقول:

ليس الفتى من قال كان ابي، بل الفتى من قال ها انذا…

وليتهم يعون الدرس في ان عنتريات بن شداد قد فات اوانها وان من الحكمة النظر بواقعية الى التحديات مع تقدير حقيقي للامكانيات المتاحة، كما ان من المهم جدا استحضار الدروس من التاريخ القريب والبعيد، ولعل تجربة العراق في صراعه مع اميركا يعد من افضل الدروس لمن يحاول التشبث بالاحلام والامال ..

الغريب ايضا ان سلوك الغرب جاء متناغما مع الماضي، وكأن من يراقب الاحداث يشاهد اعادة لفيلم قديم ولكنه مثير ومشوق، فاوروبا تمارس ذات الدور، الوسيط الذي يقدم الامال والوعود ممزوجة بالوعيد والتهديد ولكنه في اللحظة الحاسمة ينصاع لارادة اميركا، اما الصين وروسيا فتمارسان ذات الدعم الفارغ الذي لاحياة فيه ولا جدوى منه.. في حين تكرر اميركا سيناريو تضخيم صورة العدو وتكرار

التصريحات بعدم الرغبة بالحرب والمواجهة في الوقت الذي تحشد قواتها بشكل ممنهج ومستمر، لتضع ايران في موقف اللاعودة الى الوراء، فلا احد من قادة ايران سواء الاجنحة الاصلاحية المعتدلة ، او المتشددين الذين يرقبون ظهور الغائب وينفذون شروط ظهوره، قادر على التوقف والتفكير لحظة واحدة بالمصير المجهول الذي ينتظر المنطقة، او الاعتراف بخطأ السياسات الجارية وان من الاصح تعديل المسار والتوقف عن العناد ، اذ ان من شان ذلك اسقاط هيبتهم وتهشيم صورتهم التي استمدوا منها قدسيتهم وحضورهم ، ويوما بعد يوم سيرون انفسهم وكانهم مثل فأر في صندوق مغلق، تماما مثلما حصل للعراق قبل عقدين من الزمن ، اينما يولون اوجههم ياتيهم ( الراشدي ) حتى لا يتبقى امامهم سوى الانتحار باسم الشهادة في سبيل الله والحق والوطن..

لم يعد للحكمة مكان من الاعراب في سياسة ايران فقد فات الاوان واصبح اي تنازل منها بمثابة نهاية النظام اجلا ام عاجلا، اذ ان التنازل للشيطان الاكبر سيكشف عورات كثيرة كانت مختفية او مخبأة في كهوف نظام الولي الفقيه، اضافة الى ان من الصعب على اي فارسي ان ينام الليل وهو يستمع لضحكات عرب الخليج في الكويت والرياض ودبي..

والشيطان الاكبر وهو يحشد قواته يرسل رسائل متناقضة مربكة، فبين التهديد والوعيد هناك التلميح بان الحرب ليست هي الغاية وانما تركيع ايران هو المقصود، وهي غاية لابد من الوصول اليها سواء بالسلم الذي اصبح صعبا وبعيدا، او بالحرب التي بدأت طبولها تدق على ظهر حاملة الطائرات لنلوكن، اما عرب الخليج الحاضرين لدفع الفواتير ، فقد هيأوا بيت ابي سفيان على ما يبدو ، فمن دخله كان آمنا..

لا تعليقات

اترك رد