من المسئول عن ظاهرة الانتحار بين الشباب

 

تعتبر الأسرة اصغر وحدة تنظيمية في بناء أي مجتمع وهي تتكون من مجموعة من الأفراد الذين تتوزع واجباتهم بالتكامل فيما بينهم كما تختلف حقوقهم بما لا يلغي الحد الأدنى من الاهتمام بأي واحد منهم وإذا ما حاولنا التعرف على سلوكيات وطبائع ودراسة أي شعب يمكن أن يتم ذلك من خلال الاطلاع على مجموعة من النماذج من الأسر بمستويات مختلفة من حيث المستوى ألمعاشي والثقافة والوطنية يمكن من خلالها وضع قاعدة بيانات تصلح للدراسة والتمحيص والبحث ولكي ينجح أي مجتمع علية الاهتمام في بناء الأسرة الواعية المتكاملة في شروط الحد الأدنى لأنه تقع على عاتقها مسئولية التربية وإعداد جيل أو أجيال تساهم في حمل التقاليد والعادات من جهة وفي بناء مجتمع واعد بالتطور ينهض بمسئوليات بناء نفسه على أسس سليمة وبخلافه فإننا سنجد أنفسنا أمام مجتمع متفسخ وبائس ومتخلف وأسر مفككة ضعيفة بالقياس الى الحضارة العالمية المذهلة والنامية بشكل سريع يفوق القدرة على تصور ما يمكن أن تصل إليه في المستقبل القريب وكأنك تعيش في فلم للخيال العلمي .

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بصورة عامة نمت في الأسرة عادات وتقاليد هي مبعث احترام لدى الجميع محليا وعالميا مبنية على الامتناع عن ممارسة سلوكيات معينة تقع ضمن دائرة المحرمات شرعا ولا يقرها احد عرفا تمسك بها المجتمع الى حد قريب والآن بدأت تأخذ طريقها الى الانتشار والإباحية بين الشباب وربما البعض بدأ يتبجح ويتفاخر بممارستها كظاهرة بعد أن كانت تمارس بالخفاء أو بحدود ضيقة كالتبرج بل والتخنث إضافة الى بعض الظواهر التي خلقتها ساعات الفراغ الطويلة التي يقضيها الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الالكترونية التي يروج لها الانترنت تنتهي القسم منها بخلافات حادة حتى بين الزوجين وتؤدي الى الطلاق وقسم منها يدفع الى الانتحار وهذه بالتأكيد نتجت عن تقصير الأسرة والمجتمع وكل الجهات التربوية في أداء واجبها الإصلاحي ونشر الوعي والثقافة المجتمعية الصالحة من جهة وتقصير الحكومات المتعاقبة التي تتحمل الجزء الأكبر من هذا الخلل إضافة الى وجود من يروج لهذه الممارسات ويشجع عليها ويعمل على ترسيخها بهدف تدمير المجتمع لتصبح من الظواهر الاجتماعية الطبيعية .

إن انشغال رب الأسرة وغيابه عنها في السعي لتوفير متطلبات الحياة البسيطة لأسرته والتي لا تتعدى لقمة العيش والمسكن والملبس لفترات طويلة من النهار ليس سببا كافيا لعدم متابعة أفراد عائلته والوقوف على اهتماماتهم وممارساتهم وعلاقاتهم لكنه مساعد على انحراف الشباب كما إن المدرسة التي تعتبر روضة من رياض نشر الفضيلة والقيم السامية والأخلاق كمتمم لعملها الرئيسي العلمي أصبحت اليوم وبفعل تأثيرات عوامل كثيرة القسم منها مجتمعي والآخر رسمي حكومي عامل مساعد على نشر الرذيلة والسلوك المنحرف تحت عنوان احترام التربية الصالحة وحقوق الإنسان فالمعلم / المدرس وصولا الى الأستاذ الجامعي قد تخلى في اغلب الأحيان عن واجبه التربوي وعدم المحاسبة خشية من الوقوع تحت مسائلة العشيرة وحتى الدولة إضافة الى إن القسم الكبير منهم لنقص في إعداداته لا يمتلك قابلية التأثير الايجابي في الطالب مع العلم إن تأثير الشارع السلبي أقوى كثيرا من تأثير العائلة والمدرسة .

أما الحكومة التي تعتبر المسئول الأول عن التقصير في ترسيخ العادات والقيم السليمة من خلال امتلاكها لأغلب وسائل التوجيه والإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وتفرض هيمنتها على المنظمات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني التي تقع عليها واجبات التثقيف والتوجيه من جهة أخرى فان الحكومة مسئولة عن حالات الضياع التي يعيشها الشباب من كلا الجنسين لأنها أخلت بواجبها والتزامها الدستوري الذي يحتم عليها توفير فرصة عمل لكل أبناء الشعب فالبطالة التي يتبعها الكثير من حالات الضياع هي أهم الدوافع الى ممارسة الرذيلة بكل أنواعها فالشاب الذي يقضي سنوات طويلة في الدراسة يبقى بعد التخرج يبحث عن أي فرصة عمل فلا يجدها وينظر الى المستقبل بعين المجهول الخائف المرتاب الذي لا يعلم عن مصيره شيء رغم إن ثمرة تعب عمره (شهادته الجامعية) معلقة على جدران غرفته للزينة فموازنات الدولة لسنوات متعاقبة خالية من الدرجات الوظيفية إلا التعويضية الناتجة عن الإحالة عن التقاعد أو حالات الوفيات رغم النمو المتصاعد بأعداد السكان وما يجب أن يترتب عليه من توسع في دوائر الدولة في بلد يعتبر من الأغنى عالميا وشعب يعتبر الأفقر بينها.

إن حالة اليأس التي وصل إليها اغلب الشباب العراقي من كلا الجنسين نتيجة معاناته اليومية وانكسار طموحه وضياع هدف وجوده المستقبلي وانكفائه خلقت لديه ردة عكسية وهي من أهم العوامل التي بدأت تدفع بالجنسين معا الى الانتحار بوسائل شتى ليعلن تمرده على هذا الواقع المر الأليم وهي ظاهرة أخذت تنمو بشكل لافت للنظر مخيف كما تشير إحصائيات الأجهزة المعنية في وزارات الصحة والداخلية ومنظمات حقوق الإنسان وهي تتطلب تضافر كل الجهود التي لا تستثني المنابر الدينية التي تعتبر الأكثر تأثيرا لدراستها ووضع الحلول المناسبة لمعالجتها من جهة ولزيادة الوعي لدى شريحة الشباب ليس على طريقة مجلس محافظة بغداد بتعلية أسيجة الجسور على الأنهار التي أصبحت نكتة للتندر في العائلة العراقية

لا تعليقات

اترك رد