أكلة من ذاكرة الصّبا: (مطبڨة باليازول والشّحم)

 

قال الصّبيّ : “كانت أمّي تسبق كلّ حيل الأنام لتنهض من غفوة اللّيل البهيم. فما كانت لتنام ككلّ البشر فلا الهدوء يسترسل ولا الرّاحة تستتبّ. فهي كالذّئبة تنام بنصف عين مفتوحة، تغطّي هذا وتُطبّب تلك. وتخدم كلّ من طلب خدمة من الذّاهب غطيطهم بصفاء بالها وخلوّ قلبها من الوساوس والهواجس. فكلّ ما في البيت وخارجه من مسؤوليتها… تمضي إلى ما سمّي مطبخا والآنية فيه قليلة وإمكانات التدبّر محدودة. فتعدّ شيئا ساخنًا تتبلّغ به البطون التي طواها طول اللّيل جوعًا.وتدع الطّعام إلى أن يفيق أهله من غطيطهم.وتتحسّس سبيلها إلى الإسطبل. فترتفع إليها رقاب الدّوابّ تشمّما واحتفاء.ً وتتكوّر القطط والكلاب بين رجليها مُمسّحةً. تأخذ سطلا وعصا وتطلق وثاقَ العجل. فيهرول باتجاه أمّه حتى ينطح ضرعها ويتنقّل بين حلماتها الأربع. ومتى أيقنت أمّي من أنّه استدرّ الحليب وامتلأ ضرعُ البقرة الجنحاء خيرًا. أخذت العصا لتنقر بها رقبة العجل نقرا خفيفا. وتنتهره: -” دَمِّرْ” فيبتعد العجل خوفًا. لتتّخذ هي من إحدى الصّخرات كرسيّا. وتعتدل في جلستها وتوجّه الحلمات نحو السّطل تسحب منها بسبّابتها وإبهامها حليبًا. وتتناوب يداها في حركة سريعة تزخّ البياض خطوطًا متقطّعة تملأ السّطل زبدًا والآذان شخّات. وتفرغ من حلب البقرة. وتغطّي حليبها. فتقود الفرس ومهرها قرب كوم التّبن. وتعود لتوضّب شؤون ما بقي من دوابّ وقطط وكلاب وشاخرين.فللنّاقة وفصالها ظلف يُقطّع وللنّعاج مسرب تلتحق فيه بالرّاعي المشترك فتودعها معه.وللقطة وجراها حليب تلعقه. أمّا الكلاب فلا تطعم إلا عند المغرب وجبةً واحدة. رمّانة هذه التقاها جدّه قرب عين ونيسة.تحاول حمل جرّة ماءً،فتنوء تحتها، وقد همّ بها ليسقي فرسه المسرّجة لإحدى رحلاته. فسألها إلى من تنتسب.فعرف أنّها بنت العكرمي أحد أجواد الجهة.وكان من صَحبه.فودّ لو كانت زوجا لابنه.فكانت. وهي كاعب قليلة سنوات العقد الثاني من عمرها… شبّت الفتاة قمحيّة البشرة ببيت السّرجان الشيحاوي. فكان لها خير أب ولأبنائها خير راعٍ. صمت الفتى لمدّة طويلة إذ تزاحمت الصور برأسه وتدافعت الأفكار. وظلّ لاهيا يسابق المهر ويشاكسه ويأمره فيأتمر.. يقول العقلاء: “إن أقرب الفرائس فراسة من الإنسان هي الأفراس”. (٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠) قال الشّابّ : ” أذكر أنّ والدتي ما اختلفت أنشطتها المعلنة عن أنشطة أبي وجدّي وأجواري.. بل إنّني أذهب إلى اعتبار المرأة الفلاحة أقرب النساء إلى الرجال من حيث المهام. فهي عازقة الأرض وغارسة شجرها وساقيته وجانية الثمر. تزرع الحبّ وتحرث وتنقّي الزرع وتحصد السّنابل. وتحملها إلى البيادر فتبني النّوادر. وتوزّعها لتدرسها وتذرّيها وتجمع الحب في الأكياس أو تخزنه بالمطامير. وترعى الماشية بمختلف صنوفها.فتُشرف على جماعها وحملها ووضعها ورضاعها وفطامها.. وتحفظ طقوس كلّ منها على حدة. وتصنع المفارش والأغطية وبعض الملابس والمواقد والآنية. وتحضر أدوات التنظيف والزّينة.. وتصنع الأفراح وتقود مواكب الموت والحياة على حدّ السّواء. وتُعدّ الأغذية وتخزّنها وتوزّعها. ففعل المرأة هنا يبدأ قبل البدء ويُشرف على ستارة الختم. ويعتقد الشّاب جازمًا: أنّه لو لم تكن حوّاء ما كانت هناك حياة. تجلس المرأة الفرعاء العفراء إلى مِعجنة الخبز تعدّ بيد طاهرة صناع عجنة ليّنة من دقيق القمح والماء وبعض ملح. كانت قد قضّت زمنا وهي تعلك وجهها وقفاها وترفسها حينا براحتيها وحينا آخر بجمع أصابعها. وتكوّمها كومة واحدةً لتهدأ. وتنصرف هي إلى قِدر صغير تقرّبه منه نار الأثافيّ فتصبّ فيه ملعقةً زيتًا وشرائح من شحم إلية الضّأن. ثمّ تضع مقطوع اليازول أو الكُرّاث أو البصل.-فالبصل ينوب فصيله عن الآخر- وتضيف مقدار ملح ومهروس الفلفل وبهارات. وتحرص على زيادة قطرات ماء كي لا يحترق الطّبيخ.وحين يذبل اليازول او الكرّاث أو البصل تحطّ القدر عن النّار. وقد انطلقت في الجوّ أفاويه وروائح آسرة.. تُعدّل الأمّ من هيئة الطاجين على الأثافيّ بعد مسح وجهه ليسخُن. ثمّ تأخذ قطعة من العجين وتفطّرها بحجم الطاجين ثمّ تضع عليها ما طبخت من يازول أو كراث أو يصل بشحمه -وإن تعذّر فزيت- وتفطّر فطيرة ثانية بعد أن تحوّل الأولى على ظهر غربال. وتحرص على أن تكون الثانية أقلّ حجما من الأولى.حتى متى وضعتها عليها أمكنها طيّ محيط الأولى على محيط الثانية وشدّهما إلى بعضهما بعضا.فتُمسي كسرة واحدة،تضعها في الطاجين بيديها الإثنتين وتقلّبها حتى تطيب. وتفوح بالفضاء روائح تذكي الشّهوة وتؤجّجها..وهي تترنّم راضية بأغنية حفظتها على وجه الدّهر: سير ها الفارس سير المخلولة فيّا تستنّى و نا خايف مالغير

لا تعليقات

اترك رد