لقاء مع الرّوائي التونسي الدكتور صلاح الدّين بوجاه


 

يهتمّ القارئ بالأعمال الأدبيّة، ولكنّ اهتمامه بأصحابها المبدعين أشدّ ، والسّعيّ إلى الإصغاء إلى مواقفهم وآرائهم حول ما كتبوه أكثر لتكتمل الرؤيا، ولذلك ضربنا للّقاء موعدًا مع الرّوائي صلاح الدّين بوجاه ، الذي شدّت كتاباته الرّوائيّة انتباه النّقاد في تونس وفي الوطن العربي،إذ ارتقى بها صاحبها من دائرة المدينة الواحدة/الإنسان، إلى فضاء المدائن/البشر، أيّ العالم الرحب ، بحيث تحدّث عن الإنسان بهمومه ومشاغله وقضاياه المتشعّبة ، بأسلوب يشدّ انتباه القارئ والنّاقد المحترف.

/أبدأ حواري معك بما قاله صبري حافظ{ناقد مصري} في مجلّة الآداب حول روايتك {النّخاس}:{ ..وأخيرًا تكشف لنا هذه الرّواية {النّخاس} عن نضج فنّي واحتشاد أدبيّ كبيرين، كما تنمّ عن ثقّافة واسعة بالتّراث العربي ، فهي لا تنقل عنه، أو تتقمّصه أو تحاكي لغته، وإنّما تستوعب بنيته الدّاخليّة وتستلهم أسراره لتخلق بها بنية نصّها الفريدة. وقد استطاعت بذلك أن تستوعب إرثين في السّرد التّونسيّ متعارضين، وأن تزاوج بينهما بمهارة، هما سرد محمود المسعدي وسرد البشير خريّف. إنّ هذه الرّواية الجميلة تؤكّد بحقّ أنّ الرواية العربيّة في تونس قد بلغت درجة عالية من النّضج والعمق والشّاعريّة، وأصبحت قادرة على تقديم إضافتها المتميّزة للرّواية العربيّة}.

1/ فماهو رأيك ؟ لقد صدّرت روايتي النّخاس بنصّ ابن النّديم :{ هذا فهرستُ جميع الأمم من العرب والعجم، وأخبار مصنّفيهم وأنسابهم وأماكن بلدانهم ومناقبهم ومثالبهم منذ ابتداء كلّ علم إلى عصرنا},وفي هذا نزعة احتشاديّة تبطن احتفاء عميقًا بالكون والأشياء، وتخفي تكلّما بلغات شتّى، وتنشد لمّ الشّتات وتجميع المتباعدات وتنزع إلى تشكيل رؤية واحدة قوامها أنّ الحياة تنبثق من بذرة الإختلاف والتّشّذر. لذلك أصف رواية {النّخاس} بالملحمة أو النّشيد وهما في رأيي من الأجناس التي تكتنف السّرد القصصي ، والبناء الشّعري ، والتّركيب الحواري.
والنّخاس تجترح أحلامنا الواسعة. ولا أعتقد أنّها تفرّط في اللّغة بأيّ شكل من الأشكال ، بل على العكس من ذلك..يقول في شأنها الأستاذ المنصف الوهايبي:{ لا يوجد بعد المسعدي من تأتّت له قوّة اللّغة وقوّة الشّكل غير صلاح الدّين بوجاه}. وكما قلت النّخاس تتخطّى جنس الرّواية لتدعو جنس /الملحمة/.

والرّواية التّونسيّة حقّقت نقلة فعليّة في مرحلة التّسعينات.وأكّدت حضورها في العواصم الكبرى ، ونصوصنا أحيانًا غير معروفة في الجزائر أو طرابلس لكنّها معروفة جدًّا في القاهرة ودمشق ولبنان، ويفسّر هذا بضلوع هذه العواصم في إحداث تراكم واسع للنّصوص الجيّدة.

والرّواية التّونسيّة مراتب ودرجات..بعضها محليّ جدًّا، وبعضها محليّ بصفة أقلّ من ذلك، وقليلها عربّي..وهذا أمر طبيعيّ.ففي الإطار العربي يمكن أن تحققّ الرّواية التّونسيّة الكثير. إنّما غير هذا يبقى مجرّد تنطّع غير مستند إلى دليل ثابت.

2/ للشّعر حضور في كتاباتك الرّوائيّة، فهل كنت شاعرًا حينما كنت تقدّ النّص النّثريّ؟أم للأمر قصد آخر وغاية ترتجى؟
حبّذا لو كنت شاعرًا، بل أقول إنّ كلّ كاتب يبطن شيئًا من الشّعر، وبعضًا من شاعر ولا شكّ أنّ نصوصي الأولى قد نهلت مباشرة من الأغاني وكتب الجاحظ، وروائع كرم ملحم كرم، كما استحضرتُ بودلير و رامبو و فرلين و آيو لينير، والحقّ أنّ التّمييز بين الجنسين الشّعر والنّثر في النّصوص الكبرى يبقى تمييّزًا شكليًّا. فكيف يتسنّى لنا عند بروست أو كافكا أو نجيب محفوظ أو ميلان كونديرا أن نقول إنّ هذا هو مجال الشّعر وهذا مجال النّثر.

فرواياتي تستجمع الشّعريّ والنّثريّ العربيّ القديم في مستوى الأسلوب ، وتستحضر المعاني الحديثة في :1مستوى السّرد: وتسعى إلى الجمع بين العناصر التي تكوّن إحساسي وفهمي وإدراكي للتّجربة الرّوائيّة المعاصرة,التي هي بالضّرورة تجربة تتوق إلى إجتذاب الرّواية الغربيّة /بمختلف مكوّناتها/ إلى الأفق العربي.
فالرواية اليوم تقوم على مفهوم التجاوب بين مختلف الفنون، والرّواية اليوم تتغيّر كأفضل ما يكون التّغيير.لذلك هي قادرة مثلما كانت دائمًا على الثّبات والبقاء.

3/ هل العصر عصر رواية ؟
نعم العصر عصر الرّواية ، ليس في هذا مبالغات أو ادّعاء، و الرّواية العربيّة/شئنا أم أبينا/رافد من روافد الرّواية العالميّة.وعلى الرّواية /في نظري/ أن تعتني بالحقائق الكبرى في الوجود، أمّا العرض الزّائل ، من قضايا المجتمع وحوافّ الحياة اليوميّة فيمكن أن تعالج بطرق أخرى أقلّ قيمة من الفنّ.

4/ في رواية راضية والسّرك تحدّثت عن القيروان في حديثك عن المدينة العربيّة كيف ذلك؟
أنا أعتقد أنّ القيروان ملأى بالعناصر الأولى التي يمكن أن تتحوّل إلى بنية روائيّة متكاملة، خاصّة في باب المسكوت عنه. ولا يمكن تناول القيروان/ في معزل عن غيرها من المدن/ هي هنا رمز لكلّ المدن العربيّة. ولعلّه من الطّريف أن أشير إلى أنّ الرّواية تتحدّث فعلاً عن القيروان لكنّها لا تتضمّن اسم القيروان، ولو مرّة واحدة. إنّما المدينة حاضرة من خلال أسماء الأنهج والأزقّة والسّاحات والسّطوح. فجغرافيا المدينة في الرّواية هي غير جغرافيا المدينة في الواقع العارف بالقيروان ينتبه إلى /مدينة الرّواية/ تتناول نفس الأسماء، لتصنع منها مدينة أخرى جديدة ومختلفة.

5/ رواية لون الرّوح تتحدّث عن فلسطين ، عن السّجون و عن الظّلم ،كيف ذلك؟
نعم رواية لون الرّوح تثير مسائل حافّة بالظّلم، و متفرّعة إلى سبيلين:
1 صلة الفلسطينيين بالدّولة الإسرائليّة، والمجتمع الإسرائيلي.
2الواقع غير الإنساني في السّجون العائمة والطّائرة المبثوثة في شتّى أنحاء العالم.

وأعتبر هذه الرّواية تتويجًا لأعمالي السّابقة:النّخاس/التّاج والخنجر والجسد/راضية والسّيرك/سبع صبايا. رغم أنّ النّقاد في المشرق خاصّة قد اعتبروا النّخاس عملاً جيّدًا ،فقد اكتشفتُ تدرّجًا بين العمل الأوّل والعمل الأخير، نحو امتلاك ناصية هذا الفنّ الصّعب الذي هو الرّواية.

وفي خاتمة هذا الحوار نجدّد لكم الشّكر جناب الأخ الروائي الدكتور صلاح الدين بوجاه راجين لكم مزيد النّجاح و الإبداع .

أجرى الحوار صلاح بوزيّان

لا تعليقات

اترك رد