تأملاتنا الروحانية


 

نقرأ في معجم اللغة أن كلمة التأمل تعني حالة من التفكّر العميق المتواصل في جو من الهدوء والسكون والوقار والإجلال. وهو تعريف يوحي إلينا مباشرة بمقدرتنا على أن: نعرف ونفكّر ونتأمّل ونكتسب الفهم والإدراك والوصول إلى الحقيقة. وحيث إن عملية من التأمل كهذه تعدّ جانباً لا غنى عنه في الوجود الإنساني، فإن التأمل والتفكر إذن هو عملية إنسانية. وحتى نقوم بها نحتاج إلى توفير جوٍّ من الصمت والسكون والهدوء، وأن تتجلى في تلك اللحظة قدرتنا على إبعاد أنفسنا عن الإهتمامات اليومية المعتادة، ثم نبدأ في تقييم أنفسنا ومساءلتها والخروج بالإجابات الصادقة. على هذه الشاكلة مبدئياً تتم الإكتشافات العلمية، وبها توضع الحلول للمسائل المحيِّرة، ويتم التوصل إلى إجابات للتساؤلات، ثم تتحقق رؤية جديدة. فالتأمل في السياق الروحاني هو التفكر بعمق بمواضيع لها ارتباطها في الوصول إلى الحقيقة وتحقيق الوحدة والقيام على الخدمة وهذا ما يشمل أغلب مناحي الحياة. وفي هذا السياق نسأل أنفسنا كيف يمكن أن نصبح أكثر عدلاً ومحبةً وأكثر استنارةً ومساعدةً للآخرين، وأكثر اتساعاً في وعاء عقولنا ليسع العالم كله. علينا أن نتساءل ما الهدف من الحياة وكيف نحققه. وقد يجنحُ أحدنا إلى اتجاه معاكس محاولاً إيجاد الإجابات لتساؤلات من قبيل: كيف ننجح ونُبْدِع في خداع الآخرين، وكيف نتسلّط عليهم، كيف نقتل ونثأر وننتقم، كيف نخالف القانون ونتهرب من عقوبته. فكلا الوجهين يأتيان من التأمل والتفكر. أما الطريق الثالث الذي يستعمل الإنسان فيه مقدرته في التأمل فهو التفكُّر في كيفية إشباع رغائبنا انسياقاً وراء شهواتنا النفسية. فالتأمل في سياق التحوُّل الروحاني إنما يركّز دوماً على الخيِّر وما هو خلاّق وبنّاء ومعزِّز للحياة وصادق وأمين وعادل وجميل. وعليه، فإن التأمل الروحاني يتطلب الإنضباط ونحتاج فيه إلى العون والمساعدة. فهو لا يأتينا من نفسه تلقائياً، وأعظم عون نتلقّاه للتأمل الروحاني يأتينا من القيام بالصلاة والدعاء والإبتهال. فبينما التأمل له صلته المباشرة بقدرتنا على المعرفة، فإن الصلاة والدعاء لا غنى عنهما لقدرتنا على المحبة، وفيهما نتصل بذروة هدفنا في المحبة. فالصلاة إنما هي حديث المحبة، والمحبّ فيها يتضرع بكل حرقة لمحبوبه متوسلاً بكل خضوع راجياً محبته وبركاته. ففي السياق الروحاني فإن المحبوب هو الله سبحانه وتعالى – مصدر كل الحقيقة والمحبة والعون. وعليه، فإننا بالصلاة نُشعل أرواحنا بنار المحبة ونفتح عقولنا وقلوبنا، ونجذب إلينا قلوب الآخرين، ونساهم في تأسيس علاقات متبادلة من المحبة والصدق والخدمة. كثير من الناس لديهم موقف سلبي ويتردّدون في القيام بالصلاة والدعاء، بحجّة أنهم عندما كانوا يدعون بكل صدق وحُرقة طالبين شيئاً محدداً من الله، فغالباً ما يخيب أملهم في تحقيقه. فقد ندعو ونصلّي طلباً للشفاء ثم يموت المريض، ونطلب المال ونبقى في فقرنا، ونسأل النجاح فنفشل. إن موقفنا السلبي الذي كوّناه عن الصلاة والدعاء يرجع إلى عوامل مرّت بنا في مرحلة الطفولة فردياً وجماعياً. فالعلاقة الناضجة مع الله تستدعي الإحساس المرهف في استعمالنا قدراتنا في المعرفة والمحبة والإرادة. فالصلاة في شكلها الكامل يجب أن يقترن القول فيها بالعمل. وعليه، فإن الشفاء لا يتحقق بالدعاء والصلاة فقط، ولن يستفيد المريض المهزوم داخلياً واليائس من أي علاج طبي حتى لو صلّى ودعا. ذلك لأن قوة الإرادة ومحبة الحياة والتوجه المنطقي نحو العلاج هي الأسس الهامة لحصول الفائدة المرجوّة. فالدعاء والتأمل يضعانا في حالة إيجابية تجاه المرض، ثم نبدأ في السعي نحو أفضل علاج متاح. إلا أنه رغم كل ما نؤدّيه من صلاة ودعاء وعناية طبية لازمة نجد الكثير يموتون. هنا يكتسي الدعاء أهمية أخرى؛ فالتأمل بالخسارة وأسبابها ليس من شأنه أن ينير أفكارنا من جديد حول أجَلِنا فحسب، بل يساعدنا في البحث عن أصناف جديدة من العلاج، ويطوّر معرفتنا الطبية ويعلّمنا كيف نقاوم المرض. أما التفكير بالخسارة والموت فإنه صعب جداً ما لم نجد المؤازرة من القوى المنبعثة من الدعاء والإبتهال بوصل أنفسنا بمصدر العلم والمعرفة ونسأله تعالى المزيد من البصيرة والتبصّر. وبالرجوع إلى الوراء في تفكيرنا نجد في كثير من الأحيان أن دعاءنا قد استُجيب له حقاً. فلو تركنا جانباً هذه الأمور العملية لوجدنا أن الدعاء له أهمية أكبر بطريقة أخرى. فرغم كل الإعتبارات فإن الإنسان يُعتبر وحيداً. نعم، تجمعنا بالناس روابط الزواج، والعائلة، والصداقة… إلخ. ومع ذلك نبقى لوحدنا في أعماق أفكارنا ومشاعرنا الخاصة. فكم تُقْنا إلى مشاركة الآخرين بها ولم نقدر؛ فإما لعجزنا عن إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عن مشاعرنا، أو لم نجد من يستمع إلينا أو أن شجاعتنا خانتنا. إلا أننا قادرون فعلاً على إشراك خالقنا معنا في كل شيء وفي جميع الأوقات. فلو قام كل فرد منا بالصلاة والدعاء بانتظام، وكلنا لنا مثل هذه التجارب، سنجد أنفسنا متّحدين بفضل القوى الروحانية المنبعثة من وعينا، ونشعر بدرجة عميقة من التآخي والترابط. وعندها تكون الصلاة والدعاء قوة فعالة للوحدة والوصول إلى الحقيقة في هذا العالم. فهي التي تؤلّف بين القلوب والعقول وتجمعها. فعندما يدعو الناس من أجل السلام والعدالة والحرية والمساواة، فإن أمواجاً جديدة من الوعي ترتفع في محيط الضمير الإنساني جالبة معها مزيداً من الوحدة والإتحاد والأمان والإطمئنان. بهذه الطريقة يغدو الدعاء عملاً يؤدي خدمة للآخرين ويدفعنا إلى ترجمة أقوالنا إلى أفعال وأفكارنا إلى أعمال. كثيراً ما حيّرني ذلك التشابه الكبير الذي أراه بين عمليات العلاج النفسي من جهة والدعاء والتأمل من جهة أخرى. ففي العلاج النفسي يغرق المريض في تفكير عميق ومستمر وهو ما يُعتبر تأملاً، وكذلك الأمر مع المريض الذي يعاني من آلامه فيتوسل إلى الطبيب أن يريحه ويشفيه، وهو عمل طابعه دعاء وابتهال. إنه ليس بالأمر العجيب لأن المعالِجين يمكن اعتبارهم كهنة الحضارة المادية التي خلقناها، وعياداتهم هي الحرم والملاذ وخُلوة الإعتراف والمنبر في آن معاً. فالمعالِج يبحث عن قوة خفية وكامنة فيه وفي المريض علّها تساعده؛ وقد تكون النتيجة مرضية أو سيئة. الصيام والإنضباط الأخلاقي إن الإنسان يقع على الخط الفاصل بين المادي والروحاني في هذا الوجود (في نهاية المرتبة الجسمانية “النقائص” وبداية المرتبة الروحانية “الكمال”). فمن جهة نحن كائنات مادية عضوية خاضعة لقانون الطبيعة، وفي الأخرى مخلوقات روحانية قادرة على المعرفة والمحبة والإرادة وهي القابليات الروحانية والخصائص اللازمة لوعينا وإدراكنا. وذكرت سابقاً بأن الوعي هو حقيقة بحدّ ذاته، والحياة هي نتاج وجود تلك الحدود المشتركة بين الوعي والمادة. أحد جوانب الحياة نشاهده في حالة الشدّ والتوتّر الحاصلة بين ما هو غريزي راجع للجسد وروحاني تابع للروح. فالحضارة الإنسانية إذن هي نتاج هذا التوجه المزدوج، وما تتمتع به البشرية من إنجازات وما تعانيه من إخفاقات راجع إما إلى انتصار جانبنا الروحاني أو الغريزي (المادي). وحتى ينتصر الجانب الروحاني، ويحلّ البذل والعطاء محلّ الجشع والإستئثار، والمحبة محل الحقد والكراهية، علينا أن نتعلم كيف نضبط غرائزنا وشهواتنا شبه الحيوانية، وأن نتحكّم بالنزعة نحو العنف والعدوانية ونستبدلها بفضائل الحقيقة والوحدة والخدمة. فقيامنا بأفعال روحانية في جوهرها مثل الصيام، الذي يتطلب منا قهر النفس ومشتهياتها وانضباطها، له مِثْل النتائج الإيجابية في تحقيق اهدافنا الرئيسة في انتصار الجانب الروحاني. فالصيام رمز لانضباط النفس، وبه نقترب من حقيقة أنفسنا. يُرينا بأننا أقوى من شهواتنا، ويُظهِر لنا مدى قدرتنا على تحمّل الجوع، وفي الوقت نفسه يتيح لنا الفرصة أن نلمس عملياً معاناة الملايين من جياع العالم. في صيامنا الطوعي بكل إطاعة حبيّة نمتلك الفرصة على كسره والإفطار، بينما جياع العالم يصومون حتى الموت ولا خيار لهم. فالصيام إذن مجموعة من المشاعر الإنسانية الحقة ومن شأنه أن يعيدنا ثانية إلى وعينا بالوحدة الأساسية للبشرية جمعاء. إن الصيام وأحكام روحانية أخرى مثل تحريم الخمر والكحول وكل ما يذهب به عقل الإنسان له تأثيره العميق على حياتنا وصحتنا الجسمانية أفراداً ومجتمعات. ففي عالمنا المعاصر نعيش، مع الأسف، تبِعات الإفتقار لا بل خلوّ الحياة من هذه الفضائل الروحانية، إذ تجد البشرية نفسها أمام تحديات كبيرة برزت في العقد الأخير من القرن العشرين، وأكثرها خطورة ظاهرة الإدمان على المخدرات بأنواعها والكحول. لقد فتك الكوكايين وعصاباته بأعداد هائلة من الناس ودمّر حياة الملايين، وأصبح تجّار المخدرات ومدمنوها في العالم عملاءَ الجريمة وصانعي الموت، وغدت الكحول سماً لا يقتل شاربه فحسب، بل ويدمّر العائلات والنشاطات التجارية حتى أنه يمتد إلى عدة أجناس بشرية ويفتك بهم بلا هوادة. لذا فإن أي حكم روحاني يحرّم شرب الكحول والمخدرات – إلا للإستعمال الطبي فقط – لا يمكن أن يُعَدّ انتهاكاً لحريتنا الشخصية بل درعاً واقياً يؤمّن لنا التمتّع بالحرية التي تنفعنا. إن مفهومنا للحرية مشوّه تماماً عندما نعتبر أن فرض الأحكام الروحانية يتنافى والحرية الشخصية، إذ يجب أن نؤمن حقاً أن الحرية لن تدخل أرضاً تغيب عنها القوانين والأحكام، لأنها تغدو مرتعاً للهرج والمرج وحاضنة للفوضى والإضطراب. فالصلاة والدعاء والصيام إنما هي شعائر روحانية تعبّر عن المحبة الصادقة وأفعالها التي ندرك بعضها ونلمسه ونعيشه. فلنأخذ مثلاً كيف أن الوالديْن يؤْثِران البقاء جوعاً عند الضرورة لمنح الطعام لأولادهما بكل فرح وسرور. أليس هذا من مظاهر المحبة المجرّدة! وهذا ما ينسحب على عملية الصيام نفسها أيضاً مع فارق بأنه يتم في ظروف عادية نعبّر فيها عن محبتنا لخالقنا في إطاعة أوامره.

لا تعليقات

اترك رد