حَدَائِقُ الْفَجْرِ اِسْتِعَارَةٌ نَحْيَا بِهَا

 

منذ العتبات؛ الإهداء والشّكر، يتقاطع في الرّواية خطابان تاريخيّ وروائيّ” إذ يستدعي الكاتب خطاب التّاريخ الماضي لينشئ خطاب روايته الرّاهن ويصل عالمه التّخييليّ بعالم الوقائع التّاريخيّة . يختصر المكانَ” جبل آقري” الّذي يمثّل أحد الأمكنة المرجعيّة الواقعيّة في الرّواية جزءا من الذّاكرة الجمعيّة بالجنوب التّونسيّ الّتي جاءت ثورة 2011 لتنفض الغبار عنها بحثا عن حقائق أغفلها التّاريخ الّذي كتبه المنتصرون.

“جبل آقري” مكان مرجعيّ واقعيّ ذُكر صراحة على لسان الشّخصيّة القصصيّة عبد الكبير وهو يقصّ لسليمان قصّة ابنه رمضان أحد ضحايا المعركة الّتي كان مسرحا لأحداثها؛ “والتحق بالثوّار في المعقل الجبليّ القريب من هنا (نسمّيه جبل آقري)”، جبل من سلسلة جبال عديدة تحيط بها، ومجاز إلى عدد من قرى جبليّة تؤوب إليها ” مسارب وتعاريج ومسالك”، مكان هو جزء من مكان واقعيّ أكبر هو تطاوين يقع على تخومه “تقع البلدة الإقليميّة في الشّرق من القرية الجبليّة وتبعد عنها بحوالي عشرة كيلومترات”… مكان يمضي الكاتب ابن هذا المكان يعرّفنا أصل تسميته البربريّة وجغرافيته الجامعة بين الجبل والصّحراء وتاريخه العائد إلى نهاية القرن التّاسع عشر” كانت قبل ثمانين عاما لا تزيد على رحبة مستديرة تحيطها أقواس مسقوفة وبضعة حوانيت” ، وسكّانها من البربر والعرب ومن” الخدم والحرفيّين واليهود والموظّفين”، رحبة أهبط إليها أنا قارئ الرّواية حدّ السّاعة في منحدر شارع البريد كما فعل سليمان وأبوه كعفورة، رحبة كنت شهدتُ في طفولتي المبكّرة سوقها الأسبوعيّة على نحو ما شهدتها شخصيّات الرّواية: سليمان وأبوه أو سليمان ورمضان. وعبر رحلة البطل ” سليمان” في المكان متنزّها في القرى النّائية وفي القصور الصّحراويّة مصطحبا أمّه مرضعته مرّ بأماكن تميّز جغرافيا اَلْوَطْنْ فهي مقصد السيّاح:” رأس الوادي” بمنطقة الدويرات، وقرية “شنّني” حيث ” القبور السّبعة تحمل صفة أهل الكهف”، ومقام الوليّ الصّالح الّذي تشدّ إليه الرّحال طلبا للشّفاء من الأدواء وقضاء للحاجات ” في منحدر من الأرض يميل غربا” اصطحب إليه هنيّة وقمرا، و”وادي القمح” اجتازه البطل بحثا عن أمّه والدته و” الجبل الأحمر” ” يجثم شرقا”.

جبل هو مكان جغرافيّ معلوم ذو بعد مادّيّ فهو أحد الجبال المقبّبة الّتي تحيط ب”الوَطْن” تطاوين، مكّن أهليه من الاستكشاف والاستعداد لكلّ طارق”، ووصل بينهم برابطة الاجتماع والتّعارف والألفة وكان معقل الثوّار. وهذه الوظيفة الأخيرة هي الّتي أسّست للبعد الرّمزيّ فيه الّذي يرتبط بالبعدين الآنفين المادّي والوظيفيّ ليجعلا منه مكانا من أماكن الذّاكرة ” (1) يشهره علي دب في وجه النّسيان والتّعتيم ” (نسمّيه جبل آقري) وقد صار يعرف بين النّاس بجبل الثوّار وإن كانت السلطات لا تحبّ هذا الوصف بل وتعاقب كلّ من يتفوّه به” (2). جبل هو رمز الثّورة ولكلّ ثورة مناصرون وأعداء، الثّورة ضدّ المستعمر الّتي كانت خلفيّة تاريخيّة للحدث الرّوائيّ، والثّورة ضدّ الاستبداد الّتي كانت خلقيّة لفعل الكتابة. جبل هو المقابل الحسّي للذّاكرة الجمعيّة الّتي لم يرد لها المنتصرون أن تُحفظ فاجتهدوا في تغييبها في مطاوي النّسيان.

جبل يصل بأبعاده الثّلاثة الماضي بالحاضر، وينقل صور الإحساس بالانتماء والشّعور بالولاء، وفيه تصطرع المواقف والرّؤى الّتي تغنيه بالدلالات المختلفة وتمنحه سماته وتمدّه بالمعنى الأعمق. جبل آقري فضاء مرجعيّ استند إليه الخطاب الرّوائيّ ليشكلّ عالمه المحتمل التّخييليّ جعل من جبل آقري فضاء تخييليّا قدّ من لغة هذه أبرز سماته:

سمته الأولى أنّه مكوّن بنائيّ في الرّواية يؤدّي وظيفته من خلال العلاقات الّتي يبنيها مع سائر المكوّنات السّرديّة الأخرى، فهو الفضاء الّذي صاغ عناصر السّرد جميعها: أمكنة وأزمنة وشخصيّات وأحداثا، والّذي انتظمت فيه الأشياء والكائنات والعلاقات في الوقت الذّي تولّت هي صياغته. والحيّز الّذي انتقلت الشّخصيّات منه وإليه، والدّلالة الثرّة الّتي منحتها إيّاه أزمنة تتصادى فيه وتتراكب وشخصيّات تتقابل وأحداث. يرسم الفضاءَ الرّوائيَّ مكانين متناظرين؛ جبل وسفح، ارتفاع ومنبسط، علوّ وخفض هما موئل جميع الأحداث. ويجمل الفعل القصصيّ في حركتين حركة الصّعود أوّل الرّواية ” يمضي صاعدا قافزا مستقبلا قريته الجبليّة” وحركة النّزول آخرها توصل إلى أبعد مكان عنها” وثلاثتهم يندفعون مع المنحدر”، ويقابل في الزّمان بين زمان غابر حيث ” البيوت الكهفيّة” وعصر حديث ” حيث بيوت بيضاء متناسقة المعمار …طرقات وأبواب وشبابيك مطليّة بالدّهن الأزرق ونمنمات تدلّ على تطوّر الأذواق”، وبين عهدين عهد الثّورة على المحتلّ حيث كان ” معقلا للثوّار” وعهد الدولة الجديدة الّتي” جمعت السكّان المتناثرين في القرى الجبليّة، أحدثت لهم مساكن في الأراضي المنبسطة”، وفي الشّخصيّات بين موقفين من الحياة؛ حياة الأجداد يتوارثونها وتلك رتابة الأيّام وذاك ركودها، وحياة لا ثوابت في مجراها “نهر متدفّق لا يدفع إلى ضفّتيه سوى الغثاء والأموات”، ومن دولة الاستقلال يمدحها ويكبر زعيمها أو يقدح فيها ويصمها بممالأة المحتل والتّنكّر لأبطال “ماتوا في سبيل الوطن”.

جبل آقري التّاريخ الّذي لم يكتب، التّاريخ الّذي لم يعترف به، الأبطال الّذين ” ماتوا ونُسوا” ووقائع يلتبس فيها الماضي البعيد بالحاضر القريب، التّخييل بالواقع. أهي نبوءة السرد؟ وهذه عظامهم هناك” بإمكانكم رؤية الكثير منها على ضوء القمر، حبّذا لو تولّيتم جمع البعض، ودفنّاها معا”. المكان الّذي همّش، الوطن الّذي أراده أبناؤه أم الّذي أريد لهم”، سؤال الثّورة والانتماء:” كم أودّ أن أعرف وطن أبي” جملة جاءت على لسان شخصيّة سليمان الملقى في مكان تبيّن له لاحقا أن لا جذور له فيه وأنّه مجبر على توديعه متسلّلا كلصّ مقابل رمضان المزروعة ساقه فيه. جبل آقري يستعيد الثّورة اليوسفيّة ووثيقة الاستقلال والمستعمر الّذي ” يخرج من الأرض ولكنّه يحتفظ بخيوط اللّعبة السريّة فيها، ليطمئنّ على مصالحه وعلى مصالح من خدموه”.

جبل آقري مكان يمتدّ في الأماكن، وأماكن تمتدّ في الشّخصيّات ومواجهة بين لحظتين لحظة الثّورة؛ ثورة الحريّة والبناء ولحظة تعقّلها، تعقّلها من داخل الذّات وخارجها. لحظتان اجتمعتا في سليمان ورمضان: رمضان ” جنون الفكرة الّتي ملكته فشغلته عمّا سواها” وسليمان العائد إلى قريته بعد خمسة وعشرين عاما يراها بعين الآخر القادم إليها، الغريب عنها ثقافة وسلوكا. وفيه كان الجبل كونا واستحالة.

وسمته الثّانية الّتي لها صلة بالأولى هي أنّه مكان جوّانيّ لا تلتمس معالمه خارج الذّات وخارج وعيها ورؤيتها للكون والوجود، يُرى من داخل الشّخصيّة يجلو بواطنها ويكشف عن مشاعرها، وهو مكان لا يكتفي بنفسه بل يمتدّ إلى فضاءات زمانيّة ومكانيّة وإلى قيم ثقافيّة واجتماعيّة تتجسّد من خلاله وتشكّل مجتمعة رحلة الإنسان يسبر أغوار ذاته والوجود.

يحضر الجبل فضاء ألفة واغتراب؛ يشحذ الحنينَ إليه يحتضن قرية البطل الجبليّة الّتي عاد إليها بعد “زمن من الطّواف بين القارّات… المسرب الّذي اعتاد عليه مازال كما تركه”، وفيه واللّيل ساكن ساج أشرقت نفسه بالذّكريات: “منذ ربع قرن كان هنا، يتسلّق الصّخور مع الرّفاق، يلعبون الغميضة، اللّباس لا يكاد يستر العورات…الأرجل حافية”، وها هو “يعمد إلى خلع الشورط كما كان يفعل والصّبيةَ كلّما صعدوا “وعلى صفائح أحجاره تمدّد فمشت في عروقه دغدغة رقيقة أيقظت فيه الشّهوة”.

ولكنّ ماضي الحنين فيه يتقابل وحاضرَ الوعي: تأمّل في اتّساع الفضاء “وهذه الأرض لا تعدو أن تكون ذرّة من غبار من الفراغ” وترحّم على الأجداد ” لم يبحثوا في الحقائق العلميّة ظلّوا منبهرين قانعين بحياتهم البسيطة” و” سرعة الزّمن لا تسمح بعبادة هؤلاء الأوفياء للماضي”. وعي يشعره بالغربة في موطنه” مازالوا لا يعطون أهميّة للنّجاح في الحياة، ولا لكسب المال قدر ما يفكّرون في الإنجاب”، وعي به يتجاوز الجبلُ بعده الجغرافيّ إلى محموله الثّقافيّ إذ يقوم بين سليمان وأهله فاصلا حضاريّا فيراه نظاما من القيم والأعراف والعادات البالية تولّى خرقه وتحويله على مدى أكثر من ثلاثة أشهر هي زمان الحدث الرّوائيّ. وقد كان الجبل شاهدا على خرق نظامه فعلى إحدى صخوره واجه سليمان أباه برفضه الإنجاب، “هذا الّذي تتحدّث عنه هنا، لا معنى له هناك” قبل أن يصرّح لصديق دراسته شوشان وزوج قمر برفضه مؤسّسة الزّواج، وعلى صفائح أحجاره التحم ورقيّةَ زوجَ إبراهيم الّذي هجرها إلى العاصمة بحثا عن عمل في عناق احتشد له الزّمن “مضمّخا بالذّكريات والأنفاس ورائحة الزّعتر” وقد علّمها أن تغمض عين الرّقيب بـ” حبّة النّوم”. وكما تنفّست النّار الحبيسة في أعماق الصّحراء حمما تشكّلت منها قباب هذا الجبل تنفّست على يديه الغرائز المكبوتة “وأُطلِق شيطان الجنس وعرفت المرأة كيف تنتقم سرّا من حرّاسها”؛ ففي رحاب الوليّ الصّالح تحرّرت قمر معه من قسمها ورجته “ألّا يوقظ الصّمت”. جبل جاءه في وضح المنتصف مقبلا بشوقه وحنينه وودّعه في الضّباب المعتكر متسلّلا كلصّ.

ويحضر الجبل جبل آقري فضاء لامتلاء الذّات وخوائها، امتلاء رمضان بماضي النّخوة والبطولة والثّورة على ” استقلال ناقص ومشروط”، وامتلاؤه بالعزم يحفر المتاريس بأظافره في أرضه الطّينيّة الجبليّة، وخواء الذّات وقد انقسم أبناء الوطن الواحد “ظفر خصومه بكلّ شيء ولم يتركوا له سوى خيار الاستسلام المذلّ والنّعوت الجارحة”. فضاء تحكي الشّخصيّات من خلاله وشوم حكايته فيها؛ وجعها ووجع الوطن. نجد حكاية هذا الجبل في خطاب عبد الكبير” الّذي ضحّى بأحسن رفيقٍ جملِه في سبيل قضيّة غامضة”، وفي خطاب

كعفورة وهو يروي قصّة لقائه بالقائد الميدانيّ للمعركة ” باك النّاصر” وهو يحرث حقله قبل أسبوع من اندلاعها، وفي خطاب رقيّة ” تروي مشهدا رأته قبل عشر سنوات طالعت فيه آثار المعركة الضّارية، فضلا عن خطاب رمضان الّذي احتل بؤرة الرّواية فصليها الثّاني عشر والثّالث عشر؛ خطاب جمع الزّمان في لحظة بوح يستعيد الجرح حارّا نازفا حتّى استفاقت المرأتان قمر ورقيّة واستفاق القارئ معهما من المشهد الموصوف كأنّهم خارجون من بقايا اللّهب”، فضلا عن الفصل الثّاني والعشرين أين يقطع عزلته الاختياريّة عن النّاس ليكون فيهم صوت العناد والثّورة. فضاء بثّه السّارد في مساحات نصيّة متعدّدة وعلى لسان عدد كبير من الشّخصيّات فعكس هاجس المنشئ في تقييد ما لم يرْوِه التّاريخ الرّسمي.

وبهذه الجوّانيّة يتحوّل المكان إلى مدرك شعوريّ ينعكس في مرآة الذّات ويرشح من خلالها يختلط فيه الحاضر بالماضي، يتسامى بلغة الفنّ إلى آفاق أرحب في القراءة والتّأويل فلم يعد ” المقصود بالصّورة الذّات المرتسمة على المرآة بل الذّات النّاظرة سواء ذات السّارد أو الكاتب أو القارئ” (3). ويتحقّق هذا من خلال صور شعريّة تعيد تشكيل المكان وهذه سمته التّخييليّة الثّالثة فبعيدا عن حسّيته الّتي نقلتها أصوات وألوان وروائح يرى رمضان الجبل سنى من حلم ويسمعه صوتا يصّاعد ” في الأعالي من قمّة الجبل رأيت وردة بيضاء، مفتّحة، أغرتني فتسلّقت إليها …عندما لمست وريقاتها سال الدّم من أصابعي وتخضّب كفّي” “الفجر نديّ برغوته الزّرقاء…الذّؤابات العالقة في رؤوس الجبال ومن حولها فلول الظّلام تجمع بقاياها لترحل بعيدا”.

بخطاب الشّعر يتعالى الجبل عن هواجس الكتابة القادحة وعن أسئلة الرّاهن الّتي كان التّاريخ قناعا لها إلى المعنى العميق للوجود وللإنسان فيه وهذا الجبل استعارته.

– التّشكيل الاستعاريّ للجبل:

الرّواية بأدواتها الفنيّة وبعناصر الحكي فيها وبعوالمها الممكنة وبالفكرة الجوهريّة الّتي انتظمتها وباللّغة الّتي قدّت بها استعارة كبرى، استعارة من جهة طبيعة تفكيرنا الاستعاريّة، واستعارة من جهة دلالتها على الموقف الفكريّ والثّقافيّ والسّؤال المعرفيّ الّذي تهجس به وتصدر عنه، واستعارة من جهة كونها قادحةً لقراءة آصلَ ودلالة أبعدَ.

ولافت أنّ الرّوائيّ شكّل هذا الجبل الكيان الّذي كنّا بصدده استعاريّا منذ العنوانِ العتبةِ الأولى إليه: “حدائق الفجر” يخطّه مسارب في النّظر والتّأويل.

“حدائق الفجر” عنوان رواية كتبها علي دب هذا الشّخص التّاريخيّ سنة 2012 على وقع الثّورة التّونسيّة أهداها إلى ثوّار جبل آقري ” ” إلى ثوّار جبل آقري الّذين أمكن لي ملاقاتُهم وما زلت أحتفظ بأصواتهم”.

و” حدائق الفجر” عنوان نصّ قرأته ريم، الشّخصيّة الخياليّة، كبرى بنات مبروكة اللّاتي جئن وأمَّهنّ يطالعن سليمان القادم من بعيد، قرأته في المدرسة فعلقته فرسمته على كرّاسها فنسجته زربيّة أهدتها سليمان فانجذب إليها، تخيّلها قطعة حيّة من الرّبيع: “أزهار الأقحوان والورد في ضوء قمر شاحب ونبع يتدفّق كرعت فيه

غزالة ولداها يرضعان ثديها ومن الفضاء الأزرق رفرفت حمامة بيضاء. في الركن المقابل كمن ذئب وراء نخلة ولم يظهر غير أنفه ولسانه” (4).

أهذا وصف للنّص النّسيج أم سدى نصّ الرّواية ولحمتها وهل كالرّمز يلتحم فيه المكان والزّمان والإنسان؟

أيّ صلة بين النّصين والنّسجين؟

يجمع العنوان بين المكان (الحدائق) والزّمان (الفجر)، بين تجربة مادّية حسّية حركيّة ندركها في المكان وتجربة ذهنيّة مجرّدة ندركها في الزّمان. تصل الاستعارة بين ميدان مصدر هو المكان وميدان هدف هو الزّمان فتستعير من الأوّل ما يساعد على فهم تجربتنا مع الثّاني.

الحديقة الشّجر والثّمر، والحديقة “الجَنةَ من النّخل والعنب” حديقة حيث الضّوء والشّذى والماء، وحيث ألوان الحياة وَرْدُها وأُقحوانُها”، حيوات هي الحدائق تجتمع في الزّمان دليلا عليه أو يجتمع فيها عبارة عنها ” قطعة حيّة من الرّبيع”، حديقة تقوم رمزا على وردة العمر تُجتنى أطايبه، وعلى جمال الوجود البكر الحيّ الخصيب، وجودٍ تظلّنا فيه سماءُ أحلامنا وتحلّق بنا فيه طيور آمالنا، وجودٍ أيتربّص بنا إذ ألقانا في مهمهه وقد أنزلَنا من جنّتنا السّماويّة أم نتربّص به وقد مسخنا جماله بعقدنا وحماقاتنا وأوهامنا وأفكارنا الثّابتة المتحجّرة رسوخ هذا الجبل وثباته؟ أيّ ذئب هذا الكامن؟ أكامن عن كثب منّا أم فينا؟ أيّ حياة نرى لأنفسنا؟ ما وجدنا عليه الأحياء أم ما نكون به أحياء؟. انظر كيف تذهب الاستعارة بعيدا في الرمز والفلسفة وسليمان يعجب “عجِب كيف يتحدّثون عن النّهاية الحتميّة بكلّ بساطة؟ … تذكّر مقولة لأحد علماء النّفس: نولد حمقى ثمّ نمنح أنفسنا أخلاقا فنصبح تعساء، وفي النّهاية نموت… الإنسان بوعيه المتنامي حقّق مصيره ” لعلّ أوّل خدمة قدّمتها آدم لحوّاء حين أخرجته من الجنّة فعاش ساخرا من وجوده إلى آخر رمق في الحياة؟”

سؤال هو مضمر اللّوحة، وهو ما زرعه سليمان في مطمأنّ الوهم وهو يثور على التّقاليد ويخرق نظامها. “فكّر سليمان في المشاهد الخالدة خلود المكان، إنّها ممتعة في هذا الوقت، لكنّ أهل الجبل لا يحفلون بهذا الجمال الطّبيعيّ”…عجب كيف تتنبّه طفلة يافعة إلى جمال الفجر فتخلّده في لوحة ولا يحفل به أحد فيمرّ كلّ ليلة وكأنّه لم يكن”.

حديقة يضوع فيها زمان بكر يرضع أثداء الحياة وإن ترصّدَ الموتُ. الفجرُ الّذي يشحُب له القمرُ كلّما انحسرت لضوئه الظّلمة، الفجر الغبشُ (5) حيث “تختمر الألوان في بعضها، يحتقن الفضاء البعيد ويحتلب النّور”، اصطراع الظّلمة والضّياء– “وليس هنالك وقت أَشدُّ التباسا من الفجر” (6) -في الكون وفي النّفس حتّى ينبلج النّور فيه وفيها. نور يضيء ظلمةَ الجسد بالرّوح. وظلمةَ الجهل بالعقل، الفجر لحظة الإشراق والتّجلّي، منزل الأرواح تتوحّد بالأشياء وتتكشّف لها الرّؤى. النّور لحظة الإبداع والخلق والخلاص، لحظة التّوحّد والوصل بين الذات والعالم، النّور إرادة الذّات وشوقها. الضّياء دليل الفجر لا يملأ الأفق إلّا بالطّيور العاشقات “تتناغم تشقّ الفضاء وتتبادل تهاني الفجر” طيور تحلم بالعودة إلى أرضها الأولى ويحلم الإنسان فينا بالعودة إلى سجيّته الأولى. لا شيء في هذا الكون يحتفي بالنّور مثل العصافير، تغنّي له وبه تلوذ

تسبّح في سمائه خفيفة مرحة، تصافحه وتهتف: أيّها القادم الجميل منك خاتمة اللّيل وبقايا النّجوم نحن بانتظارك، بأيدينا الأكاليل، والتّراتيل في أفواهنا، أيّتها الحياة كم أنت بهيّة في رحاب النّور”

السّجيّة الأولى قبل أن تصوغها الثّقافة وترسم التّقاليد حدودها ماثلة في الطّفولة، طفولة تمثّلها “ريم” اشتركت وسليمانَ في ” هواية الفجر” وفي الاحتفال به دون أهل الجبل، وطفولة تشترك مع الفجر في ” الولادة الجديدة” و ” قوّة الحضور”؛” منذ ليلته الأولى في القرية عشق الفجر، أغراه الخيال فتوقّع أنّ الكون ولد فجرا، وأنّ كلّ فجر جديد هو ميلاد آخر لكلّ إنسان يتوق إلى هذا الحضور”. ولادة جديدة هي صنو الدّهشة واكتشاف الذّات والوجود، دهشة تعيد اكتشاف الوجود، دهشة تتحرّر من العادة والنّمط. ها سليمان يعود ساعة الفجر إلى فجر طفولته يعاوده “الميل إلى خلع الشّورط كما كان يفعل والصّبيةَ … يتفقّدون أجهزتهم الذّكوريّة”، ها هو ينسى تحفّظاته وها هي حديقته الثّانية ” ثوبها الرّقيق يضوع منه العطر… والزّمان محتشد مضمّخ بالذّكريات والأنفاس ورائحة الزّعتر، وحديقة ثالثة تكرع فيها قمر في جدول الحبّ تنساب له الضّحكات وتكرع الأرض في ضوء القمر” النّخل يلتفّ على بعضه أسود متلاحما، نظرت إلى القمر كانت أضواؤه تمسح الأرض وهامات النّخيل اشرأبّت بعينيها إليه في السّماء. إنّه رفيق المسافرين والغرباء. قال ضاحكا: وماذا يفعل غريب مثلي بين قمرين؟ انسابت ضحكتها في هدوء الليل مثل جدول يتدفّق”. حدائق ضاحكة فاتنة أمّا هم فيرونها ” حدائق الشّيطان”.

ولادة جديدة هي دهشة الافتتان أمام العجيب، دهشة تستبطن الذّات، دهشة القلق الدّافع إلى السّؤال. ولادة ترتبط بزمان هو الفجر ولكن بمكان ليس كالأمكنة” بعد منتصف اللّيل جفاه النّوم وتلاعبت به الأفكار، فاختار أن يشاهد الفجر من مكان لا يشبه الأمكنة التّي رآه فيها من قبل”، مكان علا قمّته ” حلّق في الفضاء” والقرية تغطّ في أحضانه تتوسّد الصّخور الحانية”، علاه مفكّرا والقرية تودّع ليلا يمضي لتستقبل نهارا جديدا والزّمن يمضي في مداره الأزليّ ولا أحد يأبه أو يكلّف نفسه عناء التّفكير”.

يقوم الجبل رمزا على العقل يرتفع به الإنسان عن ضعة الجهل، وتتيقّظ له الحواسّ وقد كان بلّدها الجهل والخضوع لأفكار” يتوارثها الأبناء عن الآباء”. هكذا بدا سليمان على قمّة الجبل متأمّلا مفكّرا، يملأه نور المعرفة إذ ” يتدفق نوره الفضيّ على القمم والسّفوح”. وكذا بدا رمضان على قمّته قادرا على تعقّل الثّورة الّتي كان أحد ضحاياها” قد خاب ظنّنا في هؤلاء الرّجال وأيقنت أنّ ما ينقصهم ليس الشّجاعة بل فهم المتغيّرات”، ولأنّه ابن هذا الجبل ترابه بعض جسده كان العقل المناظر لسليمان وكان كالجبل راسخا ثابتا على مبادئه. وهكذا يقوم الجبل معادلا رمزيّا للمدرسة الّتي رفعت سليمان مكانا ومكانة في قريته، والّتي بفضلها كان رمضان الخطيب المفوّه والمدافع عن قضايا يؤمن بها ويضحّي من أجلها. وكانت الصّورة الّتي رسمتها ريم معادلا رمزيّا للرّواية ترسم الجبل حدائق فجر؛ انتصارا للعلم والعقل والحريّة وامتلاء بالحياة ضدّ ثقافة الموت وسؤالا يبدّد ظلمة الجهل، وتأمّلا في الذّات يمتحنها فتخلص من زيف الأوهام، وانتماء راسخا ينتصر للذّات والوطن ويعيد ترتيب العلاقة مع الآخر، ومواجهة تقاوم الخوف، وذاكرة تقاوم النّسيان، ثورة تعقل جموحها وتتعقّل أدواتها.

تلك حدائق الفجر البدايات الجديدة على أساس انتماء أصيل وواع يقاوم الانبتات يمثّله رمضان، وعلم يحتفي بالعقل وبالإنسان المبدع النّاحت لمصيره يمثّله سليمان، وحريّة تكسر الأغلال المصطنعة وتتخطّى الحدود المرسومة تمثّلها رقيّة وقمر. اجتمعوا على قمّة هذا الجبل ساعة فجر يسألون أسئلة الحكاية ونسألُها معهم فهي أسئلةُ للواقع. جبل راسخ كالذّاكرة ذاكرة الأرض والإنسانُ بها قوّة الحضور ومهابته، جبل مُشرف على الأفق البعيد حلما وجوازا. بدايات جديدة تأسو شروخ الذّاكرة وشروخ الوطن. ” وفي كلّ فجر ميلاد جديد”.

حدائق الفجر صورة روائيّة استعاريّة مبدعة تبني عوالم الإمكان. تجلو هواجس المنشئ واختياراته الفكريّة والجماليّة في الوقت الّذي تنفتح فيه على أفق التّأويل تأويل القارئ، استعارة كان الجبل فيها مجتمع الزّمان والمكان، والمكان والكيان والواقع والتّخييل، تتصادى فيه أصوات الماضي والحاضر حاضر الكتابة وحاضر القراءة في حواريّة هي جماله الفنيّ وعمقه الفكريّ. حواريّة هي أسئلة الرّاهن منعكسة على أسئلة الحكاية، وأسئلة القراءة تشحذها أسئلة الكتابة.

الجبل سؤال الحقيقة، حقيقتنا، حقيقة الوطن، حقيقة الآخر. أنراها بعين واحدة؟ ألا نعرف منها إلّا نصف وجه؟.

(1) يعتبر المؤرّخ الفرنسي بيير نورا Pierre Nora في كتابه ” أماكن الذّاكرة” هذا المفهوم : Les Lieux de mémoire المقابل الحسّي للذّاكرة الجمعيّة الّتي يخشى عليها التّصدّع والاندثار ويرى لها أبعادا ثلاثة: البعد الماديّ والبعد الوظيفيّ والبعد الرمزيّ.
(2) ما ورد في المقال بين علامتي تنصيص شواهد من رواية حدائق الفجر. علي دب. مطبعة IMS plus ط1. جانفي 2002.
(3) انظر الرّواية والتّاريخ دراسات في تخييل المرجعيّ. د. محمّد القاضي. سلسلة مقام مقال. دار المعرفة للنّشر. تونس. ط 1 2008.
(4) الرّواية. ص 55.
(5) أغبشَ اللَّيلُ: غبِش، خالط بياضُ الفجر بقيَّةَ ظُلمتِه.
(6) محمود درويش. ضباب كثيف على الجسر.

لا تعليقات

اترك رد