إنما الظلال معادن


 

في الشتاء, حينما تزدحم الغيوم في السماء, أصاب بحالة من الاكتئاب الشديد. وأكره الحياة, ويتعكّر مزاجي. والسبب في ذلك انفصال ظلي عنّي واختفاؤه في أعماق الظلال. يهجرني ظلّي في الشتاء وفي اللّيل الحالك السواد. فتموت فيّ الرغبة في الحلم. ويخيّم عليّ الموت فتوشك الروح أن تفارقني رغم أني أرى في الأسواق ويسمع الناس زفراتي إلّاأنني في الحق أموت كتموز بالضبط. وفي الشتاء المظلم البارد تموت هويتي ويحتضر تاريخي. وفي الشتاء أجرّب ألوانا من الانتحار فألقي بنفسي من الحوالق. وأعلق نفسي في الأشجار, وأقطع شراييني, وأمحو أسمائي, وقصائد أجدادي, وأحرق مراكب طارق بن زياد قبل أن يحرقها هو, وأحرّف كتاب “كنز ربا”,ولكنني ما إن أتذكّر أن الشمس ستشرق في الربيع والصيف حتى أتراجع وأستعيد دمي والكتب وأطفئ الحريق في البحر. وكنت كلما تذكّرت أنّني سأستعيد ظلّي, هويتي, لغتي, عدت إلى الدم أصبه في شراييني وإلى حكمة الأجداد أستنسخها وأتقوى بها على اليأس. وكلما عاودني الرجاء باستعادة ظلي في الربيع عدت من أبواب الجحيم دامي الجلد, محترق الآفاق.

كم يلذّ لي أن أسير وراء ظلّي المديد في الأصبحة الندية وفي وقت الغروب الشجيّ. وقد يحدث أن أنسى الحكمة القديمة فأواجه الشمس بعينين مفتّحتين متحدّيتين الإبهارَ. فأسمع ظلي يهمس لي بأجمل القوافي:”إلى الوراء در…خلفي سر” فأستدير صوب ظلّي معتذرا…أسير خلف ظلّي الطويل الممتدّ في مسارب الأرض. فأراه يلهو بالجغرافيا يحفظ عن ظهر قلب كتب ابن حوقل وابن جبير والإدريسي والبلخي والمسعودي .ونتفا من كتاب ابن بطوطة وقصص السودان وأهل الهند والسند.فيزدادا الظل شموخا, وهو الملتصق بالأرض, ويزدادا زهوّا فأزداد فخرا بظلّي وحيد زمانه.

أذوب عشقا لظلّي الذي يقودني ولا أقوده. وأهيم بظلّي الذي يجبرني على السير القهقرى لأحافظ عليه إماما محترسا أن أسيء معه الأدب. وظلّي ذو الجذور الضاربة في أعماق الأرض وفي شعب الطين.ما أروعه من ظلّ !!وكنت أقول له:”يا لبؤس من لا ظلّ له”. فيضحك كما تفعل الظلال النافرة من النور الساطع الكشاف قليل الحياء…الشمس قليلة الحياء… ويتمطّى ضاربا بهامته في أقصى الأرض يطلب قصص الصالحين ودموع التائبين المتضرعين …

قلت لظلّي ذات صيف:” سنؤسس معا مهرجان الظلال الصيفية. وسيكون لنا في الأضواء الكشافة القوية خير وسيلة نغيظ بها الشمس. أيها الظلّ المقدّس, سيكون بإمكانك أن تطاول الأصوات فتلامس رؤوس الحضور قبل أن تدركها الأصوات. وكلما ارتفعت أنا أمام الضوء ازددت أنت نفاذا في كتلة الجماهير. وربما انعكست فضلة منه على الحيطان الخلفية فتحولت إلى وحش مرعب مخيف يزرع في قلوب مناوئيه الهيبة. ومن ساعتها وظلّي يعدّ نفسه ليكون نجم المهرجان (عفوا : ظلّ الظلال وسيدها) الصيفي. وكنا نخرج في الصباح ومنذ ساعات شروق الشمس الأولى فيسير أمامي مغرّبا وأسير وراءه موليا ظهري الشمس, فيمتدّ كالثعبان أو كالطريق التي بلا غاية, فيشرع في ترتيل القرآن وذكر الأحاديث التي تحث على العمل والتفاني فيه. فلا يترك ذلك إلا حينما يرى دموعي تبلّل لحيتي. وفي الأصائل يتحول ظلّي إلى شاعر فحل يداني عنترة في تغزله بعبلة. ثم يبكي كما يبكي المجنون بلا دموع. ويتملّكه وَلَهُ جميلٍ. فيشجيني حتى أشرع في تمزيقي ثوبي من الوجد, وكالعادة فهو لا يكفّ إلا حينما تخضب الدموع لحيتي. وأرى رأسي يبتعد وقد ذهب مع أول الظلّ. فأحسد نفسي على هذه النّعمة الربانية , على هذا الظلّ الموهوب. وكيف لا أحسد نفسي عليه وهو الشعر كله والموسيقى كلها والدين كله والتاريخ كله. وحتى عندما تتوسط الشمس السماء وتضغط على الرؤوس بعنف الضوء الساقط, ويموت كل ظلّ في أصله, يمتشق ظلي سيوف المتنبي وبلاغة درويش وصور أبي تمام, وسخرية أحمد مطر وحكمة ابن المقفع وسياسة معاوية وزهد العتاهيّ وكرامات الحلاج. فيكون الكمال فيّ وفيه.

في غفلة منّي , اختفى الظلّ الأبي…لم يعد يسير أمامي…لم أخلفه ورائي. ولم أره يطير ومحال أن يرتفع لأن الشمس لا تنبثق من جوف الأرض. مشيت بين الفكر. وركضت بين القصائد. ورتلت الأناجيل وغنّيت “أورفي”. ونظرت في الآبار باحثا عن صاحبي فلم أسمع إلاّ أصداء الخيام يقمعها ظلام الأعماق.

مددت يدي إلى أعماقي, إلى غياهب الزمن المحتضر. مددت يدي إلى ذاتي المتمنعة أراودها عن الحقيقة. فصاح الظلّ بالفصاحة كلها.”أنا هنا…أنا أسكنك…أنا ذاتك…”

أيها الظلّ الأبيّ,أنت أنا.أنت انتفاخ الكتب وخصوبة المعاني. أنت استدارة الزمان في الآفاق. يا ظلّي المصون, أنت استعادة القصيدة بالتّأويل والترتيل. يا ظلّي الممتدّ في الحقيقة, إنما الظلال معادن. لا شفاء من حبّك إلاّ بالرُّقَى…

توفيق بن حنيش

لا تعليقات

اترك رد