الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط خلال مئة عام

 

عبر التاريخ ، خلق المستبدون في المنطقة والغزاة الأجانب اضطرابات متزايدة. وهناك حاجة ماسة إلى الإصلاح الديمقراطي والإداري والقانوني والاقتصادي لتجنيب المنطقة مستقبلا أن تصبح دولا فاشلة وتعاني من الثورات الشعبية والتطرف الديني.
بدأت الموجة الثالثة من الجغرافيا السياسية بالوصول إلى الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة . لقد بدأت الموجة الأولى مع انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى ووصول القوى الدولية إلى المنطقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج العربي . وأعقبت الموجة الثانية الحرب العالمية الثانية ، عندما انهار النظام الاستعماري الأوروبي وبدأ عصر الحكومات الوطنية المدعومة من الغرب . و ستصل الموجة الثالثة إلى ذروتها مع زوال النظام الأمريكي في المنطقة وانتشار الفوضى السياسية الخلاقة وفق المفهوم الأمريكي . الشرق الأوسط المعاصر هو نتاج هذه الموجات الجيوسياسية . ومن بين عواقب هذه الموجات الجيوسياسية ظهور الجماعة المتطرفة المعروفة باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
الجغرافيا السياسية هي التقاطع بين الجغرافيا والسلطة والسياسة الخارجية ، وغالبًا ما تركز على الدول والشعوب والحدود والموارد والبيئات وطرق التجارة وحركة المرور البشرية . وفي الانتقال إلى الجغرافيا السياسية الجديدة ، يُعاد تشكيل هذه العوامل تدريجياً وتفترض الحقائق العائمة ، والاتجاهات المختلفة ، والأهمية المتباينة. أما الملامح الرئيسية للموجة الثالثة الناشئة من الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط فهي ظهور الدول الفاشلة ، والشعوب المهانة ، والاقتصاديات المعطلة ، وعدم المساواة والفقر المدقع ، والبيئات المدمرة ، ونهب الموارد ، والجغرافيا المتضاربة ، والتدخلات الأجنبية ، والتطرف الديني العنيف.
الشرق الأوسط هو المكان الذي تطورت فيه الحضارات القديمة و الديانات الرئيسية الثلاث ، وهذا جعلها ملتقى طرق أوروبا وإفريقيا وآسيا لعدة قرون خلت . كانت المنطقة ملتقى للناس والتجارة والأفكار . لقد كانت منطقة الشرق الأوسط موطنا للعديد من التطورات التقدمية مثل الاكتشافات العلمية ، مما أدى إلى نمو الحضارات الفارسية والعربية والعثمانية . وخلال العصر الذهبي للإسلام ، كان العلماء من جميع أنحاء العالم يجتمعون في بيت الحكمة في بغداد ، عاصمة الخلافة العباسية ، لتبادل المعرفة وترجمة العلوم المعروفة إلى العربية.
أثبت الشرق الأوسط الغني بالموارد أنه نقطة جذابة للقوى الخارجية وخاصة الأوروبيين والروس والأمريكيين ، وبشكل خاص منذ اكتشاف النفط في الخليج العربي في بداية القرن العشرين. وقد سيطرت أوروبا المستعمرة والإمبراطورية الروسية وأمريكا الرأسمالية على المنطقة في أوقات مختلفة وبدرجات متفاوتة من النجاح . وتركت هذه الممارسات الكراهية والعداء و الخصومات ، وهي تكرار للعبة الدولية الكبرى وكان لها تأثير كبير على المنطقة ، وفي أغلب الأحيان كان التأثير مدمراً على دول الشرق الأوسط وعلى السياسة وعلى الشعوب والبيئات والموارد والاقتصاديات . يشارك الحكام الاستبداديون في المنطقة في تدمير المنطقة وشعوبها، وهم في الغالب أتباع للقوى الأجنبية ، المسؤولية أساسا عن محنة شعوب الشرق الأوسط.
العثمانيون والمستعمرون الغربيون
اندلقت الموجة الأولى من الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط منذ قرن من الزمان بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية – وهي آخر قوة إسلامية عالمية – في الحرب العالمية الأولى من قبل القوى الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. ووصل حكم عربي جديد ضم السكان المهمشين والذين يشعرون بالظلم داخل الإمبراطورية العثمانية . وفي الوقت الذي أعلن فيه الأتراك العثمانيون بأنهم إخوة العرب في الاسلام ، إلا أن تفاعلهم مع العرب كان ضعيفا ، وكان الزواج بينهم نادر الحدوث إلا في الحالات التي كان الأتراك يبادرون فيها ويقبل العرب ذلك على مضض . كانت الإمبراطورية العثمانية دولة متعددة الأعراق تقوم على الولاء للسلالة الحاكمة وليس على أساس الهوية الوطنية المشتركة . وحتى قبل الانهيار العثماني ، بدأ العرب في تقديم أنفسهم كمجموعة قومية متميزة بدلاً من أن يكونوا رعايا للإمبراطورية العثمانية . وفي مصر ، قبل العرب اللغة التركية كلغة للحكومة المحلية والنخبة الحاكمة . لكن عندما نشأت الأفكار القومية للأتراك في السنوات الأخيرة من حياة الإمبراطورية العثمانية ، طوّر العرب تفكيرهم في الهوية الوطنية والاستقلال.
عمد العرب بدعم من بريطانيا إلى اعتناق القومية العربية و ثاروا ضد العثمانيين في خضم الحرب العالمية الأولى . لم يفكر أحد من العرب بالدفاع عن العثمانيين ضد القوات الأوروبية “الكافرة” – في نظر السلطنة- الذين زعموا في الوقت نفسه أنهم يدعمون الاستقلال العربي وجلب العدالة لأوطانهم . وفي عام 1914 ، أعلن العثمانيون الجهاد و الحرب المقدسة ضد بريطانيا وفرنسا ولكن المسلمين العرب الذين يتوقون إلى الاستقلال والحرية والتخلص من 400 عام من العبودية والذل ، لم يتأثروا بالنداء العثماني أبدا .
إلا أن الأوروبيين لم يفوا بوعودهم بل قاموا بإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بناءً على اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 والتي تنكرت لخطة الاستقلال العربي . وبدلاً من الحرية الموعودة ، استعمرت بريطانيا وفرنسا العرب وأساؤوا معاملتهم بأساليب أسوأ مما فعله أسلافهم العثمانيون . لقد تم إهانة المسلمين العرب من المستعمر الجديد وأصبحوا خاضعين للقوى الأوروبية الاستبدادية المحتلة . وتم تقسيم المنطقة إلى دول صغيرة ذات حدود غير طبيعية وجغرافيا وثقافات غير متجانسة. وقاموا بعزل الحكام من العائلات المقربة من العثمانيين في هذه الدويلات وقسموها إلى مجموعات عرقية وطوائف دينية ، واعادوا رسم خريطة الموارد الطبيعية مثل المجاري المائية المهمة وفق مصالحهم . وتم تفكيك النظام المحلي السائد وتدمير الاقتصاديات التقليدية و الثقافات ونهب الموارد ونشر الفساد السياسي.
ومع مرور الوقت ، أدت الحرب العالمية الثانية إلى انهيار النظام الاستعماري الأوروبي في الشرق الأوسط . لقد حوّل المستعمرون الأوروبيون مستعمراتهم إلى دول قومية مصطنعة ومتضاربة ومتضادة وغير منسجمة ليحكمها ديكتاتوريون محليون رعاهم الأوروبيون . واخترعوا التكوينات الحدودية الجديدة على شكل خطوط مستقيمة إلى حد كبير ليس لها أي أساس تاريخي أو حتى منطقا جغرافيا . لقد كان المنطق الوحيد يخدم مصالح المستعمرين السياسية و زرع بذور الصراعات المستقبلية وبالتالي الانقسام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والاختلاف في الحكم. كان مفهوم الدولة القومية الذي ساد في المنطقة العربية مفهومًا أوروبيًا بالكاد ينطبق على الأراضي العربية التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية. لقد حرصت المجموعات السياسية الأهلية أو الزعماء القبليون الذين أقاموا علاقات وثيقة مع الأوروبيين على التمسك بالسلطة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
هذا الانتقال من الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد والديكتاتورية من شأنه أن يخدم كلا من الحكام المحليين والقوى الأجنبية على حد سواء . لكن المقاربة الأوروبية لتشكيل دول جديدة ضَمَن للدول الاستعمارية أن تبقى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منطقة مضطربة تعج بالانقلابات و تمزقها النزاعات والاضرابات والصراع المسلح . إن المعارك التي تقوم بين الدول والأعراق والطوائف اليوم ما هي إلا نتاج مباشر لسياسة الفجوة التي زرعها المستعمر والحكام التابعين للقوى الأوروبية ، بالإضافة إلى استراتيجية بناء الأمة من أعلى إلى أسفل التي شلت حقوق المواطنة وتنمية المجتمع المدني.
ومع ذلك ، في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية أصبحت المنطقة لا يمكن السيطرة عليها بشكل متزايد بسبب القوى الاستعمارية الضعيفة . وانتشرت حركات التحرير في الجزائر ومصر وليبيا والصومال والسودان وإيران . وأصبحت العروبة قوة سياسية كبرى بلغت ذروتها في اتحاد مصر وسوريا تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة من 1958 إلى 1961. هذه العروبة المعادية للاستعمار ، إلى جانب الروح الثورية الناصرية والشعارات القومية البعثية ساهمت في مفاقمة أزمة السويس التي رمزت إلى نهاية دور بريطانيا كقوة عالمية عظمى .
الموجة الثانية من الجغرافيا السياسية بدأت في سياق الحرب الباردة التي ظهرت بعد تلك الفترة وتأجج التنافس على مناطق النفوذ بين الاتحاد السوفياتي وحلف الناتو . ومع انسحاب الأوروبيين تدريجياً من المنطقة ملأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي الفراغ الناجم عن هذا الانسحاب . لقد ظهر الصراع بين القوتين العظميتين الناشئتين من الكتلتين الرأسمالية والاشتراكية في إيران فور انتهاء الحرب العالمية الثانية . في عام 1945 ، وعندما انسحبت القوات البريطانية من البلاد ، كانت هناك علامات على أن موسكو لن تلتزم بالموعد النهائي في آذار 1946 لسحب قواتها من إيران أيضًا . امتثل السوفيت أخيرًا للانسحاب بعد إنذار أمريكي ومفاوضات مطولة مع الحكومة الإيرانية . وفي تجسيد مثير لمناورات الحرب الباردة ، نظمت الولايات المتحدة وبريطانيا في عام 1953 انقلابًا على رئيس الوزراء محمد مصدق كردّ فعل على تأميم حكومته لقطاع النفط الإيراني.
قسمت الحرب الباردة العرب في الخمسينيات والستينيات في العالم العربي بين الملكيات العربية الموالية للغرب مثل الأردن والسعودية والعراق ما قبل 1958 وإيران غير العربية والدول الاشتراكية العربية والإسلامية مثل مصر وسوريا والجزائر وليبيا وشمال اليمن والعراق ما بعد 1958. عندما قسمت الحرب الباردة الشرق الأوسط على طول خط الشرق والغرب ، كان النفط يبرز كأهم مورد عالمي للطاقة ، وأصبحت الاقتصادات المحلية تعتمد تدريجياً على تجارة النفط . كان التطور الإقليمي الأكثر أهمية هو خلق كيان إسرائيل في قلب الأمة العربية وحدوث أول حرب عربية إسرائيلية رئيسية . بعد ذلك تولت الولايات المتحدة حراسة النفط وإسرائيل والدول العربية الموالية لها وحمايتها ودعم الاتحاد السوفيتي القوى الشعبية والقومية في المنطقة . هكذا بدأت الجغرافيا السياسية المتمركزة في الشرق الأوسط.
في العالم ثنائي القطبية ، أصبحت تجارة النفط لعنة على شعوبها ، حيث أدى ذلك إلى انقسامات طبقية متطرفة بين أقلية غنية وأغلبية فقيرة ، وخُلقت طبقة متوسطة صغيرة ومتنامية ومحاصرة . كما أدى النفط إلى عمليات شراء معدات عسكرية كبيرة تدخل في اطار الترف كما حدث في ليبيا التي اشترت صفقة تضم مئة طائرة مقاتلة في حين أن ليبيا لا تمتلك طيارين لقيادة هذه الطائرات ، كما قاد النفط إلى عدم انتظام التحضر وانتشار النفايات البيئية ، وتزايد الديكتاتورية وانتشار الفساد السياسي والاقتصادي في الدول التابعة للقوى الدولية والضعيفة إلى حد كبير . أدت الحرب العربية الإسرائيلية إلى تفاقم التدخلات الخارجية والضائقات الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب والنزوح البشري.
في ظل هذه الظروف المحلية والاقليمية والدولية ، أخذ إعادة تأكيد العرب والإسلام لأنفسهم وهويتهم على شكل انقلابات قومية وشعبية وبنوا دولهم على أساس الصراع ضد إسرائيل. ومع ذلك ، فشلت هذه الحركات القومية والاسلامية في طرد القوى الإمبريالية أو تقليل نفوذها وفشلت في هزيمة إسرائيل أو الوفاء بوعد العدالة والحرية والاستقلال الذي سعت إليه الطبقات الوسطى والطبقة العاملة المتنامية يوما بعد يوم . ويوما بعد يوم أصبحت الهزائم العسكرية المتعاقبة وخسارة الأراضي العربية لصالح الكيان الصهيوني الغريب مصدرًا للإحباط والغضب والإهانة في الشارع العربي . و في مواجهة الهزيمة واليأس ظهرت ثقافة الإيذاء في العالم العربي وانتشر الاعتقال السياسي وسجون الرأي وتضخم الخطر الأصولي والتطرف إلى أن صار الأمر على ما نحن عليه . لقد كان التضخم السكاني والجهل والعشائرية والقبلية والهزائم أمام اسرائيل وضعف الخدمات والضغط الخارجي المولّد لعدم الاستقرار من الأسباب الخفية التي مهدت لظهور الفكر الأصولي المتطرف في المنطقة العربية يضاف إلى ذلك سعي الكيان الصهيوني الدؤوب لتفتيت الدول العربية والاسلامية كونها مصدر الخطر الوحيد لوجوده. وصار يلعب دور الذئب والحمل في الكثير من الساحات الدولية .
وقد ساهم الاستشراق في الأوساط السياسية الغربية والأوساط الأكاديمية والإعلامية في الإسهام في إذلال الأمة العربية مما أدى إلى تضخيم وتشويه الاختلافات بين الشعوب والثقافات العربية وثقافات الغرب . كان يُنظر إلى العرب والمسلمين على أنهم غريبي الأطوار ومتخلفين وغير متحضرين وخطرين في بعض الأحيان. ولسنوات عديدة كان تفكير العلماء الغربيين يهيمن عليه فكرة أن العرب ليسوا مؤهلين للديمقراطية ، بل إنهم بالفعل غير قادرين على العيش تحت الحكم الديمقراطي .وقد ساهم الربيع العربي خلال السنوات العشر الماضية في تأصيل الفكرة مرة بعد مرة حيث ساعد الغرب في اعادة انتاج الحكم بأساليب مختلفة في العديد من الدول العربية والاسلامية . وذهبت العنصرية الصهيونية والغربية والقوالب النمطية إلى حد الادعاء بوجود “عقل عربي” مصمم على رفض الآخر والتطرف والأصولية والإرهاب.
وقد ساهمت شيطنة الثقافة في اكمال الهيمنة الاقتصادية الغربية والإذلال السياسي القاتل على كامل الأرض العربية من ديمقراطيات غريبة وبرلمانات زائفة وتشريع صوري وفي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تسيطر على موارد النفط العربية ، على سبيل المثال ، كانت فرنسا تقتل مليون جزائري. المشهد العربي لوحة فنية فريدة من مسرح العبث .
والأسوأ من ذلك كله أن العرب والمسلمين تعرضوا للإهانة من قبل حكامهم الفاسدين أو غير الأكفاء أو الجاهلين أو الدكتاتوريين أو الشعوبيين على حد سواء . وهذا ما جعل هؤلاء الحكام الذين رعاهم الكثير من القوى الخارجية وأجهزة المخابرات ذات المصالح يحولون الدولة الوطنية إلى ممتلكاتهم الخاصة وكيّفوا حكمهم ليصير مدى الحياة وقصروا الوصول إلى مرتبة النخبة السياسية والاقتصادية لعائلاتهم وأقربائهم وحلفائهم وبعض القادة من العسكريين . ثم خلقوا اقتصادات معلولة متخلفة تحويلية النزعة وسوء إدارة البلاد من نواح اقتصادية وسياسية واجتماعية وتعليمية ومعرفية واختلسوا الميزانيات العامة والثروة القومية لبلادهم . والأدهى من ذلك ، نما الفساد السياسي والاداري والاقتصادي وترعرع في الكثير من الدول العربية والاسلامية ليطال السطات التشريعية ويصدر قوانين مغلوطة وناقصة ومشوهة تراعي مصالح الفاسدين وتحافظ على استمرارهم مدى الحياة وأسس الفساد لنفسه في هذه الدول مذهبا جديدا يقوم على أساس أن تقوم الدولة ذاتها برشوة نفسها لاستصدار قوانين تخدم مصالح معينة .
وقد دمر حكام العالم العربي والإسلامي كل المعارضة الوطنية والإصلاحية والاشتراكية والليبرالية والدينية التي تعارضها الرأي بدعم من الغرب والقوى الأجنبية الأخرى. لقد جلبت القوى الأجنبية الحكام العرب إلى الواجهة السياسية وزودتهم بالمستشارين الاقتصاديين والسياسيين والاجتماعيين وقدمت الشركات الأجنبية لهم ما تمتلك من خبرات ومساعي وعون . لقد قام الشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا بضرب الحركات الوطنية والقومية واليسارية في إيران. وخلقت هزيمة حزيران 1967 شعورا بالذل وموت القومية العربية وقام العديد من الحكام العرب بتنفيذ أجندات أجنبية وخارجية في دولها المنتشرة من المحيط إلى الخليج . لقد حوّل الربيع العربي فكرة القومية العربية والالتزام الديني إلى لعنة في ذات الوقت .
إلا أن الحركات الإسلامية نجت بأعجوبة من تدمير حكومات الشرق الأوسط وحلفائهم فالإخوان المسلمون في سورية ومصر تبنتهم بريطانيا والولايات المتحدة واستعملتهم في حربها مع السوفييت في أفغانستان . وفي سوريا ، حاول الاخوان تدمير الدولة السورية في الثمانينات بدعم غربي مطلق جلي وواضح للعيان وتم إعاقة خطوات الرئيس حافظ الأسد الذي سعى إلى إقامة دولة علمانية اشتراكية وديمقراطية كما ذبح الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين عدة مئات من الضباط السوريين بالقرب من حلب في مدرسة المدفعية . عندما بدأت الشقوق تظهر وتتطور في أنظمة الحكم في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، كان الإسلاميون وحدهم هم الذين يستطيعون الظهور بسرعة وتولي القيادة فعمدوا إلى بدء حرب شعواء على الحكومات القائمة كما حدث في سورية ومصر والجزائر . ونما التطرف لدى هذه الجماعات الاسلامية ومهدت الطريق للموجة الثالثة من الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.
الملاذ الديني:
فشلت القومية العربية والروابط الاسلامية وفشلت الأيديولوجيات السوفيتية وفشلت الحكومات المحلية في إحداث الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية فوجد الشباب العربي والاسلامي نفسه تائها في فراغ مادي وقيمي فانتشر التطرف الاسلامي في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي لكن بشكل غير متساو. وفي الدول التي كانت تقوم على تراث ثقافي سابق للحضارة الاسلامية كما هو الحال في ايران وتركيا وسوريا والعراق ولبنان ومصر تم احتواء معظم حالات التطرف الإسلامي إلى حد بعيد نظرا لسعي السكان للعودة إلى جذورهم وأمجادهم السابقة . ولم يتحقق ذلك بسهولة في الدول التي تفتقر إلى التنوع والغنى الحضاري . ومن هنا يمكن أن نستخلص تعريفا مبدئيا للأصولية الإسلامية بأنها العودة إلى العصر الذهبي للإسلام عندما كانت معظم مناطق العالم الأخرى تغط في نوم عميق.
خلال العصر الاسلامي الذهبي ، كان هناك حكم الخلافة الذي يتمتع بتفوق سياسي وحقق تقدمًا مهمًا في العلوم والطب والفلسفة . تسعى الجماعات الجهادية المتطرفة إلى إقامة دولة إسلامية موحدة واستعادة أمجاد الخلافة الإسلامية . وتعتبر هذه الجماعات القوى الغربية والحكومات العربية والاسلامية عقبات أمام تحقيق هذا الهدف وهي على استعداد دائم لاستخدام العنف ضد هذه القوى . في ظل بيئة سياسية خانقة ، وشعورهم أن الغرب والحكومات المحلية مصدر للشر من الناحية الثقافية ، أدى سعي هذه المجموعات للعودة إلى أمجاد الماضي للإسلام إلى خلق سياسة رد فعل وتطرف في التفكير . استهدفت الجماعات الجهادية في المقام الأول السلطات المحلية ومؤسساتها المحلية والبلدية وكأنها تريد أن تمحو ذاكرة الشعوب ومستنداتها وبدأت بتدمير البشر والحجر على اعتقاد أن هذه الحكومات هي مصدر إذلالهم وفقرهم المادي والعقلي .
تأخذ الدولة الاسلامية في العراق والشام وحيها وإلهامها من الدين وتحاول تأسيس أيديولوجية تعتمد على مبادئ مستمدة من السلفية الإسلامية والفكر الوهابي . كان محمد بن عبد الوهاب باحثا اسلاميا في مدرسة أحمد بن حنبل الإسلامية المحافظة . كانت هذه المدرسة تؤمن فقط بالقرآن والسنة مصدرا وحيدا للتشريع الإسلامي وتنفي الاجتهاد والتفسير والاستحسان والاستصحاب و الاجماع والقياس وكانت هذه المدرسة على عكس المدارس الأخرى التي تقبل التفكير العلمي والفردية والتفكير المنطقي والعقلي . تبرر الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش) سلوكها العنيف بأنها تقوم على أساس النصوص الدينية الحرفية الضيقة ولكن في حقيقة الأمر كان الدافع الأساسي للعنف الشديد الذي تمارسه هو نشر الخوف والرهبة في صفوف أعدائها الأمر الذي يسهل عليها السيطرة على الأرض والتوسع السريع والسيطرة على الموارد وعقول البشر من دون مناقشة وفرض ما تريده من أيديولوجية دينية متزمتة . لقد اختارت الدولة الاسلامية في العراق والشام عاصمتها في الرقة السورية التي تقع في قلب منطقة الهلال الخصيب الغنية بالموارد الزراعية والنفطية والمياه واختارت منطقة يمر فيها العديد من الأنهار الرئيسية والفرعية في سورية والعراق. وكانت تستخدم الدين لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية وتحاول استعادة ماضي مثالي مرسوم في العقول والكتب وبعيد كل البعد عن الواقع المعاش .
ليس هناك حل عسكري دائم للصراع مع الفكر الاسلامي المتطرف فالنصر اليوم قد يتحول في أية لحظة إلى هزيمة منكرة . الدولة الاسلامية في العراق والشام حركة سياسية ذات لبوس ديني هدفه إزالة الذل الذي يعاني منه المسلمون والعرب منذ فترة طويلة على يد الاستعمار البغيض لسنوات عديدة ( عثماني – غربي ) يضاف إلى ذلك استمرار التخلف الاجتماعي والاقتصادي والعلمي وعدم تحقيق الرضا في ظل حكومات عربية واسلامية مرتبطة بالقوى الدولية . تعتمد الدولة الإسلامية على الإيديولوجية الدينية والتوهج الديني العاطفي والحنين إلى الماضي المجيد وإزالة التخلف الاجتماعي عميق الجذور والكفاية الدينية والغضب من انتهاك القيم المقدسة والقيم الأخلاقية في الحياة العربية والاسلامية المعاصرة . وطالما أن أسباب وجود الفكر المتطرف موجودة في كل مكان في العالم العربي والإسلامي فإن الجماعات المتطرفة مثل القاعدة والدولة الاسلامية في العراق والشام سوف تتغذى عليها وتنتعش . يقال أن الولايات المتحدة قتلت الشيخ أسامة بن لادن ولكنها لم تستطع قتل فكر أسامة بن لادن . ولم تستطع حرب الولايات المتحدة الطويلة مع القاعدة أن تمنع ظهور الدولة الاسلامية في العراق والشام كفرع متطرف للقاعدة. الفكر المتطرف مثل العنقاء السورية يولد من الرماد ولا يمكن ايقاف الفكر المتطرف إلا بفكر أقوى منه.
يحاول الكيان الصهيوني التغلغل في المنطقة مستغلا كل تشقق موجود في جسم المنطقة العربية . ويحاول الدخول بشكل غير مباشر في مشاريع المنطقة تحت ستار شركات أجنبية واستثمارات ومشاريع إعادة الإعمار ومشاريع التطوير التقني والعقاري في المنطقة . المراقب للساحة السياسية العربية يجد النشاطات الإسرائيلية منتشرة في جنوب السودان وموريتانيا والصومال وشمال العراق وفي الكثير من المناطق التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة على الساحة السورية . كما يجد الدفق والحماس الإسرائيلي للمشاركة في المعارض والنشاطات الاقتصادية والسياحية على كامل جغرافية الشرق الأوسط . وقد استفادت إسرائيل من التطرف الإسلامي في المنطقة وجعلته أكثر تعقيدا بسبب عوامل متعددة أخرى ودخلت معه في شراكة مستغلة رغبة المجموعات المتطرفة قلب أنظمة الحكم في المنطقة حتى لو تعاونت مع الشيطان .لدى اسرائيل رغبة دفينة في تفتيت المنطقة إلى دويلات صغيرة متناحرة تقوم على أساس ديني مختلف يقود إلى تناحر طويل( انظر مخططات إسرائيل في القرن العشرين ، ترجمة محمد عبد الكريم يوسف 1998) ، وكانت هذه الفرصة سانحة لتحقيق غايتها وهذا يفسر اهتمام اسرائيل في الاعتراف بالدولة الكردية في شمال العراق واهتمامها في دعم المجموعات المسلحة في الجزيرة السورية و الشريط الحدودي المحاذي للجولان السوري المحتل . ومع انتشار التطرف والإرهاب والقتل والسلاح يظهر جليا الموجة الثالثة من الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط . وفي حال لم تستطع حكومات المنطقة العربية الاسراع والمبادرة إلى طرح مشروع فكري نهضوي شامل في المنطقة العربية يبدد حلم أصحاب الدولة الاسلامية في العراق والشام في إقامة دولتهم الموعودة فإن داعش والمجموعات المسلحة الأخرى التي تشاطرها الرأي والرؤية سوف تستغل تراجع الاهتمام الأمريكي والروسي المستقبلي في المنطقة لتعود من جديد وبأشكال وهيئات مختلفة . يعود تراجع الولايات المتحدة بالاهتمام بالشرق الأوسط لأسباب ذاتية موضوعية واقتصادية . إن الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط المحلي الصخري للولايات المحتدة وغيره من الوسائل التكنولوجية يجعل الولايات المتحدة أقل اعتمادا على نفط الشرق الأوسط . لقد كانت الولايات المتحدة لعقود طويلة من الزمن تبرر وجودها العسكري في الشرق الأوسط بسبب النفط الذي يشكل مصلحة قومية ووطنية. إن تجارب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق ولبنان وليبيا تجعلها مترددة في المشاركة المباشرة في حروب المنطقة وصراعاتها . وعوضا عن ذلك تختار عددا من المجموعات المسلحة وتدعمها سرا وعلانية مثل الأكراد وداعش والجيش الحر. وأحيانا تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيرة والغارات الجوية والضربات الصاروخية في هجمات منفردة كما يحدث في العراق وسورية واليمن وأفغانستان وتلجأ أحيانا إلى تسليح دول المنطقة لموازنة قوة ضد قوة أخرى . كما تضع الولايات المتحدة عينا على ما تسمية محور أسيا لأنها ترى فيها فرصا محتملة لصفقات تجارية وعسكرية ضخمة .
ولا يستطيع كل من روسيا والصين والاتحاد الأوروبي أو حتى الأمم المتحدة سد الفجوة التي يتركها تراجع النفوذ الأمريكي من المنطقة . لماذا؟ الجواب سهل. لأن الولايات المتحدة تمتلك أوراق السلام والحرب في المنطقة . ولا يوجد من يمتلك ذلك الكم الكبير من الحلفاء القادرين على التأثير على صناعة القرار في المنطقة مثل الولايات المتحدة . ويمكن أن نذكر حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لندرك حجم التغلغل الأمريكي في المنطقة مثل إسرائيل ودول الخليج العربي ومصر وقبرص وتركيا والمد الكردي وبعض القوى اللبنانية والمجموعات المسلحة والسفسطة السياسية كأن تكون حليف وخصم في ذات الوقت ( داعش وجبهة النصرة …الخ). وفي الجانب الأخر، لا يوجد قوة دولية أخرى في المنطقة تمتلك حجم الحلفاء للولايات المتحدة فالصين أو روسيا أو الاتحاد الأوروبي لا يلاقون في دول المنطقة نفس الترحيب الذي تلاقيه الولايات المتحدة .
الحقيقة المرة هو أنه لا يوجد من يعترف صراحة بأسباب التطرف الديني في المنطقة. تحاول القوى الدولية تسويق ما تستطيع من سلاح وتشتري دول المنطقة الأسلحة الأمريكية بملايين الدولارات وتتسلح بسبب خوفها من بعضها لا من اسرائيل. ويتجاهل معظم القادة في المنطقة حقيقة أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي أحدثت الفجوة الرقمية الكبيرة بينها وبين 40 % من دول العالم وتضع الخطط وتجتهد لتنفيذها ليل نهار. ولا ننسى ما قالة وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر في حديث مع نيويوركر في أمسية من أماسي 2011 وهي موثقة (وكنت قد ترجمتها للعربية كاملة في ذلك الوقت ) قال كيسنجر يومها : “ليس أمام الولايات المتحدة إلا أن تركب موجة الربيع العربي وتوجهها وفق مصالحها . وليس أمام غلماننا إلا أن يتدربوا على الأعمال الحربية في ألعاب الكومبيوتر ليوم ليس بعيد. سيقوم أصحاب الذقون بقلب أنظمة الحكم ونظرا لأنهم لا يمتلكون مقومات تأسيس الدول ستنتشر دويلاتهم في مدن منفصلة متناحرة وما على غلماننا واسرائيل إلا اجتياح المنطقة بأكملها والاستحواذ على خيراتها بين ليلة وضحاها ولن تدرك روسيا والصين ما حدث إلا بعد انتهاء كل شيء.” وتابع قائلا بسخرية كبيرة : “أيستطيع أصحاب الذقون والرؤوس الجوفاء تأسيس الدول! “.
هناك عامل معقد آخر يتمثل في الظهور المحتمل لصراع ثلاثي على المنطقة حيث يسعى الإيرانيون والأتراك والعرب إلى إحياء أمجاد الماضي . يلجأ الإيرانيون بشكل متزايد إلى نشر الثقافة الإيرانية ، ويسعى الأتراك إلى العثمانية الجنونية والزعامة على قسم كبير من العرب ، ويحاول العرب ( الأصوليون ) العودة للخلافة الإسلامية. قبل الانتفاضات العربية في عام 2011 ، كانت إيران والمملكة العربية السعودية منخرطتان بالفعل في حرب إقليمية باردة جديدة وقد انحاز للسعوديين كل من مصر والأردن ودول الخليج العربي . و تدهورت العلاقات السعودية الإيرانية إلى حروب بالوكالة وسط أزمات سياسية متطورة في البحرين وسوريا والعراق واليمن في مرحلة متقدمة من الصراع .
تدخلت تركيا بشكل صارخ ضد الحكومة الشرعية في دمشق ودعمت عددا من المجموعات المسلحة بطريقة تذكرنا بمحاولة التدخل التركي في سوريا أيام حلف بغداد . ولا تخفي تركيا مطامعها في ضم أراض سورية إليها وتحاول تزعم فريق من العرب المسلمين الذين يدينون لها بالولاء كما تتنافس مع السعودية وإيران على زعامة العالم الإسلامي . وقد بلغ التناقض بين تركيا والسعودية وإيران ذروته على الأرض السورية فتركيا لا تريد السعودية أو ايران والسعودية لا تريد تركيا ، وإيران لا تريد تركيا أو السعودية . الحرب على سورية نموذج للحروب بالوكالة البشعة . اللاعبون الرئيسيون يجتمعون على الطاولة في الفنادق الفارهة والمنتجعات أما الوكلاء المحاربون على الأرض فتقتات عليهم مطحنة الموت الرهيبة . وفي خضم هذه الفوضى العارمة وجد القوميون الأكراد الفرصة سانحة لتحقيق الاستقلال. وحيث أن الأكراد على خلاف مع تركيا فقد استعانوا بالولايات المتحدة التي تتنافس مع روسيا على المنطقة ووجدت إسرائيل الفرصة سانحة للتدخل في الشأن الكردي والسوري فهي حليف لأمريكا وتركيا وعدو لإيران وحكومة دمشق . واجتمع على الأرض السورية تناقضات الكون وتحالفاته في حرب ليس لها مثيل. وفي حال لم تسعى الحكومات المحلية لرأب الصدع الذي أحدثه هذا الصراع المعقد سنكون أمام فرصة مستقبلية سانحة لتأجيج الفتنة بين المسلمين المتطرفين والمعتدلين .
مع استمرار النزاعات القديمة وتمددها وظهور نزاعات جديدة يأخذ الصراع أبعادا جديدة مثيرة للقلق . ستزداد الاضطرابات والصراع الداخلي بين الجيل الأصغر سناً من الطبقة الوسطى المتعلمة ضد حكومات دول الشرق الأوسط ، وستصبح العلاقات بين الفقراء والأغنياء أكثر عدوانية كما تنبأ كيسنجر في عام 2011 حين قال : “وسيجد من يبقى حيا نفسه مضطرا لنقل أكياس الرمل إلى سطح منزله ويختار قناصة مناسبة للدفاع عن نفسه في وجه الآخرين الجائعين وستتلاشى القوى العلمانية والدينية المعتدلة .” عندها تبدأ حكومات الدول المحلية بالفشل في إدارة أزماتها المستعصية وسوف تستدعي الأنظمة القوى الأجنبية إلى الإنقاذ والمساعدة في ضبط الأمن وإدارة الاقتصاد ، وهي خطوة من شأنها أن تزيد من تعقيد السياسة الداخلية في المنطقة . إن حقبة جديدة من التدخل الأجنبي تلوح في الأفق تنطوي على خطر زعزعة الاستقرار بشكل أكبر وأكثر خطورة .
رؤية مستقبلية
لا نريد أن نرسم صورة قاتمة للجغرافية السياسية الجديدة في الشرق الأوسط . لكن الحقيقة القاسية علينا جميعا هي أن المرحلة القادمة في المدى المنظور في الشرق الأوسط تتميز بانتشار الدول الفاشلة والفوضى السياسية والتطرف الديني والصراعات والتنافس الأجنبي والتدخل العسكري ودمار المدن والأخلاق الملتوية وسوء البيئة الاقتصادية والعلمية والسياسية وانتشار الأوبئة و ثقافة السلب والنهب والهجرات الكثيرة المتعاقبة أمام الصورة السوداء وحالة القنوط واليأس والتحلل الأخلاقي والتفكك الاجتماعي وسيادة إسرائيل الاقتصادية على كامل دول المنطقة . تلك هي حال الشرق الأوسط المؤلمة .
قد تتغير هذه الصورة التراجيدية ويجب أن تتغير . وعلينا أن نفهم أسباب كارثة الشرق الأوسط وعلينا أن نسعى لمعالجتها . تتحمل الحكومات المحلية والقوى الأجنبية ووكلائها مسؤولية ما يحدث . لقد عملوا جميعا لفترة ليست بالقليلة على تعزيز ثقافة الخوف والشك والريبة والتطرف وعدم التسامح ولا يمكن بناء الفكر القوي الذي يتخلى عن التطرف إلا بدوافع قوية لإصلاح سياسي واقتصادي وفكري وديني يخلق الأمل لدى الأجيال الشابة الجديدة . وعلى المستوى العالمي يجب على الأمم المتحدة أن تساعد في انهاء حالة الحكومات الاستبدادية والفساد والاحتكار ونشر مفاهيم الشفافية والحرية وإزالة الاحتلال ودعم برامج التعليم الأكاديمي وتقديم الفرص ومنع القوى الدولية وأجهزة مخابراتها من التدخل السافر في شؤون الشرق الأوسط وتقديم الدعم اللوجستي الذي يمكن دول المنطقة من النهوض .
يجب الامتناع عن ممارسة الدبلوماسية المنحرفة والوعود الكاذبة . لابد من مشروع دولي كبير يعزز القيم الفكرية للمنطقة ويحفظ كرامتها ويخلق المشاريع الصناعية الانتاجية يشبه إلى حد بعيد مشروع مارشال لإعادة إعمار منطقة الشرق الأوسط خلال مدة محددة يراعي الحاجات المستدامة لسكان الشرق الأوسط بدءا من إعادة زراعة الغابات ووقف زحف التصحر والتغير المناخي وانتهاء بالإصلاح السياسي والاقتصادي والتربوي .
وعلى المستوى الإقليمي ، يجب أن يكون هناك محاولات ملموسة لإصلاح الأنظمة الفاشلة أو إجبارها على التكيف مع الأوضاع الجديدة وتلبية متطلبات الشباب والبدء بالإصلاح ودعم المشاريع المستدامة والتنموية في بلادها . لقد فشل الربيع العربي والحركة الخضراء والثورات البرتقالية لأنها صارت في لحظة من لحظات نشوئها مطية للقوى الغربية وانحرفت عن مسارها وصارت ألعوبة بيد القوى الدولية . الحركات الإصلاحية والثورية لا تقوم على الدم والقتل والإبادة والطائفية ومسح الفكر الآخر المعادي لها . الحركات الإصلاحية تحترم القانون ومؤسسات الدولة وتعتمد الفكر التعاوني الحر وتقدس السيادة الوطنية والحقوق المشروعة .
على المستوى الوطني ، يجب إجراء إصلاحات متعددة من القمة إلى القاعدة وتأمينها بمشاركة الشعب في الأسفل . وينبغي أن تشمل هذه الإصلاحات إضفاء الطابع الديمقراطي على السياسة المحلية والبلدية وتنمية الاقتصاد و توزيع الدخل العادل وتخفيف حدة الفقر والقضاء على القيود الاجتماعية القمعية على الشباب واحترام حقوق النساء وحماية الأقليات الدينية والعرقية . وبدون هذه الخطوات الشجاعة فإن المستقبل قاتم لشعوب الشرق الأوسط.
تتحمل السلطات على الصعد الدولية والإقليمية والوطنية مسؤولية إحداث تغييرات إيجابية كبيرة في الظروف الموضوعية (الاقتصادية والسياسية) للشعوب الإسلامية والعربية ، يجب على المجتمعات العلمية والصحافية والاعلامية أيضًا أن تساعد في تغيير شخصيتها وهويتها و ثقافتها و الظروف التي شيطنتها للغاية وتضررت من قبل الاستشراق والروح العنصرية . يجب إلغاء الأيديولوجيات الدينية الرهيبة والتقليل من سطوة المذاهب والتخلص من مدافع الفقهاء وآرائهم وفتاويهم إذا أراد المسلمون والعرب استعادة كرامتهم . إن الفشل في إعادة الكرامة إلى هذه المجتمعات لن يقود هناك إلى طريق للتقدم نحو شرق أوسط أفضل.

المراجع
الأسد والصراع على الشرق الأوسط ، باتريك سيل
الصراع على سورية ، بول فان ديم
لعبة الأمم ، مايلز كوبلاند
سورية من صراع الوجود إلى صراع الحدود ، محمد عبد الكريم يوسف، الصدى ، الولايات المتحدة .
تاريخ التدخل الأجنبي في سورية ، محمد عبد الكريم يوسف ، مجلة هاربر ، الولايات المتحدة.

لا تعليقات

اترك رد