رمضانيات ج1 تعالوا نكرّم الله ونحتفل به!


 

ليس بمقدور الإنسان تكريم الأشياء الوضيعة والإحتفاء بها، ليس بمقدوره الشعور بالإحترام والفخر إزاء الأشخاص الذين يمنحون الحياة (الدنيئة) بريقها ولمعانها، وذلك ليس لأنهم شاذون حسب ، بل بسبب طبيعة الوظيفة الإدراكية للإنسان وتفاعلات الدماغ والجهاز العصبي، لان آلية الادراك لدى الإنسان مبنية على أسس تلقينية، خلافاً للأجهزة العضوية، على سبيل المثال ليس بمقدورنا إقناع الجسم أن يعمل بالماء بديلاً عن الدم، وليس بمقدورنا إقناع الكلى أن تعمل بالبنزين بدل الماء، وهكذا لا يمكن إقناع المعدة أن تؤدي وظائفها بالبلاستيك أو المطاط بدل الطعام، لأنها مكائن عضوية، لكن من السهل اقناع الدماغ بأن لحم الضفادع أطيب من لحم الضان، أو أن السحالي لا تدعو للإشمئزاز أو العكس.

إذا استطعنا فهم الفارق الوظيفي بين العملية الإدراكية والوظائف العضوية للجسم، سيكون بمقدورنا أن نفهم صعوبة أن يكون التفاعل طبيعياً إيجابياً بين المتديّن (الأخروي) والحياة.

المتديّن يعتقد بأن الحياة دنيا، وضيعة، خادعة، لا ينبغي الوقوع في شراكها، بينما نعتقد نحن “المؤمنون” بالله والجمال والخير، أن الحياة هي الإنعكاس الحسي لعظمة هذا الوجود وقوته، وأنها الأثر الفيزيائي للذات الإلهية المطلقة.
الحياة أقدس شئ (مادي) ندركه ونتفاعل معه، وعن طريق هذه الحياة نختبر عظمة قوة الغيب الكاملة التي نعبر عنها ب(الله).

هذه المقاربة ليست دراسة علمية تعتمد آليات البحث العلمي الرتيبة، ولا هي تهويمات صوفية تحاكي القلب وتحيّد العقل، إنها هي تفكير بصوت مرتفع يتشارك فيها سؤال العقل مع تهويمات الروح والقلب، وهي محاولة حرة لشق طريق (مباشر) بين حاجات الروح من جهة واشتراطات العقل والعلم من جهة أخرى، لا يراد لها أن تكون عقيدة ضد العقائد، أو دينا ضد الأديان.

ببساطة إنها مقاربة تشجع المديّن على البحث عن الإيمان في زحام المعتقدات والأحكام الشرعية والطقوس الدينية المرهقة، تشجعه على الإقتراب من (الله) الجمالي في زحمة الإستغراق في (الله) الطقوسي، تدعوه للخشوع في حضرة الله الخالق العظيم والمبدع الجليل في ثنايا الضياع بين آراء الفقهاء وإجتهادات الكهنة وحراس العقيدة، إنها دعوة لنزع بنادق (الله) الخائف المهزوم والإنضمام الى حفل تكريم (الله) الفنان المبدع الكامل المنزّه العزيز.

إن شهر رمضان فرصة مناسبة جداً للتواصل الروحي مع الله، فرصة للتخلي عن الغضب العقائدي والهدوء والطمأنينة في محراب الإيمان الروحي المضيء.

وهذه المقاربة دعوة للخروج من ظلمات الخوف والقلق والغضب والكراهية الى نور الإيمان والسلام والطمأنينة.

تأملوا الآية المباركة {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:30) كيف توجه الدعوة للنفس (المطمئنة) بالرجوع الى الله، لأن النفوس الغاضبة الحاقدة العنيفة العدوانية مكانها في خنادق الموت والرذيلة والعنصرية وليس في حضرة النور الإلهي.

إن الدعوة للتواصل مع الحياة وحب (الدنيا) ليست دعوة للتحلل والفساد والتفكك الإجتماعي كما يصورها عادة جنود (العقيدة) الغاضبون، بل على العكس تماماً، هي دعوة للتفاعل الخيّر المبارك مع جماليات هذا الوجود، والإعتراف الكامل بإبداع خالق الكون وجاعل الخير سبحانه وتعالى.

إنها دعوة للفضائل، للمحبة، للبناء، للتعاون، للصلاة، نعم للصلاة في حضرة الجمال وخالق الجمال.

تعالوا نحتفل معاً
تعالوا نشكر الله الجميل معاً
تعالوا نرقص، نسمع الموسيقى، نبتسم، نفرح، نتضامن، نتعاون، نحترم بعضنا، نزرع الأشجار، نرعى الحيوانات، نعمّر الأرض، ننشر السلام والخير بين البشر.

لا تعليقات

اترك رد