أوراق منثورة على دفاتر التاريخ والأيام: تاريخ على مذبح الأطماع والشهوات

 
المسلمون على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وتحزّباتهم وقبائلهم عشائرهم، مختلفون متعاركون متصادمون حول كثير من قضايا التاريخ
لوحة للفنان جاسم محمد

الورقة الأولى: خلافات التاريخ.. غواية وإثارة..
المسلمون على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وتحزّباتهم وقبائلهم عشائرهم، مختلفون متعاركون متصادمون حول كثير من قضايا التاريخ وسجلاته ووقائعه وتعقيداته الكثيرة المثيرة… مع أنهم جميعاً بنتمون له، بما فيه، بحلوه وبَجَره.. كلٌ بحسب مصالحه ومنافعه ومكتسبات نخبه ورموزه وعلمائه ومرجعياته التي يدور حولها، لا علماً في أحايين كثيرة، بل تقليداً واتباعاً وإمّعية وخضوعاً وحاجة..
وتأتي على رأس تلك الإشكاليات والخلافات الكبرى التي لم تحسم إلى اليوم، ولن تحسم ربما أبداً بسبب ارتباط وبقاء مصالح القوم في بقائها، تأتي قضية الخلافة والإمامة، التي باتت تسمى لاحقاً على امتداد حركة التاريخ، بقضية الحكم والسلطة..
أقول:
إذا كان الخليفة أبو بكر والخليفة عمر والإمام علي (وهم لم يتحدثوا لا عن خلافات جوهرية ولا عن منازعات حزبوية)، كانوا في السابق (سابق التاريخ الإسلامي، في بواكيره الأولى).. أقول: إذا كانوا اجتمعوا وتجالسوا مع بعضهم، وأكلوا وشربوا مع بعض، وصاموا وصلوا خلف بعضهم البعض، وطبّقوا “أركان” وتعاليم الإسلام مع بعضهم، ووقفوا بجوار بعض، وساندوا بعضهم بعضاً.. وتحادثوا وتناقشوا فيما بينهم، وإذا كان “الإمام علي” (المختلف عليه وفيه) نفسه وبذاته صرّح على الملأ أنه “لأسلّمن (أو لأسالمن) ما سلمت أمور المسلمين”، وإذا كان قد عليٌ وضع نفسه “جندياً” في جيش الخليفة الثاني: “عمر بن الخطاب”، وإذا كان الإمام علي زوجّه (أو كما قيل: اعتذر بأدب دون خلاف أو مواجهات) من إحدى بناته، وإذا وإذا… إلخ.. فلماذا اليوم يحمل الناس سيوفهم ضد بعضهم بعضاً، ولماذا يتحاربون ويتصارعون ويتفننون في قتل بعضهم بعضاً، تارة باسم علي، وتارة باسم عمر، وثالثة باسم أبي بكر؟ هل كان الإمام علي على خطأ (وهو المعصوم في نظر شيعته وأتباعه وكثير من محبيه ومشايعيه) عندما رفض وبشدة تفريق صفوف المسلمين كرمى لعيون مصالح الدنيا ونزاعات السياسة، وأهواء الرئاسة، ومطامع الخلافة والبيعة والملك العضوض..وووإلخ؟!!.. فلماذا إذاً نكون ملكيين أكثر من الملك ذاته، ونحمل السلالم بالعرض، ونثير أجواء الفتن؟!..
نعم، وقف عليٌ مع الخلفاء، وسالمهم، ومدّ يد العون لهم، ونصحهم وانتصحوا بآرائه وأفكاره، وحلوله ومعالجاته لكثير من القضايا المثارة في عصره، بل ودافع عن خياراتهم وخلافتهم كما تروي كثير من سير وروايات وأحداث ووقائع التاريخ؟!!.. إذا كان الأمر على هذا النحو: فلماذا نفرق في الإسلام بين ما هو شيعي أو سني أو غير ذلك؟!!… ولماذا تطغى الانتماءات الشخصية الضيقة على الانتماء العام الأشمل والأوضح؟.. في الواقع إنها فقط، خلافات السياسة، وصراعات الحكم والحكام عبر التاريخ العربي الإسلامي الذين اتبعوا سياسة “سياسة فرق تسد”.. مما أسهم وبقة في بقاء هذه الأمة (أو ما تبقى منها!!) تعيش حياة الذل والهوان، وترْضى بالزّور والقهْر والبهْتان، ولا تنجح إلا في محاربةِ بعضها بعضاً، من خلالِ محاربة أهل العلم والعقل والفكر..!!؟؟..

الورقة الثانية: العدل والحرية كقيم كونية ثابتة
الإمام الحسين بن علي(ع)، مثالُ ونموذج تاريخي فذ للفداء والبطولة، والتضحية في سبيل إعلاء قيم الحق والعدل ونصرة الغايات الإنسانية الكبرى، ورفض هيمنة الظلم وانتهاك الحرمات البشرية… فمن أراد أن يكون حسينياً، عليه أن يقف مع العدل والإنسانية، كما وقف الحسين، وينتصر لقيم الحق والحرية كما انتصر لها، في كل زمان ومكان.. فالعدل باق، وتضحياته باقية معه، في مسيرة التاريخ كله.

الورقة الثالثة: الأديان ووهم التخدير
هناك أناس (ولا نقصد أحداً بعينه) معقّدون من الأديان (التي لا ننكر ما مارسه أتباعها من أعمال قهر وظلم وقتل وتصفيات واستئصال للآخر)، وهم يعيشون حالة فوبيا مرضية من الدين والتدين، والطقوس الدينية (إسلامية منها بالذات)، مع أنه يوجد أمامهم نماذج واضحة وواقعية وحاضرة، لأيديولوجيات خلاصية اصطفائية وضعية، اخترعها البشر، على مرّ التاريخ أدمنت العنف والقتل، ورفعته شعاراً باسم أفكار كاذبة، كالعنصرية والنازية والشيوعية وغيرها، كلّفت البشرية عشرات ملايين الضحايا الأبرياء، وربما مئات الملايين، فقط لتأبيد وتخليد مناهج وأفكار ونظريات، ثبت فشلها وعقمها وتكاليفها الباهظة على الإنسانية جمعاء. لأنها على تضاد ونقيض مع أصل الحياة والإنسانية القائمة على التعدد والتنوع والحرية والتوازن الذي هو أساس الوجود والحياة، ولولاه لانعدمت الحياة على الأرض بالمعنى الفيزيائي والعضوي.. وحتى في الحياة الاجتماعية والسياسية للإنسان لا معنى ولا قيمة لحياة الناس بلا توازن وانسجام ذاتي، يعيد الأمور إلى نصابها، فكراً وعملاً..

الورقة الرابعة: العرب وخداع الشعارات الكبرى
في مجتمعاتنا العربية، دائماً: أصحاب الشعارات (وهم غالباً من أتباع أو ممثلي العقل العمومي الحدي الاطلاقي الموروث، الذي يضيع ويتيه وربما يغرق في التفاصيل!!) هؤلاء:
-يطالبون بتأجيل كل شيء جوهري حقيقي، ويهتمون فقط بالمظاهر الخارجية.
-يشرحون المشروح البديهي الموضّح، ويفصّلون في العام التقليدي المنمّط.يعني يتركون الأصل، ويلحقون الفرع..
-ينشغلون بالتوافه والشكليات، ويتغافلون عن المضامين والجوهريات.
-يزيّفون الأحداث الصحيحة، ويحرّفون الوقائع، ويضللون حتى في المعلومات والأرقام والبيانات.. وكله لغايات سياسية..
-يقولون ما يجب ألا ينقال، ويديرون الظهر لما يجب أن يقال.!!.

المقال السابقكُلّ شيءٍ .. عادي
المقال التالىرسائلُ إلى مالك الأشتر ليستْ في أوآنِها
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد