تَخَيّلا ، أنتِ وَأنا


 
لوحة للفنانة رؤيا رؤوف

1- عندما الرّوحُ انْكَسَرَ
خِنجَرُ التأويلِ
طَلَّقَ غمْدَهُ
بثلاثِ طَعناتٍ

-1-
تَخَيَّلْ وَأنْتَ المِحراث في حَقْلٍ ظَمآنٍ
وَرَاءَ مَكتَبٍ يَتناسَلُ ضَجَراً،
بُندقيّتكَ ابْتَلَّ رَصاصُها
وَأنتَ في مَرْمى قَنّاصٍ …
تَخَيَّلْ وَبينَ ذِراعَيْكَ أفقٌ يَتَثاءَبُ فَجْراً،
مَصِيرَ مَن طَوى الأزمِنَةَ والقارّات
إلى بلادٍ خارِجَةٍ على القانون
عندما تبكي
تذرفُ عَيناها
مرايا تعكسُ
خرائبَ الروح!
+ + +
تَخَيَّلْني إذَاً
يا قارئ الفَضائيّاتِ مِنَ “الجزيرةِ” إلى “روتانا”
والعُرُوبَةُ سَفينَةٌ غارقةٌ ، وَالعَرَبُ
تَوَزَّعَتْهُم الجِّهاتُ في قَوارِبِ نَجاةٍ مِن مِلْحٍ ، والسَّلامُ
مِسَنٌّ لِخِنْجَرِ داوود ، والقدسُ
كَمينٌ مُمَوَّهٌ بِدَمِ الضّحايا
يَقَعُ القاتِلانِ فيهِ:
المُهَرِّجُ
والمُتَفَرِّجُ!.

-2-
تَخَيَّلْ : النُّباح يَحْتَلُّ أذُنَيَّ
وَالعَرَب يَعبرونَ إلى إيوانِ يَزْدَجرْد الثالث
نَهْراً مِن الغَباءِ
كانت الحِجارَةُ تَرشَحُ لَهَباً
والزيتون ينزفُ دَماً في معصَرَةٍ يديرُ رحاها التي
مِن جَنازيرِ الدّبّاباتِ بَغْلٌ بِقَلْبٍ عَفِنٍ مِن خُيوطِ التّلمودِ
كَم هَتَفْتُ :
أيُّها الدَّرْبُ الذي لا يَنتَهِي
إلامَ أمشي وحيدا؟!.
+ + +
تَخَيَّلْ
واقْرَأْ كِتابَ الدَّمِ
دَمِ الكلمةِ التي
في البَدْءِ ذُبِحَتْ!.

-3-
تَخَيَّلْنِي بِسيجارٍ كُوبيٍّ
أتَنَزَّهُ بينَ الحاناتِ النّظيفةِ
وَمُتَّكِئاً إلى طاوِلَةٍ بِكُرسِيَّيْنِ
أنتظِرُ صديقي “فيديل كاسترو”
مُرَطِّباً رُوحِيَ
بِرذاذِ جعّةٍ خَمَّرَتْها “رُوزا لوكسمبورغ”
في الشّوارِعِ الخلفيّةِ لبرلينَ
قَبْلَ انْهِيارِ حائطِها
واسْألْني :
ما الذي يَفعَلهُ التُّرابُ بالبَشَر؟

-4-
أنا الذي
لا أوقِفُ الوَقْتَ
ولا أجري وراءَهُ
عندما
على رَمادِ رُوما
يُضْرِمُ نيرونَ قيثارَتَهُ
وَيَشْدُو
عندما
المَزابِلُ للدِّيَكَةِ
وَالشّواهِقُ للبَواشِق

-5-
إنّها الواحدةُ
مُنْتَصَفِ الليل
بارٌ وَمَطْعَمٌ
مُومِساتٌ صَغيراتٌ
يَزِدْنَ المَكانَ صَخَباً
وَصَديقيَ الفيلسوف
يَنهَضُ كُلَّ خَمْسِ دقائق
لإلقاءِ الفقرةِ عَيْنِها مِن خطابِ الشّهيدِ
على السُّكارى
وَأنا لَحْظَةً بَعْدَ أخرى
أزدادُ قَلَقاً وأرَقاً
بِمُراقَبَةِ طفْلٍ لم يُجاوِز الخامِسَةَ بَعْدُ،
يُقَلِّبُ عَيْنَيْهِ المُرْهَقَتَيْنِ حائراً حَوْلَهُ
وَهُوَ يَتَمَلْمَلُ على رُكبَتَيّ أبيهِ المُنْشَغِلِ عَنْهُ
بِمُنادَمَةِ مُمَثِّلٍ كوميديّ…
بَعْدَ مُنتَصفِ الليل
قَبْلَ أنْ نُعْدَمَ عَبْرَ الفَضاءِ
مِنْ عُنُقِ الذي مَضى
مُتَّكَأً لأرواحِنا
في الأعالي
وسطَ ضجيج السُّمّار
وَدُخانِ سجائرِهِم
التي تمتزِجُ
بِعُطُورٍ رخيصةٍ
لِموُمِساتٍ نبيلاتٍ
وَمِن نافِذَةٍ عاليةٍ في الحانةِ
كانت تبدو شاحِبَةً
نجمةُ الصباح البَعيد!.

——
*الجزء الأول مِن قصيدة بعنوان “تَخَيَّلا : أنتِ وَأنا”.

المقال السابقمتى توضع استراتيجية حقيقية لأمننا الغذائي ؟
المقال التالىلجام العفة
هادي دانيال *وُلِدَ في قرية كفرية مِن ريفِ اللاذقيّة على الساحل السوري بتاريخ 02/04/1956. *التَحَقَ سنة 1973 بالثورة الفلسطينيّة في بيروت وعَمِلَ في عدد مِن مؤسساتها الإعلاميّة كمجلة "الهدف"(مسؤول القسم الثقافي وسكرتير التحرير حتى سنة1979) و"إذاعة فلسطين"(مدير البرامج الثقافية). ثمّ انتقل مع ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد