“ها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدّهر”

 

“ها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدّهر”
(متى 20:28)

يذهب البعض إلى القول إنّ الإنسان يصوّر إلهه كما توحي له أفكاره ورغباته، أو كما يريده أن يكون. فإذا كان الإنسان ذا سلوك مسالم ومحبّ، صوَّر إلهه محبّاً ومعطاءً. أمّا إذا كان متسلّطاً ومتجبّراً فعلى صورته كان إلهه. كما أنّ فكرة الإله الأسطورة المخترعة من الإنسان تسيطر على هذه العقول الّتي يعوزها أن تتواضع قليلاً لتعاين الله الّتي هي على صورته وليس العكس. فلو أدرك الإنسان المعنى العميق لكونه على صورة الله كمثاله، عرف مفهوم الألوهة الحقيقية، وتجرّد من كبريائه، وبلغ حقيقة الله وترافق معه.

لا ريب في أنّنا في ظروف شتّى نتساءل عن حضور الله، وعمّا إذا كان عاجزاً عن تبديل الواقع وتغيير مسار التّاريخ، وبدل أن نصغي إلى إجابته، يجيبنا عقلنا المحدود، بل يتمرّد على الله ويتخلّى عنه بسهولة. ما يعني أنّنا لم ندرك بعد مفهوم الألوهة، وما برحنا مستعبدين لفكرة الإله المتعالي والمزاجي.

ليست الألوهة ترفاً في الحياة الإنسانيّة أو كماليّاً يزيد عن حاجة الإنسان وضروريّاته. وإنّما الله أساس أوّل يبني به الإنسان حياته وخبراته ويتعرّف من خلاله على ذاته. وهو بحاجة ماسّة إلى حضوره ليتبيّن قيمته وكرامته. وكلّنا يعلم أنْ لا شيء يمنحنا قيمة بذاته، أكان علماً، أو معرفة، أو مالاً، أو منصباً،… فالكلّ إلى زوال وفناء. ولا نكتشف إنسانيّتنا إلّا على نور الرّبّ، ولا نفهم الأنا إلّا إذا عرفنا صانعنا.

لذا علينا في المقام الأولّ أن نتعرّف على إلهنا ونتصادق معه، ونقبل منطقه باحترام وثقة، ونتخلّى عن منطق يقودنا إلى تأليه أنفسنا بدل الارتقاء إلى رفعة الألوهة الحقّة. ومتى بلغنا تلك الرّفعة استغنينا عن كلّ شيء في سبيل الحفاظ عليها والتّنعّم بالحضور الإلهي المرافق لنا أبداً.

– أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدّهر:
(أنا معكم) عبارة تحيط بنا بقوّة إذا ما صدّقناها ببساطة وثقة، واعين إلى أهميّة حضور الرّب معنا في شتّى ظروف حياتنا. إنّها العبارة الممتلئة قوّة ودعماً لفكرنا ونفسنا وروحنا. بها نتيقّن أنّ ما من أمر يستعبدنا أو يتسلّط علينا (إن كان الله معنا، فمن علينا؟ رومة 31:8). وبالتّالي يكون الله محور حياتنا، به ننقاد إلى المعرفة والحكمة، ونصقل شخصيّتنا بالاتّزان والرّصانة، ونغمر كياننا بالسّلام والطّمأنينية.

من هنا فالعالم مدعو إلى التّخلّي عن كلّ من يحتكر لنفسه خلاصه، أو الحفاظ على حقوقه، أو استغلال عوزه في سبيل تحقيق مآربه الشّخصيّة. وإذا كان المسيحيّون، تحديداً، يعون عميقاً معنى أنّهم ليسوا من العالم، فلا يرجون خلاصاً عالميّاً ولا يحتاجون إلّا لمن أخرجهم من العالم. الخلاص العالمي محدود ومؤقّت، والمخلّص العالمي مهما بلغ من أمانة وصدق ونزاهة لا يتعدّى كونه إنساناً يحتاج إلى من يخلّصه.

– “فماذا نقول لهذا؟ إن كان الله معنا، فمن علينا؟ الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء؟” (رومة 32،31:8).

أعطي لنا بالمسيح أن نكون مسيحاً آخر، أيّ أحراراً لا يعوزنا إلّا الاتّحاد بالرّبّ فننال منتهى الحرّيّة. فلا يستعبدنا أحد، ويتلاعب بمصائرنا، ويحدّد لنا مسارنا ومستقبلنا. ولا يؤثّر فينا فكر أو نظريّة، ولا يستحوذ على عقولنا ونفوسنا إلّا محبّة المسيح. “إنّي متيقّن أنّه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربنا.” (رومة 39،38:8).

أنا معكم/ حضور ملموس ويقينيّ لا لبس فيه، ينحدر من الأخدار السّماويّة وينسكب في نفوسنا ويتّحد بها، ليستحيل معنى العبارة (أنا فيكم). نور يسكننا وحرّيّة تَلبسنا، نخلي ذواتنا ونكون مع الرّبّ كلّ الأيّام وإلى انقضاء الدّهر.

لا تعليقات

اترك رد