التحرش العقلي

 

يخطئ من يعتقد أن الجسد هو وحده من يُغتصب؛ ثمة ما هو أقسى وأشد ألماً على النفس والضمير من التحرش الجسدي إنه التحرش بالعقل؛ حينها لا يمكننا أن نرمم خلايا عقل قد تمزقت بمخالب العابثين أولئك الذين يزرعون بذور الوسواس القهري والاضطهاد الفكري المؤدلج.

إن للتحرش العقلي آثاراً كارثية تفوق آثار التحرش الجسدي؛ فالتحرش بالجسد قد تتم معالجته بالاحتواء والتناسي بيما التحرش بالعقل لا تزول آثاره إلا بزوال العقل ذاته.

عقود طويلة وعلى مر العصور البشرية والحاكم وولي الأمر وممن لهم التأثير الأيدولوجي في العقيدة من رجال الدين والقائمين على مؤسسات التعليم وكذلك العادات والأعراف؛ كلهم مارسوا على الإنسان العربي التحرش الفكري واغتصبوا عقله حتى بات يحمل عقله الباطن بأجنة العقد؛ إضافة إلى شعوره بالاضطراب لعدم منطقية قوانين الحياة الاجتماعية، يرافقه هاجس القلق ورهاب الجوع وعقدة الشجن والاعتقال.

فبعد كل هذه العقود ومن بعد أن ترسخ الخوف والرُهاب في عقول الشعوب من طغاتها حتى وصل الخوف منهم إلى نخاع عظامهم هكذا فحأة وعلى حين غفلة من أعين الحراس تسللت للبلاد قطط أجنبية الفرو حيث بدأت تتحرش بالعقول المنهكة وتعزف لها موسيقى الديمقطراطية والحرية وأوهمتها بأنها تقدر على تحطيم أصنام طغاتها؛ فكيف لهذه العقول أن تقوم بوجه طغاة هم يجثمون على صدورهم، يضاجعون حتى أحلامهم يدخلون في دهاليز إحساسهم وثنايا عقولهم الباطنة. كل شيءٍ بأيديهم يعرفون تفاصيل التفاصيل عن المواطنين ويملكون قرار حياتهم وموتهم واعتقالهم . يعرفون عدد أنفاسهم في الشهيق والزفير.

تلك القطط الشقراء اللعوب وبالتنسيق مع الفئران المحلية السمراء، اعطوهم العصي والسيوف الخشبية؛ ليحاربوا بها. دفعوهم من ظهورهم المكسورة؛ ألبسوهم الأقنعة الديماغوجية وتركوا نوافذ عقولهم بستائرها الممزقة مكشوفة للآخر.

كان على المواطن العربي، قبل أن يبدأ بالعصيان والتمرد على طغاته أن يتعالج أولاً من كتل الألم المكبوتة والآثار التي خلفتها عقدة التحرش الفكري التي وقعت على عقله عبر عصور الاضطهاد الماضية؛ وكان عليه أن يملك أسباب ومؤهلات التمرد والعزف خارج السرب وأن يكّون لنفسه عقيدة فكرية يؤمن بها هو قبل الآخرين وأن يضع لهذا التمرد هدفاً وغاية لا أن يزج نفسه المتهالكة في حالة فوضى وصخب دون أن يكون لديه وعياً عميقاً بما سينتج عن هذا التمرد والعصيان من عواقب هو لم يكن يحسب لها حساب ولم يضع لها حلولاً بديلة.

قبل أن نصرخ بوجه الذين مارسوا علينا التحرش العقلي علينا أولاً أن نحرر أنفسنا من الخوف السلبي ومن عقدة الذكورة وتبعاتها ونحرر المرأة من اغلال العشيرة ونكسر عن معصميها اصفاد الجهل ونمزق ما ألبسوها من خرق بالية ونخلصها ونخلص أنفسنا من ثقافة العيب والحرام التي ابتدعها المجتمع الذكوري وكهنة الدين الملوثين بالحنث العظيم؛ لتكون إلى جانبنا في الحراك نحو الحرية.

التحرش العقلي الذي طال عقول الشباب وجعل منهم ببغاوات يقلدون الغرب والشياطين في اسوأ اشكالهم ولم يقلدوا مفكريهم ومبدعيهم.

لصوص العقول والموساد المنظم هم من كان يتحرش بأفكار الشباب العربي الضال واحتلوا عقولهم وجعلوها صالة عرض صاخبة وحقنوها بالاباحية والترهات؛ جعلوهم دمى بلا وعي، دفعوهم لممارسة الجنون واللواط ومارسوا الجنس مع الطيور والأشجار والحيوان. حتى اعتنق الشباب العربي عبادة الجنس وصار هاجسه الوحيد وكل ما يطمح إليه هو الجنس بأشكاله المبتدعة من الغرب وألوانه المثيرة.

التحرش العقلي، في السياسة والشعوب؛ حين جعلوا من رغيف الخبر أولى القبلتين للمواطن والكعبة التي يطوف حولها الرجال حتى انشغلوا برغيف الخبز عن طموحاتهم وأحلامهم وأحرقوا الكتب ليجعلوا منها نارا يتدفئ بها أولادهم واغمضوا أعينهم عن القضايا الكبيرة.

التحرش العقلي، في المعتقدات الدينية حيث شوهوا شكل الدين وماهيته التي جاء لأجلها، حرّفوا الكتب السماوية واستثمروا حكايات التاريخ بما يتناسب مع مصالحهم ورغباتهم.

إن الغاية من التحرش العقلي هي اغتصاب الشعوب العربية وزجها في جحيم الأماني والأوهام المزعومة في الحرية والانعتاق من حكم الطغاة؛ بينما ما يحاك خلف الكواكيس وما يدار من تحت الطاولات هو أكبر من أن تستوعبه وتدركه العقول العربية الهشة والانقيادة والتي تعودت أن تعيش في غريزة القطيع.

إلى هذه اللحظة لم تستطع الشعوب العربية أن تدرك بأن لكل ديمقراطية حجم ومقاس وتحتاج إلى جغرافية وتضاريس ومناخ خاص. بحاجة لدرجة حرارة فكرية تتناسب طرداً مع فكرة الحرية؛ بيد أن الشعوب العربية هكذا وعلى حين حلم وخاطر أرادوا أن يلبسوا ثوب الحرية ذو المقاس الكبير ولم ينتبهوا إلى اجسادهم النحيلة وعقولهم التي يذبحها الجهل وتعاني من الشح العلمي وبأن الديمقراطية التي جاء بها الغرب ممثلة بأمريكا لا تتلاءم مع معطيات بيئهتم التي يعيشون فيها ولا تتلاءم مع حجم الرعب وسطوة المراكز المخابراتية واخطبوط الأمن الذي تصل أذرعته إلى أصغر جحر ووكر.

أمة لا تصاحب كتاب، ولا تجالس مفكر، ولا تعرف تاريخها ولا تدرس في تاريخ الشعوب الأخرى. فارغة مثل الطبل لا تؤثر ولا تتأثر إلا بما هو قشري وسطحي. تحفظ تفاصيل المشاهير ونجوم السينما وتواريخ ميلادهم ولا تعرف الشيء القليل عن مقدمة ابن خلدون التي لو درسها العرب واستفاد منها جغرافياً وعمرانياً لكان من أعظم الأمم والحضارات ولا تعرف عن الخوارزمي ما يعرف عنه الغرب ولا يقرأ عن تاريخ فلاسفته لكنه يذوب وينصهر في أي دراسة نفسية أو معلومة لفلاسفة وعلماء الغرب؛ لأنه يشعر بالنقص من نفسه ولا يثق بما هو عربي ولا يعرف بأن الحضارات الأوربية قد قامت ونشأت من على أفكار الفلاسفة والمفكرين العرب والتي استثمروها بينما العرب أهملوها ليظلوا تبعاً منقادين مثلما تقاد الخراف والنعاج.

هناك فرق شاسع ما بين ثورة لها عقيدة صادقة وغاية عظيمة هي حرية الإنسان من عوالق الجهل والتخلف وما بين ثرثرة تقودها زعامات لها مطامع وأهداف دونية.

واليوم بعد تلك الأعوام من الصراخ والفوضى من الذي دفع ويدفع فاتورة التحرش العقلي وعدم الوعي والتخطيط؟

من الذي أصابته الويلات واللجوء والنزوح والرضوخ تحت سطوة كهنة الدين المنحرفين والمزيفين يمشي بلا هدى ولا بصيرة؟

إنها الشعوب المغيبة فكرياً التي تتعاطى أفيون الطائفية والتي ترتشف مع قهوتها التعصب وتلحس تراب الجهل والانقياد. تتجمع مثل النمل حول المراقص والمحافل وتهجر دور الثقافة والعلم. تتيمم بثوب مطرب وراقصة وتنفر من مفكر وعالم، تطالع في المجلات الإباحية ومجلات الموضى لكنها لا تذهب إلى مكتبة تطالع فيها لتطلع من خيبتها وتصحو من غفلتها، لا تزور متحف ولا تدري عن حضاراتها وآثارها إلا ما تراه في القنوات والصحف الغربية.

فكيف لمثل هذا الجيل وبهذه المقومات يقدر أن يقوم بثورة حقيقية لا ثرثرة، وكيف له أن يحمل على عاتقه مسؤولية انقاذ أمته من الانقراض والزوال ويعالجها بعلمه ووعيه من التحرش العقلي القديم؟

المقال السابقاسباجيتي الحق في الحياة … جانجو
المقال التالىفن إبرام الصفقات عند الرئيس ترامب
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد