(قامة سوسيولوجية سامقة)

 

مجتمعاتنا لاتعرف قيمة القامات العلمية والسوسيولوجية والثقافية والفنية المبدعة إلا بعد مماتها .
الأنظمة القمعية والعقليات الصلدة والواقع الاجتماعي المتخلف يطمر الأعمال الجليلة لمن تركوا بصمة لامعة في جبهة الزمن .
وثمة نخب مريضة متهالكة تطمس آثار رجال العلم والمعرفة بغرور صبياني وفي مسلك غير حصيف وبعقلية الرعاع والغوغاء ولعبة المناورات والخداع .
لقد كان صادقا د.أحمد خالد توفيق حين قال :
“لا نحتاج سوى الرأفة ببعضنا البعض ، الرأفة في الحديث ، في الفعل ، في التمسك وحتى في التخلي ” .
فالأوضاع الزميتة والصعبة ترينا المعادن البشرية الأصيلة والمعادن الرخيصة :
“من إيجابيات الظروف الصعبة أنها تعيد ترتيب أماكن الأشخاص وتضع كل شخص في مكانه الحقيقي “(سقراط).
عالم الاجتماع العراقي علي الوردي واحد ممن حاولت الأيادي القذرة طمس معالمه الفكرية والسوسيولوجية بسبل شتى إلا أنها لم تفلح في حجب صورته السوسيولوجية الساطعة .
د. علي الوردي (1913-1995م) قامة سامقة في علم الاجتماع العربي له بصمات مضيئة في العقل السوسيولوجي العربي ، فهو من المعادن العلمية الثمينة مطبوع على الصدق وجرأة الجهر بالرأي وعدم التحذلق واستعراض العضلات الثقافية والمعرفية ،مما سبب له متاعب ومضايقات واقصاء وحياة ممهورة بالعذاب والمعاناة في مسيرة حياته العلمية والأكاديمية وارباك حياتي صاخب . ورغم القهر وتعدد أساليب وتقنيات العنف والارهاب وكوابيس الرعب والتنصت في السياق العام المضطرب ،ظل الوردي صامدا مؤمنا برسالته العلمية من أجل نهضة العقل والدفع بعجلة النماء الى الأمام ومحاربة الجهل والعوز والخراب النفسي والأخلاقي والتقهقر المادي والتكلس الفكري والعقائدي .
للدكتور علي الوردي مؤلفات عديدة أشهرها:
– وعاظ السلاطين .
– شخصية الفرد العراقي .
– مهزلة العقل البشري .
– دراسة في طبيعة المجتمع العراقي .
– منطق ابن خلدون في ضؤ حضارته وشخصيته .
– أسطورة الأدب الرفيع .
وبمنأى عن المجاملة والمكايسات يبسط آراءه بصدق عار من الزيف في كتبه وأبحاثه العلمية وفي مقابلاته الصحفية والتلفزيونية وبرامجه الإذاعية .
لقد أنتقد بشدة المفاسد وأعطاب المجتمع ووعاظ السلاطين حيث قال :
“الغريب أن الواعظين أنفسهم لا يتبعون النصائح التي ينادون بها . فهم يقولون للناس : نظفوا قلوبكم من أدران الحسد والشهوة والأنانية ، بينما نجدهم أحيانا أكثر الناس حسدا وشهوة وأنانية ” .
يقول الأستاذ/إبراهيم الحيدري ” كان علي الوردي معلما من معالم الفكر الاجتماعي ورائدا من رواد الفكر التنويري النقدي في العراق …كتب عن حياة الناس الاجتماعية وعن قيمهم وعاداتهم وعصبياتهم وسلوكهم في الحياة اليومية … وخلف ثروة فكرية حصيلتها ستة عشرة مجلدا ومئات البحوث والدراسات الاجتماعية ، التي أصبحت مرجعا هاما فتح بابا للوعي وإعادة إنتاج الوعي الاجتماعي في فهم وإدراك الظروف التي ساهمت في تشكيل المجتمع العراقي وتطوره ” .

لا تعليقات

اترك رد