اختلاف الرؤى في رواية “الصَبَّار” للروائية الفلسطينية سحر خليفة

 

“للصورة أكثر من بعدٍ واحد”
جملة تكررها إحدى شخصيات رواية “الصَبَّار” للروائية الفلسطينية سحر خليفة، تقابلها جملة “عدم وضوح في الرؤية” لشخصية أخرى (أسامة) العائد بعد تجوال بين عدد من البلاد إثر طرده من إحدى دول الخليج التي التجأ إليها الكثير من الفلسطينيين، خاصة عقب حرب 67، عاد إلى وطنه كلاجئ تم قبول لم شمله بوالدته، المهجّرة بدورها من مدينة لأخرى داخل بلادها، وفي ذلك سخرية ضمن سخريات عبثية لا تنتهي تلوك السنوات مرارتها إلى يومنا هذا، عاد بسخطٍ عارم، لا على الاحتلال فحسب، بل شمل أهل بلده أيضاً وقد تفاجأ بخضوعهم المفرط، من وجهة نظره، لواقع الحال، التكيف معه والتعامل مع المحتل في أمورهم الحياتية واستجداء معيشتهم من مصانع ومزارع وشركات الإسرائيليين، بالإضافة إلى الدور الذي يلعبه منتهزي الفرص والساعين إلى الثراء الفاحش من بعد عوز رسخ داخلهم عقد النقص إزاء مواطينيهم الأرقى منهم في المستوى الثقافي والاجتماعي، كمتغير ضمن سلسلة من المتغيرات الطبقية داخل مجتمع يعاني من تداعيات الهزيمة، بعد خمود نيران الحرب، والمتجلية في أثر المحاكاة الداعية إلى انطماس الهوية الأصلية في هوية مصطنعة (هجينة).
هنا تضعنا الكاتبة في خضم المشهد الفلسطيني الذي نكاد لا نعرف عنه شيئاً سوى ما يأتينا عبر الأخبار ضمن إطار لوحة مرسومة بالأبيض والأسود، بحدية تستثير المشاعر ثم يخمد كل شيء بمرور الأيام، بينما شخصيات الرواية تقبع في عالم من الصراعات والانشقاقات والسجال الداخلي المستمر بين الانسان ونفسه، بعيداً عن مزايدات المواقف حسب الانتماء العقائدي لهذا الطرف أو ذاك، فالجميع يجدون أنفسهم على حافة الهاوية بخطى ترضخ للأزمات الوجودية العاصفة، بمن فيهم ذلك المقاوم شديد البأس والماضي إلى مصير يعرفه جيداً، يجد الإنسان المسالم داخله، ورغماً عنه، يتوارى شيئاً فشيئاً ولو على حساب الصديق والقريب والجار (ولكل حرب ضحاياها) في حالة متلجلجة من الانفصال عن الذات، عن أحلامه البسيطة، ليتفاجأ بواقع جديد يُجبَر أن يحياه، ويورثه لمن يأتي بعده.
“رفع يده، نفس اليد التي كتبت قصائد الحب والسلام… يتأمل تكسر الأشعة فوق عروق يده. دهشة، ذهول، واحد في قطيع الحساسين الحيارى، تحسس التراب، عاشق. ولكن! مضى زمان الشعر وأحلام الهوى، وهذه اليد، هذه اليد!… يد خفية تمتد إلى أعماق القلب، وحدة، وحشة، صمت… شعب رومانسي النزعة؟ لكننا لم نعد كذلك، تكسر الحب عند قدميك بجعل الروح سلعة في سوق الدم” ص 136
مثل هذا الصراع النفسي يشير إلى ثنائية حادة التناقض تتوزع على مسار الأحداث المتداخلة تداخلاً غريباً، عبر مفارقات إنسانية تعبث بالمشاعر المضطربة وتنقلها من حال إلى حال في هوج الصدمات المتتالية، فبعد لحظات من مقتل الضابط الإسرائيلي وسط السوق وأمام الأعين الشامتة، يتحول إلى أب تم طعنه أمام زوجته وابنته الصبية التي يكشف فستانها عن بياض فخذيها لدى ارتمائها نحو جثة والدها فتسارع امرأة فلسطينية، كادت تزغرد لقاتله الملثم قبل لحظات، إلى ستر لحمها البض ومواساة الزوجة الثكلى، لتتغلب النزعة الإنسانية على سلطوية البزة العسكرية الملطخة عبر عقود بدماء الضحايا ومواجع فقدان الوطن، وذات النزعة الإنسانية التي فطرنا عليها تجد لها ملاذاً لدى ضابط إسرائيلي أمام سيدة فلسطينية عجوز تكاد تفقد ابنها المتهم بالقتل، إذ ينسى مهمة تفتيش دارها، وينشغل بالاطمئنان على صحتها العليلة التي قد يكون سبب الإجهاز عليها.
بمثل هذه الإشكاليات (المفارقات الجدلية) ينتظم السياق السردي للرواية التي لا تبتعد عن رمزية تشير إلى أبعاد المحنة الفلسطينية، من الداخل، والمتنقلة في عملية تراكمية من جيل إلى آخر، بدءاً من شخصية الأب المريض، الممثل للسلطة العقيمة الغافية في دثار الماضي التليد، والحريصة كل الحرص على التمسك بزمام الأمور، غير مدركة وربما متجاهلة ذلك الخراب الذي حل بعد فقدان كل شيء مما ألجأ الابن إلى العمل كأجير في مصنع إسرائيلي إثر رحيل المزارعين عن مزرعته تجاه الطرف الآخر، وهو يضطر إلى سلوك ذات المسلك، دون إعلام أحد من أفراد عائلته، ليحيا حالة من الإزدواجية يحاول توطيد نفسه عليها حتى يأتي القرار بالتخلص من السطوة (البطريريكية) التي يجدها جزءاً من المحنة، محنة الضياع التي تسد آفاق المستقبل في وجه الجيل الجديد المتخبط في دروبه لإيجاد الحل، ولو كان الحل في حد ذاته يختلف من رؤية لأخرى، من شخص لآخر، فحتى المقاومة ذاتها لها عدة أوجه ورؤى وتوجهات، يكتشف أحد المعتقلين ذلك في الزنزانة التي جمعت بين أنماط مختلفة في مرحلة شيوع المعتقدات الأيديولوجية المتضاربة، قبل سطوة التيار الديني المحتكر للمقاومة، كما يكتشف أكثر فأكثر وضمن واقعة ملموسة أنه وجِد ليكون على مرمى النيران، وأن حق الاختيار مفروض عليه بعد تعرض الشاحنة التي كانت تقله ومجموعة من العمال إلى تل أبيب للتفجير من قبل أحد أفراد المقاومة التي انزلقت، بوعي أو بلا وعي، إلى مستنقع الدم، وإن كان على أساس مشروع، على حساب الأرض وساكنيها الأصليين أكثر من سواهم، إلا أن ذلك العامل البسيط في أرض المحتل يجد نفسه منصاعاً للدفاع عمن أراد مقتله وزملاء الفقر، بغض النظر عما يتوعده من انتقام بعد ذلك.
“جرحك مخيف، قضي عليك، وعلي معك… أترى هذا الجرح المخيف في كتفي؟… أنت لا ترى، المس، هات يدك، أتحسه؟ منك ومن رجالك، وها أنا الآن بجانبك، فوق رأسك، أحسك رغم بطنك المبقور، جرحك مخيف، عندما تضيء القنابل وأرى جرحك، أحس رغبة في القيء، أترى؟ قتلت واحداً آخر.” ص 154
في هذا المقطع يتكثف الصراع الذاتي داخل المجتمع الفلسطنيني، يحيل إلى تساؤلات منطقية تتسلل إلى شخصية المناضل الثوري الحالم بالحرية والكرامة والذي يمكن أن يجنح إلى ديكتاتورية لا تسمح أن يخالفها أحد الرأي بفعل المعارك الدامية التي خاضها على مدار عقود من الشعور بالاضطهاد، يطوعها المحتل لخدمة مصالحه قدر الإمكان، وذات الأمر يحدث، بصورة أو بأخرى، في أغلبية مجتمعاتنا المسخرة لصنع القائد ـ الإله.
هناك أيضاً شخصية (نوار) الفتاة شديدة الجمال وشديدة النحافة بسبب طول الانتظار لحبيبها المعتقل لدى إسرائيل، تحاول هي أيضاً إخفاء حبها لمن تحلم أن يخلصها من أغلالها المشتدة غلاظة بمرور الأيام والسنوات لتنطلق إلى حياة جديدة، قد تكون مستقبل فلسطين المنتقي للمسلك الصحيح الساعي للانعتاق من قبضة المحتل وكل من يسانده، وقد يكون غريباً أن تأتي تلك المساندة من المقاومة ذاتها، إن صدرت دون وعي، من خلال ما يترتب على نشاطاتها من نتائج تتيح السبيل إلى المزيد من الدمار واستلاب الحقوق وهدم الدور ومصادرة الأراضي، فالموت في سبيل الوطن ليس هو التضحية الكبرى باستمرار.
الإهداء: “إلى أبو العز وكل أبو عز”
شخصية (أبو العز) لشاب غر تأخذه الحماسة، وربما بعض انفعالات المراهقة الاستعراضية لكشف كل الخفايا المستترة، يواجه الجميع بأسرارهم التي يتكتمون عليها ضمن حبكة درامية تتفجر مع إنطلاق لسانه المتمرد على الخوف والكتمان، تنحاز إليه الكاتبة سحر خليفة، إذ تجد فيه الأمل في مستقبل جديد يبدأ من أنقاض الماضي، رغم ما سيعاني من تيه عبر مسارٍ طويل في طريق النضال شديد الوعورة، ورغم حماقة اندفاعه وانقياده للتشبه بقريبه الذي يرى الصورة من بعد واحد، رغم ضبابية الرؤية.
مع ذلك لستُ مع هذه المباشرة، وإن جاءت عبر الإهداء، وكأنها نوع من استلاب حرية تفاعل القارئ مع مضمون العمل المشرع على اتجاهات فكرية مختلفة، فهناك شخصية الأخ الأكبر الذي يمسك بزمام الأمور، من الناحية المادية على الأقل، تلك الشخصية اعتادت كظم غيظها حتى الصفحات الأخيرة من الرواية، تجمع بين الواقعية والثورة الكامنة ضد الظلم، حتى لو وقع على أحد رفاقه بعد بتر أصابعه خلال العمل ومحاربته للحصول على تعويض يغنيه عن إخراج ولده الأكبر من صفوف الدراسة والعمل بدلاً عنه، يثور بصمت وروية في أزمنة الشعارات والهتافات، يضحي بأحلامه وطموحاته الخاصة من أجل عائلته، يتكيف مع الواقع المفروض حتى تتاح له فرصة المضي نحو الشمس، مثل هذه الشخصية الواقعية لا أجدها سلبية أبداً، رغم كل ما تعاني من اضطرابات حياتية وفكرية تسلمها إلى القنوط في كثير من الأحيان، وهذا من بعض طباع النفس البشرية، خاصة داخل أرضِ يتعدد ويتجدد شتاتها كل حين.
“خذ نفساً طويلاً، الدموع، الغبار، الضباب، ورائحة الليمون المحترق في جنبات الساحة المحطمة، والجنود في سياراتهم الداكنة يتبخترون، وترى في الأعماق رعشة التمرد والنقمة، لست من الطغاة لكنني ناقم، ناقم حد الثمالة، وهذه الجموع الذليلة، وأنت يا أبو الشباب إله الصبر والنقمة، وما أسوأ أن تعي إنك إله قاصر عن تحقيق ذاتك وذوات الآخرين وتستمر عملية الارتفاع والهبوط، ارتفاع إلهي نحو قمة عيبال، وهبوط طحلبي في مجاري الوادات وترسبات العفن، وتبحث عن نفسك في كل العيون، وتجد صورتك معكوسة في أعين الجياع والعراة وسكان الخيام، والعواصف تقذفك في كل اتجاه، وتنتفض إرادة الحياة داخلك بتمرد غريزي، والطاقات في قلبك وعقلك تتكثف ولا تجد منفذاً تنطلق منه، وتحترف الجنون والكبت والانتظار، ولكن! مازال هذا العقل ينبهك من سكرة الغفلة، وعواطفك تصطخب هادرة مزمجرة وقد أعيتها صمامات الضغط وأجهزة القمع.” ص 175
“الصبّار” رواية قصيرة نسبياً، لكني أجدها من الروايات الجدلية المهمة والمتميزة بما أدركته من بصيرة للواقع الفلسطيني متعدد الرؤى رغم عدم استكانتها لسطوة الاحتلال الاستيطاني.
ويبقى “للصورة أكثر من بعدٍ واحد”.

 

لا تعليقات

اترك رد