الفنانة هناء محمد

 

لا تتسعها لقطة كبيرة لأنها تمثّل من اخمس قدمها الى اعلى رأسها ,لا تكفيها حركة كاميرا ان كانت دورانا أم الى الامام والخلف ,أو الى اليمين واليسار لأنها تعيش المكان وتحتويه قبل ان يحتويها ,هي مشكلة كبيرة للمخرج اذ كيف عليه ان يتعامل مع ممثلة تلتهم كل الانظار وتستوعب المكان فيتحوّل باسمها وينحاز تماما الى الافعال التي تنوي بناءها أو استحداثها ,أو للنص الذي وضعت روحها فيه فيتحول النص الى هناء محمد وتتحول هناء محمد الى نص, نص فيه من الجدة ما يحتّم على المخرج الواعي ان يحسن ويجيد التعامل مع هذه الممثلة المحترفة جدا ,هذه الممثلة التي تتحول بقدرتها وموهبتها الى شخصية جديدة لا تنتمي الى هناء محمد بل تنتمي الى روح الشخصيات التي اجادت تشخيصها في اعمالها المختلفة الكثيرة في المسرح والتلفزيون

اذ اني وجدتها على خشبة المسرح وكأنها جنّية لا تود ان تبارح مكانها ابدا وتلتصق فيه حتى لو غادرت الخشبة في لحظة استراحة او انتهاء فعل الشخصية في مشهد ما, لانها تبقى صورة فاعلة في ذهن المتلقي ويبقى صوتها التي تحسن التعامل بهومعه ,يبقى فاعلا في ثنايا المكان وفي ذهن عملية التلقي لأنها سكنت المكان روحا ولونا وعبق لذا فان المكان يرد لها الدين ويحتضن عطرها ووجودها ويسبغ عليه شيء من ضرورات الموضوع وصيرورة النص الناتج من اشتغال حبكته ,نصه الاخراجي, واضافات جهدها الابداعي الذي يصنع نصا يختلف حتما عن النص الناتج من اشتغال ممثلة اخرى في ذلك النص المعني ,تفاصيل جسدها مرتبطة مع بعضها البعض كأنها ربطت بأسلاك قوية لا تصدأ ولا تموت تتحكم هي في تحريك اي جزء أو تفصيل بما في ذلك قدميها ويديها وأجزاء وجهها, فالفم لا يبارح مكانه لكنه يعبّر عن الحضور والغياب في استدارته أو استطالته أو حينما يتلوّى بفعل الحيرة والألم ,صرختها وحشرجة الروح لديها تختلف عن باقي الحشرجات والصرخات فهي تلوّن الصوت فتمنحه معنى ودلالة ونغمة حنين يرافق ذلك حركة عين والتواء خد وفعل رقبة كأنها (ستاند) كاميرا سينمائية الكتروني الحركة ,انسيابي زئبقي يسيل لحظة ثم ما يلب ان يعود كأنه كائنا عقلي ,لكنها تتحكم فيه بعقلها الذي تحوّل الى حرفة وفن وابداع اسمه التمثيل الواعي ,التمثيل الروحي ,التمثيل الناتج من تفاعل كل تلك الاشياء مع عقل وروح ولون ورائحة ,انه شكل متكامل يمنح من عندياتهذوقا وعبقا ولونا وروحا للشخصية التي تتبنّاها هناء محمد .

السينما تحترف وتحترم وتعتمد اعتمادا كبيرا على الايجاز وهناء محمد كالسينما توجز افعالها ولا تحاول اطالة الفعل فما تلبث ان تقطع الصلة بعد ان اوفت الفعل حقه لتدخل في تعبير وصورة جديدة, وحتى ضحكتها موجزة كأنها تستعجل تعبيرا جديدا يقف على اعتاب باب الوعي لديها ,والفعال وصور التعابير تتدافع وتتزاحم في مابينها وكل واحد يقول انا ابلغ من الاخر لكن شرطي العبور يقف شاخصا عنيفا متذوقا تقوده هي ويتحرك هو بفعل وعيها فيختار المناسب والاجمل,ومرّة اخرى يقع انظار الشرطي وأمره هناء محمد على الجميل الموجز الانفعالي لأنها ملكة الانفعال وسيدته اذ اشتغل كل مافيها على الانفعال المدروس, ومن يركّز انظاره على هناء وهي تعيش الشخصية يجد انها تستغل كل ما منحها الله من حاسة ثم تضيف لها الحاسة السادسة التي تنتمي وتنتج عندها من خلال اشتغال حواسها الخمسة التي ترتبط بخيوط قوية جدا وعقل اقتصادي ذهني بحت فيحتار المتلقي من اين يستقبل التعبير, هل من حركتها التي قد تتحكم بهاهي وقد ترسم لها من المخرج ,أم من حاسة الشم القوية جدا عندها وحركة البان والتلت التي تجيدها هذه الكاميرا الهائلة؟ فتستعير منها الكثير الكثير اذا طلب منها المخرج ان تثبت قدميها, لكنه لا يستطيع ان يجعلها تتحرك وتغزو المكان بفعل اشتغال عينيها وفمها ورأسها وحتى حركة اكتافها لانها كلّ لا يتجزّأ, وان تجزأ حينها سيمنح قوتهوفعله وصفته الى حاسة وجزء اخر ,ففي فيلم (النهر) اخراج فيصل الياسري حاولت كاميرا الياسري ان تصطادها ,بل تحدّدها لكن فهم الياسري لكيفية تعامله مع موهبة مثل هناء محمد جعله يعي جيدا وهو الخبير في هذا ان يمنحها مساحة للحركة واختار لها لقطات عامة اشتغلت فيها هناء ما مطلوب منها بالضبط, ثم قطّع لها لقطات من خلال فهمه الفلسفي للنص ولشخصيّة هناء وموهبتها وروحها, والغاية من حضور هذه الشخصية وغيابها, واستطاعت هناء في هذه الشخصية ان تعرض للمتلقي الحب والكره والاستغلال والفرح والحبور, وتحرّكت كأنها خبيرة بأشتغالات السينما وطريقة عمل الياسري ,ففرشت هناء روحها للشخصية التي عانت وغرقت بعض الاحيان في وحل النهر وليس في مياهه العذبة الطيبة , تعاملت هناء في سينما الياسري مستفيدة من عملها السابق معه في فيلم (الرأس) بحيث من يشاهدها في فيلم النهر يشعر بأنها تفهم وتستقرأارادات وطريقة عمل كل مخرج تشتغل معه, وبالرغم من اختلاف الشخصيتين لكن هناء اشتغلت باسلوب تمثيلي يتشابه كثيرا فنجحت وتفوقت في كلا الشخصيتين ,كذلك كانت حاضرة بقوّة شخصيتها وحضورها الطاغي في فيلم (القادسية) للمخرج صلاح ابو سيف وفيلم (الملك غازي) اخراج محمد شكري جميل وفيلم (شيء من القوة)اخراج كارلو هاريتيون ولنا ان نعرف قيمة وقوّة حضور الفنانة هناء محمد اذا عرفنا بأنها حصلت على جائزة افضل ممثلة عن فيلم (اللعبة) رواية يوسف الصائغ واخراج محمد شكري جميل عن شخصية قصيرة جدا وصامتة لكن موهبة وقوّة حضور هناء اجبر اللجنة الدولية ان تختارها لهذه الجائزة ,كما اننا لا يمكن ان ننكر جهدها وشخصيتها المهمة في فيلم (بيوت في ذلك الزقاق ) اخراجقاسم حول .

أما في التلفزيون فقد تسيّدت هناء شكلا خاصا بها وجعلت كل مخرج حينما يختار لها الشخصيّة يفهم جيدا مع من يتعامل لأنها حسّاسة انفعالية متحرّكة التعابير,موجزة بها, فأختارها المخرج حسن حسني لشخصية نجوى المركّبة في مسلسل (الاماني الضالة ) لانه يفهم جيدا ان هناء ستحمل على اكتافها جزءا كبيرا من رسالة النص ,كذلك كانت في ادوارا اخرى كثيرة ,منها من اختار لهناء الدور المناسب, ومنها من وضعها لمجرد اسمها ونسي ان بامكانها ان تكون كاميرا لاقتناص الافعال القوية وايضا شاشة عرض متكاملة تساهم في ايصال كل ماتتطلبه رسالة النص فنتجت من ذلك مسلسلات لم تظيف لها سوى حضورها المعروف ومن هذه الاعمال مسلسل (شايف خير ) برفقة المطرب المرحوم رياض احمد ,ولهناء ادوار مهمة ايضا في مسلسل (بيتنا وبيت الجيران ) و(اعالي الفردوس ) التي مثّلت فيه شخصية عاملة الزلابية التي تنتظر زوجها المغيّب وتحلم برجوعه في مشهد تتألق فيه حينما ترفع نعلها وتقول بانها ستلبسه محتفلة حينما يأتي زوجها, اذ نشعر بالالم اثناء ادائها هذا المشهد الجميل ونشعر بحزنها ووحدتها والمها وحزنها لفقدان زوجها لكن هناك امل نشعر به من خلال كل هذا فنبكي ونضحك ونفرح ونحزن معها

هي هناء التي تعودت على الادوار المركّبة وعلى التقلبات والتحولات الدرامية في السينما والمسرح والتلفزيون منذ بداياتها الاولى واثناء اختبارها من قبل محسن العزاوي ولجنة من اساتذة الفن انذاك لتأدية شخصية (كمرة ) في مسرحيتها الاولى (الشهداء ينهضون ) حينما ادّت مشهدا يظهرها امّا وبنتا استعرضت فيه مشهدا حقيقيا بينها وبين والدتها لكنها ادّتالشخصيتين باجادة تامة ,نجحت على اثر هذا الاختبار بالحصول على هذه الشخصية المهمة ,وفي واحدة من اهم تجاربها المسرحية استطاعت هناء ان تؤدي اكثر من سبع شخصيات في عمل مونودراما واحد هو مسرحية (نورية )اخراج ليلى محمد اذ كانت هناء قادرة على اداء شخصيات الام والبنت والمتسولة والرجل الذي يغتصبها والدفانة..الخ ,وفي مشهد كبير تحمل فيه هناء (نورية ) طاسة الماء تتحول معه برفقة الماء الذي ينزل من الطاسة لتغني وتبكي ونعيش معها حالة من العودة الى الماضي (فلاش باك ) وحالة من الالم الاني لهذه الشخصيّة ولشخصيّات اخرى عديدة في واحدة من اهم ادوارها المسرحية التي سيطرت فيها على الموضوع المعقّد جدا والذي اعتمد عليها كممثلة يمكنها ان تجعل المسرحية تنجح أو تفشل لكنها استطاعت بفعل احساسها العالي بالفرق مابين البكاء والشكوى ,مابين الام والبنت ,مابين الالم والامل,الفرق مابين ان تعيش عدة شخصيات تتبدل خلال ثوان قصيرة من فعل الى اخر وبزمان ومكان مختلفان, فكانت كل الشخصيات وكل الافعال وكل الالم بانواعه واشكاله وقيمه الظاهرة والمضمرة .

ابداع هناء محمد لاينحصر في عمل واحد تلفازي او مسرحي اوسينمائي او اذاعي لانها مبدعة منذ دخولها عالم الفن في اواخرالستينات وفي برامج الاطفال ثم ممثلة وحصلت على اول جائزة عن دورها في تمثيلة اذاعية بعنوان (سونزا ) ثم توالت الجوائز في المسرح والسينما والتلفزيون اذ بلغت العشرات منها العربية والعراقية المهمّة احترق بعضها حينما احترق بيتها في الاعظمية ومازالت تسكن معها جوائزا وجوائز .

من اعمال هناء المهمة الاخرى في المسرح (السور ,كلكامش ,حرم صاحب المعالي ,البيك والسايق ,دزدمونة ,عزف نسائي ,باب الفتوح,المتنبي ) اضافة الى اكثر من (70 ) مسرحية اخرى ,كما انهامثّلت للتلفزيون مسلسلات كثيرة منها (ايام الاجازة ) و(ايام الخطوبة ) والتي اثبتت من خلالهما بأنها ممثلة كوميدية من الطراز الاول بقوة وسرعة بديهتها وباستطاعتها تلوين وتنويع طبقات صوتها وقدرتها على التحكم بتفاصيل وجهها الذي يتحول من البكاء الى الضحك بسرعة كبيرة ,كذلك لها مسلسلات وسهرات اخرى مثل (خيط البريسم ,ذئاب الليل ,عوالي ,السيدة , )واكثر من (13) مسلسل في دولة قطر و(7) مسرحيات في الكويت وعدد اخر في قطر والخليج مثل مسلسل (ابلهمنيره,والبيت الكبير ,الصقر الكرنكعو,ماملكت ايمانكم ) ومسرحية (الحلاق ) ومسرحية (القضية خارج الملف )اخراج فؤاد الشطي ,واعمال اخرى كثيرة جدا , هناء منتجة لمئات الساعات التلفزيونية والاذاعية ,تكتب وتخرج للاذاعة ,حاصلة على شهادة الماجستير في اللغة العربية وشهادة الدكتوراه الفخرية ,مبدعة كانت وما زالت, قلت بحقها القليل وتستحق الكثير ..شكرا

لا تعليقات

اترك رد