نريد دولة علمانية بتشريعات علمانية ..

 

في منتصف و نهايات القرن الماضي و حتى اليوم ، و هنا أقصد في العراق ، شُوّهت صورة العلمانية من قبل المعممين من رجال الدين ، لسوء فهمها ، و ربما لعمق فهمهم لها ، و خطورة هذه الفكرة على ريادة رجال الدين في ذلك الوقت و هذا الوقت أيضاً …

العلمانية ” أو المدنية ” ليست ديناً و ليست مطلقاً ضد دين ، فهي تعني بكل بساطة و سهولة ، فصل السياسة والثقافة وكل ما يتعلق بالحكم عن الدين ، و أن تترك كل شخص بحريته و تعيش أنت بحريتك ، و لا تتوقف حرية الفرد إلا عندما تكون مضايقة أو متعارضة مع حرية الآخرين ..

فالمتدين يستطيع أن يصلي و يصوم و يفعل كل ما يريد و بأي صورة تعبدية يريدها و لو كانت في وسط الساحات العامة و أمام الناس ما دام لم يؤذِ أحداً ، و هذا حقه تتكفل به العلمانية و كذلك يفعل كل شخص ما يريد و لا يؤاخذ شخص على نيته أو تفكيره ، و ما نراه اليوم في أوربا و أمريكا وبلدان أخرى ، تطبيقاً للعلمانية ..

للأسف إن بعض البسطاء من الناس يتصورون – و هذا التصور نتيجة حشو رجال الدين و المعممين برؤوس الناس – أن العلمانية تعادي الدين و الشريعة و تعادي الله سبحانه ،، هم فعلو ذلك لأن من يحكم فهو يحكم باسم الدين و الشريعة و لا يريد أن يتنحى ليُسلم السلطة لرجال دولة و سياسة ويذهب هو منحسراً في مكانه في المسجد أو الجامع لهداية الناس ..

فنسمع من سخافات بعضهم يقول : أن هتلر كان علمانياً و موسوليني و صدام حسين ، و يعدد بعض الشخصيات التي حكمت بالقوة ، هذا من تفاهة القول ، و سذاجة التفكير قول مثل هذا ، فالعلمانية بعيدة كل البعد عن حكم الحزب الواحد أو التعدي على الغير ، بل هي الحرية لكل متعبد مسلم أو مسيحي أو بوذي على حد سواء و لا يعتدي بعضهم على بعض ، و هذا مبدأ العلمانية الأساس ، ألا و هي الحرية الشخصية الكاملة …

فالعلمانية تعطي لكل دين كامل الحرية ، و كامل الطرق التعبدية للفرد المتدين ، فنرى بأوروبا مثلا ، الصلاة و الصيام و المساجد و المآذن مرتفعة بجانب الكنائس ، و لكل منهم تمام الحرية .. عكس ما هو في بلادنا الإسلامية

، التي تظلم و تبطش بكل معاند و تضايق كل مخالف ، و تقتل و تسجن كل ناقد و معارض لهم ..

و ما يدعو للضيق أنهم أدخلوا الدين بكل أخطآئهم ، و شرعوا لها ، حتى أصبح الحكم الديني فاشلاً بامتياز ، و لذلك بصمات بكل بلد يُحكم الآن بإسم الدين و تطبيق الشريعة ، حسب ما يزعمون ..

أما في هذه الآونة الأخيرة ، في العراق ، و بعد إخفاقهم و خيبتهم في تشويه صورة العلمانية ، و كذلك فشلهم في الحكم بإسم الدين أو تطبيق الشريعة الحنيفة ، أصبح الكل ينادي بالمدنية و العلمانية ” إلا القليل ” ، و حتى المتشددين من رجال الدين ..

هذا ليس لأن الدين تغيّر ، و لا العلمانية اختلف تفسيرها ، بل لأن العقول تغيرت و نضجت و فهمت الحقيقة و أيضاً أصبحت مصالح رجال الدين بخطر ، لسوء إدارتهم ، وأصبح الدين بواجهة فسادهم ، بعدما استخدموه حتى باتت صورته سوداء و ملطخة بالفساد بسببهم و بحماقاتهم ..

و للطرفة ، حتى الآن نرى خشية من بعض رجال الدين و القيادات السياسية من الإسلاميين و المعممين المنادين ” للمدنية ” أن يسموها ” العلمانية ” بتسميتها الصريحة ، بل أصبحوا يراوغون الناس البسطاء بتسميتها ” المدنية ” هذا كله لأنهم قد تعمقوا جداً بتشويه هذا الإسم و حتى الآن لم ننسَ كلامهم عنها ، فاستخدموا هذا الإسم البديل ” المدنية ” تحايلاً على عقول الناس ..

أيها السادة ، أيها الأفاضل ، اليوم ليس كالماضي ، و علينا جميعاً فهم ما تعنيه العلمانية ( المدنية ) و توعية الناس عليها ، حتى يتسنى لنا العيش بحريتنا التي فقدناها أو بالأحرى التي لم نرَها مطلقاً ، بسبب المتسلطين من رجال الدين والأحزاب الإسلامية و ليكن مطلبنا في كل وقت و بكل فرصة تسنح لنا ، بحكومة علمانية بعيدة كل البعد عن رجال الدين و المعممين و كل من يضن نفسه يفهم الدين أكثر من غيره و يُضل الناس و يزيدهم بؤساً و فقراً …. و الله ناصر الشعوب ..

المقال السابقالطّريق إلى المعنى
المقال التالىأساليب حكم الشعوب
ولد الكاتب العراقي أحمد كامل الجبوري في مدينة القادسية جنوب بغداد في الخامس من كانون الأول_ديسمبر من عام 1991 م - يعيش في بغداد على شواطيء دجلة الخير .. مهندس - حاصل على شهادة البكلوريوس في هندسة الحاسوب/ قسم الشبكات .. نُشرت له مقالات متنوعة ، علمية ، فلسفية و سياسية أيضاً ، في مجلّات و مواقع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد