أساليب حكم الشعوب

 

لابد لكل شعب من حكومة تسير له أعماله وتنظم حياته وعلاقات أفراده بشكل ما يقره دستور اختار بنوده بنفسه بعد أن كتب فقراته ممثلين عنه فلا يعقل أن يشترك كل الشعب في كتابة دستور ولكن الأغلبية تتوافق عليه ثم يجري التصويت على إقراره أو لا وتلتزم به الحكومة وتلك البنود تكون كما عرفتها الشعوب من خلال تطور تجربتها الذاتية أو باقتباس ما يناسبها من حياة الشعوب الأخرى وهي (أي الحكومات) على أنواع منها من تتربع على عرش السلطة بالقوة ومنها من يتداول على استلامها بالوراثة ومنها من ينتخبها الشعب ولكل واحدة منها تسميتها الخاصة ولكن بعض الحكومات يكون لها امتداد شعبي أكثر من غيرها ناتج عن إيمان بما تحمل بين ثناياها من أفكار ربما على أساس ديني أو قومي أو أي انتماء تتبناه ويساندها فيه شعبها واصطلاحا قد تسمى هذه الحكومات عقائدية وتبنى على أسس متينة من الصعب الى مدى بعيد الفصل بينها وبين شعبها ومن الأصعب تغير رموزها الذين يتربعون على قمة عرش سلطتها وهي أكثر قوة حتى من الحكومات التي تقوم على أساس وطني جمهوري أو ملكي وراثي وحتى أقوى من تلك التي تعارفنا على تسميتها بالحكومات الديمقراطية التي ينتخبها شعبها خصوصا إذا أخفقت في جانب من مشروع دعايتها الانتخابية ولسنا نقصد احد من كلامنا هذا ولا مقارنة بين حكومة وأخرى ولا نزايد على وطنية حكومة ما عن غيرها بل نحاول البحث في اسباب قوة الحكومات فقط.

لنحاول دعم ما تقدم بأمثلة معروفة توضح الفكرة أعلاه فمثلا حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تستمد قوتها من الشرعية التي منحها لها الشعب الأمريكي الى حد ما ولكنها غير كافية لوحدها لتجعلها تقود العالم وتفرض ما تشاء من عقوبات على حكومات العالم وشعوبها وحتى تلك القوية منها أو تتقارب مع حكومات أخرى وطبعا هذا يخضع الى طبيعة مصالحها الخاصة لولا صرامة تطبيق القوانين والتشريعات التي اقرها ممثلو شعبها بالاعتماد على مراكز دراسات بحثية متخصصة تدعم ما تريد الحكومة انجازه بوقائع وأدلة وبراهين واضحة وبهذا يمكن أن نقول عنها أنها حكومة ديمقراطية واقعية وطموحة وهذا ليس مدحا لها إلا بقدر مراعاتها لحقوق شعبها وما تقدمه له من انجازات إضافة الى إنها (أي الحكومة) ومن ضمن بنود دستورها لا يمكنها البقاء مهما كانت الأسباب أكثر من دورتين انتخابيتين مدة الدورة الواحدة أربع سنوات وهذا من بين أهم أسباب نجاح الحكومة ودافع قوي يجبرها على الاستقامة والنزاهة لان القانون لا يحميها متى ما انحرفت بل هو من يدينها وسيقدم رموزها للمحاكمة حال انتهاء دورتها الانتخابية أو حتى أثنائها كما حصل مع الرئيس السابع والثلاثون ريتشارد نكسون واجبر على الاستقالة وأحيل للمحكمة بفضيحة سميت حينها (فضيحة ووتركيت) عام 1974 وفي حالة مشابهة حصلت في بريطانيا حيث اضطر تون بلير رئيس الحكومة الأسبق الى ترك منصبه على خلفية أخطاء حكومته ومطالبة البرلمان بتنحيه وقد حصل أن حوكم جاك شيراك رئيس وزراء فرنسا الأسبق وأدين قضائيا بعد انتهاء ولايته الانتخابية على خلفية تمويل حملته الانتخابية ولا حماية لمن يسيء لمنصبه في الحكومات الديمقراطية الوطنية الحقيقية.

في الحكومات الملكية التي تقوم في البلدان الأقل تحضرا يكلف الملك المصون ذو الصلاحيات المطلقة والتي ورثها عن أبيه أو أخيه شخصا ما بتشكيل حكومته بناءا على انتخابات يعلم الله مدى نزاهتها وطريقة إجراءها إذا حصلت وهي طبعا مفصلة لحساب نماذج معينة ليفوزوا بها حسب ما تراه بطانة العائلة المالكة ومن هو فوقها في سلم الهرم القوي وهذا الشخص الذي يشغل منصب رئيس الحكومة يعين الوزراء وتقر حكومته وفق الدستور وتمارس مهامها ولكن يجب عليها مسك العصا من الوسط في إرضاء الشعب بالطريقة التي تراها مناسبة وإرضاء من هم فوقها أيضا بما تراه مناسبا وإذا مالت الكفة لأحد الطرفين سقطت الحكومة واستبدلت بأخرى بطريقة حتما تبدو مقنعة للجميع أيضا كأنها ديمقراطية ولكن في الغالب الأعم تنجو من المسائلة رغم إن الجميع يقر أنها تعثرت أو أخطأت حتى وان كانت لأسباب خارجة عن إرادتها ليكون احمد ما الضحية وإلا لماذا استبدلت.

هناك نوع آخر من الحكومات يستبدل فيها جميع من يعلو هرم السلطة الى ما دون الوزراء وربما يشمل الاستبدال من هم بدرجة رئيس الوحدة الإدارية وحتى تصل الى من هم بدرجة مدير عام أيضا بانتخابات تعتبر دستوريا ديمقراطية ولكنها تقوم على ما يشبه التوريث الحزبي فتبقى القيادات الحزبية تتحكم في من يدير البلاد (بما معناه أن يكون لها واجهة) حتى وان تنحت بطريقة ما عن رأس الهرم لان من يشغل مكانها من نفس حزبها يكون هنا تبادل منفعة حيث إن الحكومة تحمي من سبقها بينما يوفر هو لها غطاء الحماية الحزبية المطلوبة فينجو الجميع من المسائلة والمحاكمة ويحتفظ كل واحد بما اكتسب والجميع يتمتع بالحصانة بالقانون ضد القانون مهما كانت قوته ومن الشعب مهما علا صوته ومهما طالت مدة صراخه وهذا النوع من الحكومات يؤسس لمافيا فساد وحكومات ظل وعميقة تعمد الى استخدام القوة التي قد تصل الى تصفية الخصوم والمعارضين في تحقيق غاياتها وتبقى في حالة تربص بينها وبين شعبها ومصيرها الزوال مهما طال عمرها لان الشعب هو مصدر القوة ومصدر السلطات وأساسها وهي حتما من خلال أخطائها توسع الهوة بينهم مهما تظاهرت بالوطنية .

يبقى أن نشير الى نوع مهم وقوي من الحكومات التي تكتسب قوتها من شرعية القانون الذي أسسته وتماسكها مع شعبها على أساس عقائدي ربما ديني أو بصورة أدق طائفي أو قومي وهي دائما تبحث عن مخالف لها في الرأي لتتخذه عدوا تقنع به شعبها وتشغله عن متابعة خطواتها وتختلق الفنون في ذلك أو لنقل أنها تخلق الأزمات التي يمكن أن نعتبرها الايجابية بالنسبة لها ولشعبها وبمرور الزمن كلما طال عمرها تتجه الى الصرامة في تطبيق نظرياتها العقائدية ولا تتورع في اتخاذ أي قرار ضد مخالفيها تتمسك بالحكم لأنها تعتبره وسيلتها لتطبيق ما تؤمن به وبمرور الزمن مع نمو أجيال جديدة في شعبها تبدأ تأكل نفسها وان كانت تديم زخم أسباب قوتها لكنها تصبح هشة ضعيفة وسقوطها يكون مدوي لا يقف اهتزازه عند حدود شعبها بل يشمل كل من امن بفكرها فتكون ردة الفعل عنيفة جدا كما حصل في الاتحاد السوفيتي السابق وربما قريبا يحصل في دول أخرى قد تبدو قوية واهم سبب لهذا السقوط هو تمسك الحرس القديم بمنهجه الذي جاء به الى السلطة وعدم السماح لفكر ولدماء الشباب المحدث بالمشاركة في تطوير نظرياتها العقائدية .

لا تعليقات

اترك رد