مزاريب نوتردام تحترق ونصب و تماثيل العراق تحتضر

 

من الوهلة الأولى هكذا بدت نظرات المجتمع الفرنسي أوجه شاحبة حيث غمة عليه الأحزان و الهموم ما بين حزناً وبكاء على تاريخ يحترق أمام أعينهم “كاتدرائية نوتردام” التاريخية التي غلبت “برج إيفل” في الشهرة السياحية غلبتها النيران و التهمت برجها المدبب “نوتردام” تعني بالعربية كاتدرائية “السيدة العذراء” تم تشييدها في القرن “الثاني عشر” عام 1163 (بحسب ما هو مذكور في الموقع الرسمي للكاتدرائية) و استغرق بناؤها قرنا من الزمان شيدت منذ 850 عاماً يؤمھا أكثر من 15 مليون زائر سنوياً وتعد من الرموز الأكثر جاذبية في قلب العاصمة الفرنسية “باريس” هذه الكاتدرائية تعتبر مثال على فن العمارة القوطية ارتبط أسم الكاتدرائية التاريخية المنكوبة بأحداث وأعمال مهمة في فرنسا مثل رواية الكاتب الفرنسي الشهير “فيكتور هوغو” “أحدب نوتردام” والحروب الدينية “الثورة الفرنسية الشهيرة” وتوج فيها “هنري السادس” ملكاً ونصب فيها “نابليون” إمبراطوراً تم إدراجها على لائحة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1991 تحتوي الكاتدرائية على مئات اللوحات الفنية والقطع الأثرية يوجد فيها تاج الشوك الذي وضع على رأس “المسيح” وتحتوي أيضا على 29 كنيسة داخلية و 113 نافذة ملونة، ويبلغ طولها نحو 128 مترا، و فيها 10 أجراس تاريخية مميزة المبنى مدعم بأعمدة اسمنتية قوية كذلك الجدران مبنية بواسطة دعامات اسمنتية وفولاذية لمنع أي اعتداءات خارجية عليها أن الحريق الذي التهم أغلب البناية و إنهيار البرج الرئيسي لها حيث خلف نشوب هذا الحريق الكثير من الأضرار أذا كان على مستوى البناء أو على مستوى الأثار و التحف التي بداخلها وخلف بالأخص صدمة عميقة للمواطن الفرنسي بشكل عام وقال الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في خطاب تلفزيوني إنه سيتم إعادة ترميم وبناء كاتدرائية “نوتردام” لتصبح أجمل، في غضون خمسة أعوام على الأكثر.

حادث الحريق ليس الأول في تاريخ هذه الكاتدرائية لكنه الأضخم خاصة مع سقوط سقفها حيث تعرضت الكاتدرائية الى أعمال تخريب في الماضي أبرزها

التخريب الأول: في العام 1548 حين قام بعض المتدينين في فرنسا بتدمير أجزاء كبيرة منها تحت حجة أنها وثنية ولا تمت للديانة المسيحية بصلة!.
التخريب الثاني: آبان عهد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر وبعده لويس الخامس عشر حيث تعرض تمثال ضخم “للقديس كريستوفر” كان موجودا في المدخل الغربي “لنوتردام” لتخريب والتدمير يرجع تاريخه إلى عام 1413، ودمر عام 1786.
التخريب الثالث: دمر المخربين مقابر ونوافذ من الزجاج الملون الموجودة في الشمال والجنوب لصرح “نوتردام”.
التخريب الرابع: في عام 1793 قام المخربين بتدمير عدداً من تماثيل القديسين بحجة أن الكنيسة هي للعبادة وليست للفنّ والبدع!.
التخريب الخامس: خلال اندلاع الثورة الفرنسية فتعرضت “نوتردام” للدمار والنهب على أيدي الثوار الذين أرادوا فصل الدين! عن الدولة كذلك “تقسيم خيرات البلد على الناس”.
التخريب السادس: في الحرب العالمية الثانية حيث تعرضت لتخريب والدمار وكان أكبر شيء تدمر فيها زجاجها الملون و أصيبت بعدة رصاصات في جدرانها.

هذه الشعوب تقدر التأريخ وتقدس الحضارة التي تمتلكها وتحترم الثقافة والمثقفين والمعالم الحضارية والتاريخية لديها نظرة عميقة إتجاه التراث والآثار بل هي ثقافة منتشرة بين شرائح هذه المجتمعات التي تحترم المعالم التاريخية إصلاح الكاتدرائية سوف يتطلب سنوات من العمل و تكلفة باهظة جداً لكن المثير بالموضوع بعد السيطرة على الحريق تم فتح باب التبرعات الوطنية ولم تمض 24 ساعة على الحريق الهائل الذي أتى على الكاتدرائية حتى توالت التبرعات سواء من داخل فرنسا أو خارجها لترميم الكاتدرائية وتم جمع مبلغ 750 مليون يورو لإعادة بناء “كاتدرائية النوتردام” حسب ما قالته وكالة فرانس24 وساهم العديد من أثرياء فرنسا وخارج فرنسا بالتبرع بالمال لإعادة ترميم “نوتردام”.
وإليك عزيزي القارئ بعض المتبرعين
تبرعت مجموعة “إل في إم إتش” بـ 100 مليون يورو.
و تبرعت عائلة الملياردير الفرنسي برنار أرنو بـ 100 مليون يورو.
تبرع الملياردير الفرنسي، فرانسوا هنري بينو، بـ 100 مليون يورو.
و تبرعت عائلة بيتانكور وشركة “لوريال” الفرنسية بـ 200 مليون يورو.
وبلدية باريس بـ 50 مليون يورو.
ومنطقة إيل دو فرانس بـ 10 ملايين يورو.

وعرضت ألمانيا وإيطاليا تقديم المساعدة، كما اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إرسال “أفضل الاختصاصيين الذين لديهم خبرة واسعة في ترميم صروح التراث العالمي بما يشمل أعمال الهندسة المعمارية التي تعود إلى القرون الوسطى”. كذلك عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المساعدة من خبراء أميركيين.
وسوف تساهم لعبة الفيديو الشهيرة “Assassin’s Creed Unity” التي أطلقت أواخر العام 2014 في إرجاع كاتدرائية نوتردام إلى وضعها الطبيعي حيث أن مشاهد اللعبة تجري داخل كاتدرائية نوتردام وقالت شركة “يوبيسوفت” المطورة للعبة أنها صنعت بعض تفاصيل اللعبة لكن 80 بالمئة من وقتها خصصته لإنشاء تصميم شبه حقيقي “لكاتدرائية نوتردام”.
وقالت: “الكاتدرائية تعتبر من أهم محاور اللعبة، حيث يمكن للاعبين استكشافها من الداخل والخارج والتعرف على أدق تفاصيلها”.
من هنا سوف تعلم البعد الحضاري لدى هذه الشعوب على عكس شعوبنا العربية بصورة عامة والعراق خاصة فهل حافظ العراق على معالمه الحضارية والتاريخية كما فعل الشعب الفرنسي؟ ففي بلاد الرافدين حل ما حل من دمار و تخريب بكل شيء أثري منذ أن اجتاحها التتار الديني و العمائم الدينية الإسلامية حتى اتسعت دائرة التخريب و التشويه لتشمل الرموز الفنية و التماثيل والمعالم الحضارية حملت توقيع أشهر نحاتي العراق والعالم وكانت باكورة عملية التدمير والسرقة للرموز الحضارية في العراق هي..

سرقة تمثال “عبد المحسن السعدون” في أول أيام دخول القوات الأمريكية الى العراق وهو ثاني رئيس وزراء في العهد الملكي في العراق أنجز التمثال عام 1933 مصنوع من البرونز يقف على قاعدة رخامية بزيه الطبيعي ويحمل أوراقا بيد وأخرى طليقة التمثال من عمل النحات الإيطالي”بياترو كانونيكا” وهو يعد من أبرز الفنانين الإيطاليين في عصره وهو ذات النحات الذي أنجز في العاصمة التركية أنقرة تمثال “مصطفى كمال أتاتورك” مؤسس دولة تركيا الحديثة.

سرقوا نصب “ثوار حركة مايس” في ساحة أم الطبول.
سرقوا تمثال “الأم العراقية” عند مدخل مدينة الثورة سابقاً أسموها اليوم “مدينة الصدر!”
سرقوا تمثال “الفارابي” هو فيلسوف مسلم اشتهر بإتقان العلوم الحكمية وكانت له قوة في صناعة الطب.
فجروا تمثال مؤسس بغداد “أبو جعفر المنصور” وهو الخليفة العباسي الثاني و المؤسس الحقيقي للدولة العباسيةِ وباني بغداد.
قاموا بإزالة نصب “المسيرة” الذي يقع في منطقة “علاوي الحلة” وسط بغداد وهو من أعمال النحات العراقي “خالد الرحال”
قاموا بإزالة نصب “اللقاء” الذي كان ينتصب في منطقة المنصور وسط ساحة “اللقاء” وهو من أعمال النحات العراقي “علاء بشير”
قاموا بإزالة نصب “الأسرى العراقيين” في السجون الإيرانية.
قاموا بإزالة نصب الطيار “عبد الله لعيبي” الذي قام بتصميمه آنذاك نحات فرنسي تم إزالة التمثال بعد أن علموا أن هذا الطيار أسقط 3 طائرات إيرانية وبعد أن نفذ كل ما تبقى من عتاده انقض بطائرته على طائرة إيرانية و اسقطها كما فعل الطيارين اليابانيون في حربهم مع أمريكا.

قاموا بإزالة نصب “المقاتل العراقي” أيضا

شنت هذه الأحزاب الدينية في العراق منذ توليها السلطة حملة إبادة على التماثيل والرموز الحضارية والى الأن لن تتوقف مساعيها في الخراب والتدمير

أحد الأحزاب الدينية في العراق امتطوا “أسد بابل” وكأنهم يمتطون بغلة تطير في السماء “أسد بابل” قطعة أثرية مصنوعة من حجر البازلت الأسود الصلب يرجح بناء هذا التمثال من قبل الملك البابلي الكلداني “نبوخذ نصر الثاني” تم العثور على هذا الأسد الأثري من قبل بعثة حفريات أثرية ألمانية سنة 1776.

قاموا بتشويه تمثال الشاعر الكبير “بدر شاكر السياب” تارة يلبسونه السواد! حزناً على مناسباتهم الدينية وتارة أخرى يضعون بيده رايات و أعلام حسب طقوسهم الدينية ثم أصدروا حكم إعدام بالرصاص على تمثال الشاعر وقاموا بإطلاق النار عليه وأخيرا وضع حول تمثال السياب “سياج!” لحمايته من التخريب التمثال يقع مقابل كورنيش شط العرب في مدينة البصرة والذي صمّمه ونفّذه النحات العراقي “نداء كاظم” عام (1939) وأزيح الستار عنه عام 1970.
الأحزاب الدينية في العراق تجبر التماثيل عنوة على مبايعة مذهب معين! فهل هذه الأحزاب بكامل قواها العقلية؟ أم هي أحزاب تعاني من “الشيزوفري دينية!”.

تمثال “أبو نواس” وهو شاعر عربي من أشهر شعراء عصر الدولة العباسية الأخر لم يسلم من التخريب سرقوا في بداية الأمر الكأس التي كانت بيده لم يكتفوا بذلك بل أقاموا عليه الحدود و قطعوا أصابعه و للمعلومة قطع الأصابع هو أحد أهم طقوس مافيا “الياكوزا” اليابانية للتكفير و الإعتذار عن ذنوبهم لكن ما الجرم الذي فعله “أبو نواس” لتكفير عن ذنبه حتى تقطع أصابعه؟

حتى “اليهود” لم يسلموا من بطش الأحزاب الدينية قاموا بهدم بيت “ساسون حسقيل” العراقي أول وزير مالية في حكومة العراق أبان العهد الملكي المنزل عبارة عن تحفة فنية تحمل عبق التاريخ والذكريات القديمة المنزل شيّد قبل 100 عام في شارع الرشيد وسط بغداد “ساسون حسقيل” خدم العراق بأمانة و إخلاص فتم تكريمه من قبل أمانة بغداد بهدم منزله! و تحويله الى استثمار تجاري!؟

هدم كنيسة “السريان الكاثوليك” في منطقة “الشورجة” وسط بغداد هذه الكنيسة التراثية المشيدة عام 1834م تعتبر واحدة من ثلاث كنائس عثمانية ستهدم قريباً ويشيد مكانها مجمع تجاري!؟

تحويل “دير الرهبان الكلدان” في منطقة “الدورة” الى مركز تجاري!؟
عمر هذا الدير يصل الى 75 عاماً

تمثال “المرأة الكادحة” الأحزاب الدينية بين مناسبة وأخرى تليها تقوم هذه الأحزاب بتغطية تمثال “أم سوادي كهرمانة” بالقماش في مدينة الديوانية جنوبي العراق بسبب مناسبة دينية “أم سوادي” تمثال شيد على يد نحات عراقي التمثال شبيه بتمثال كهرمانة في بغداد ويحكي هذا التمثال الذي صنع من الأسمنت للأهالي تفاصيل من حياة المرأة الفراتية قديماً إذ يمثل سيدة كادحة تحمل على ظهرها جرة ماء كرمز إلى النماء والخصوبة وأطلق أهالي المدينة اسم أم السوادي على التمثال تيمنا بقصة أم سوادي وهي امرأة فقدت عقلها بعدما باع ابنها سوادي أرضها، فراحت تشتكيه لأهالي المدينة.

العمامة يا سادة والأحزاب الدينية هي مشروع ليس فقط لهدم الجمال والنصب والتماثيل والمعالم الحضارية بل هي مشروع لهدم العراق بأكمله عملية تدمير هذه المعالم الحضارية هو دليل على جهل و تخلف هذه الأحزاب وما جاءت به من تعاليم مسمومة أصابت بها المجتمع العراقي ولن تتوقف هذه الأحزاب عن هدم هذه النصب و التماثيل ولن تكون الأخيرة وأنا متأكد من ذلك بل سوف يهدمون في الأيام القادمة كل ما تبقى من معالم حضارية و تماثيل جميلة لا تستغرب من هذه المافيا الدينية فسوف تسعى في الأيام القادمة لهدم
“نصب الشهيد” الذي صممه الفنان العراقي “إسماعيل فتاح الترك”
“نصب الجندي المجهول والسيفان” من تصميم النحات العراقي الراحل “خالد الرحال”
“نصب كهرمانة والأربعين حرامي” للفنان “محمد غني حكمت”
“نصب البساط السحري” لمحمد غني حكمت أيضا
تمثال “عبّاس بن فرناس”

كل هذه المعالم مهددة بالتنكيل و التفجير و الإزالة والتخريب لا طالما العقل غائباً في مجتمعنا العراقي فنحن في دولة تحكمها أحزاب دينية لا تنتظر منها سوى الدمار! لم يسلم منهم لا البشر ولا الحجر ولا حتى الحيوان..

المقال السابقما أروع شمس مغيبكَ
المقال التالىمثقفي السلطة… إلى أين ؟؟؟
مهند صباح عراقي الجنسية مقيم في فنلندا ولدت في بغداد التحصيل العلمي : حاصل على شهادة دبلوم كهرباء ، درست في مجال الكومبيوتر لمدة ثلاثة سنوات أتحدث عدة لغات هواياتي متعددة أهمها القراءة و المطالعة شغوف في مشاهدة الأفلام و قراءة الروايات، ولعي بالكتابة في السياسة و نقد الأديان مؤمن بمنطق العقل و ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد