ما هي حدود العلاقة بين العقل والدين ؟

 

ما هي حدود العلاقة بين العقل والدين؟
الخوض في الإجابة على هذا السؤال القديم الجديد، وليس فقط على هذا السؤال بل أيضا على حدود العلاقة بين العلم والدين، وكذلك بين السياسة والدين، وكانت هناك مساجلات عميقة منذ ما عرف الإمام الغزالي بمقارعته القوية للفلاسفة والمتكلمين، إذ رد عليهم في أهم كتبه كتاب ( تهافت الفلاسفة ) والذي رد عليه بدوره بن رشد في كتابه الموسوم ب( تهافت التهافت ) ويصب هذا الحوار في إطار مناخ من التعددية ولا يمثل التناقض بين النظر العقلي والشريعة ذاتها.
يعتبر ابن رشد أن الدين الإسلامي يجل العقل، ويدعو إلى استخدامه، ويستدل بآيات كثيرة ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) وآيات أخرى كثيرة، واعتبر أن الحق لا يضاد الحق بل يؤيده ويشهد له، وهناك تفصيلات كثيرة تطرق لها ابن رشد، ويرى أن النص القرآني يخاطب العقل والروح والجوارح معا، وفي القران الكريم ما يدعو إلى التأويل فهو إما محكم وإما متشابه، فالمتشابه يحتمل التأويل، لكن التأويل لا يترك للزائغين بل له ضوابطه ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب )، وهناك آيات أخرى ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل )، ( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم )، لذلك ستكون الغالبية غير مؤمنة ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) رغم أن الله تكفل بانتشار هذا الدين حتى يصبح حجة على الناس.
فيما الغزالي كان يرفض التسليم والوثوق في كل شئ ذهب إليه علماء الكلام والفلاسفة، وهو شك عقلي منهجي يريد من خلاله الوصول إلى اليقين، فمثلا يرى أن العين التي ترى النجوم بهذا الحجم الصغير تناقض ما تدل عليه حسابات الهندسة والفلك التي تجزم بحقيقة أن حجم هذه النجوم هائل جدا، لذلك يعتبر الغزالي أبا الفكر الأوربي الحديث رينيه وديكارت في إتباع منهج الشك المرحلي وصولا إلى اليقين الدائم.
ويركز الغزالي على ترك التقليد جانبا ووضع الآراء المتباينة موضع البحث لتمييز ما يثبت صحته وجودته هو منهج شك وتمحيص سليمين، لذلك لا يعتبر الغزالي معطل للعقل كما يدعي مناهضوه، وكذلك تأليب بعض الفقهاء في عصر بن رشد عليه ودعوتهم إلى عدم تداول كتبه وملاحقتها واتهامه بالظلامية، وهو ما دعا الغزالي يؤلف كتابا ب( إلجام العوام عن علم الكلام ) وهو كتاب يؤيده ابن رشد ويشهد له، وذلك بتصنيف الناس ثلاثة أصناف وهم الخطابيون وهم العامة، والجمهور يخاطبون بالموعظة، والجدليون وهم جمهور من الفقهاء والمتكلمين يخاطبون بالمجادلة والبرهانيون وهم الحكماء والراسخون في العلم وهؤلاء هم أهل التأويل وإدراك الحقائق يخاطبون بالحكمة والموعظة الحسنة ( وجادلهم بالتي هي أحسن ).
هناك قاسم مشترك بين الغزالي وديكارت في اعتبار أن الشك أقوى دليل، ويعتبر الغزالي أهمية التهجم على كل مشكلة وهو يختلف عن نيتشة الذي يعتبر أسلوبه تهجميا على فلاسفة مرحلته مثل تهجمه على كانط الذي يعتبره شخص لاهوتي يختبئ خلف قناع الفلسفة، لكن الغزالي يقول أتفحص عقيدة كل فرقة، واستكشف أسرار كل مذهب لأميز بين محق ومبطل ومتسنن ومبتدع، فلا أغادر فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا اجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته.
فالغزالي وابن رشد يثقان بالعقل ثقة كبيرة جدا والتي تميز الحق عن الباطل، بل إن الغزالي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو حاكم العقل حيث يرى أن وراء إدراك العقل حاكما آخر إذ تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وهو يريد أن يصل إلى أن إدراك العقل نسبي ومحدود تماما رغم تميزه، لذلك سمي الغزالي بحجة الإسلام باعتبار أنه سبق جهابذة الفلسفة النقدية الأوربية الحديثة ولا سيما كانط الذي وضع كتابه عن العقل الخالص والذي ينتقد فيه العقل ويبين حدوده ونسبيته وعدم قدرته على إدراك الأشياء ذاتها، أي الحقائق الغيبية الإيمانية المطلقة.
لذلك كان الغزالي حريصا من أن يقع العقل في الشبهات كما في كثير من فرق الكلام والمدارس الفلسفية الذين انتقدهم، ولم يطلق العنان لكي يخوض في الغيبيات التي هي حقائق إيمانية تفوق قدرة العقل ووسائله ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) لذلك لن يقبل الله سبحانه وتعالى إيمان أي إنسان بمجرد انكشاف هذا الغطاء ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ) كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ( حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين )، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) رواه الترمذي.
فلاسفة التنوير في أوربا كديكارت وهيغل ونيتشة وهيدغر كبار فلاسفة أوربا، لكن كانط يعتبر فيلسوف أوربا الأكبر في الغرب، وهو الذي صالح الدين المسيحي بالحداثة والعقل بعدما كان متشددا طائفيا تكفيريا، وعلم الغرب كيف يستخدم عقله بشكل صحيح قبل أكثر من قرنين، وليس هذا فحسب بل أيضا ركز على مكارم الأخلاق، ويرى أنه ينبغي أن تستخدم العقول لكي يتم التحكم في الشهوات والغرائز ولا يتم تركها للتحكم في الإنسان من أجل الوصول إلى عالم مسالم يسوده الإخاء والتعايش.
كانت أفكار كانط تعتبر أفكاره ثورية في القرن الثامن عشر التي أتت بعد ثورة علمية في أوربا بدء من القرن السادس عشر على يد كوبرنيكوس واستمرت في القرن السابع عشر على يد غاليليو وديكارت ثم توجت لاحقا على يد إسحق نيوتن حتى أن البعض قال لولا نيوتن لما كان كانط.
لقد أعطى نيوتن لكانط ثقة هائلة بالعقل البشري بإمكانياته، عندما اكتشف القوانين التي تمسك الكون وتتحكم به كقانون الجاذبية وسواه، وأراد كانط أن يصل إلى حقائق فلسفية كالحقائق اليقينية في مجال العلوم الفيزيائية والفلكية، واكتشاف أسرار الكون وقوانينه، تمكن كانط من إنقاذ الفلسفة الغربية من خطرين ماحقين الأول خطر الارتياب والشكوكية العدمية على طريقة الفيلسوف الأنجليزي ديفيد هيوم الذي رفض الديانات والمسيحية كدليل على وجود الخالق، وركز على المبادئ التجريبية والمفسرة الموجودة من أجل دراسة ظاهرة العقل البشري، حيث تأثر بتجريبيين مثل لوك وجورج بركلي وآمن بوجود عالم ما خارج منطقة الشعور الإنساني، ولكن لم يطرأ على ذهنه أن هذا الاعتقاد كان من الممكن إثباته.
والثاني هو خطر الدوغمائية الإنغلاقية التعصبية المتحجرة على طريقة وولف تلميذ لايبنتز ومعتقداته الجبرية التي كانت واضحة، حيث يتبنى مذهب لايبتس الانسجام المسبق أكثر بروزا من نظرية الوحدة الواحدة حيث يعتقد أنه يخلص لسلطة العقل والرياضيات.
لقد اتخذ كانط خطا وسطا بين هذين الحدين المتطرفين، وهنا يكمن سبب نجاحه وانتصاره على العدمية والدوغمائية في آن معا عكس السائد الآن في الغرب حيث تتحكم الغرائز في العقل فبلغ الشذوذ والاستسلام للشهوات مبلغه كما في الوقت الحاضر في أوربا وساهم في الانحلال الأخلاقي باسم الحرية.
تأثر كانط بمفكرين هما نيوتن وجان جاك روسو الأول كشف له أسرار العالم المادي، والثاني كشف له أسرار العالم الروحي والأخلاقي، خصوصا وأن جان جاك روسو له شريك مسلم أبو زيد شاركه في كتابة كتابه العقد الاجتماعي مستفيدا من وثيقة المدينة التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة ( يذكر ذلك الدكتور حامد الرفاعي رئيس الحوار العالمي في كتابه العقد الاجتماعي ).
وكما يقول كانط أعادني روسو إلى رشدي، ووضعني على الطريق الصحيح، ففي السابق لم أكن أحترم سوى العلماء والفلاسفة والمثقفين، لكني الآن أحترم كل إنسان في كرامته الإنسانية والأخلاقية، حيث تأثر روسو بما يؤمن به أبو زيد إذ أن في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم إسلام الضعفاء، وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجلس مع أهل الصفة في المسجد مع الفقراء، وكيف أن تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته لكسر العظمة والمكانة ويطلب من عمر بن الخطاب إذا التقى أويس القرني وهو شخص لم يرى الرسول صلى الله عليه وسلم وليس له مكانة اجتماعية فقط لأنه كان إنسانا بارا بأمه وهو ما جعله يتأخر عن الالتقاء برسول الله فطلب من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إذا لقيه أن يطلب منه أن يدعو له الله، وعندما لقيه عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين طلب منه أن يدعو له الله، وتبعه في ذلك بقية الصحابة، فخشي أويس على نفسه الفتنة فاختفى.
العقل إذا ما فهم جيدا فإنه لا يتعارض مع الدين، بل يمكن أن يتحالف مع الإيمان بغية الوصول إلى الحقائق السماوية التي أتت في الأديان، وهو بين اليمنيين المتطرفين دينيا والذين يكرهون العقل والعقلانية، وبين اليسار المتطرف فلسفيا والذي يكره أيضا كل شئ له علاقة بالدين والإيمان، خصوصا في عام 1780 نشط الفكر الإلحادي لسبينوزا الذي يعتبر ديكارتية متطرفة استوعب الآراء الإلحادية جميعها التي كانت قبله، فديكارت كان يؤمن بأن الكون مكون من ثنائية مادة وروح، والأصل هو الانفصال، إلا أن مذهب سبينوزا يؤمن بوحدة الجوهر، ويعتبر الجوهر قوانين أزلية ناظمة وحاكمة لهذا الكون بكل ما فيه، بهذا الفهم يكون هناك تطابقا بين الإله والطبيعة.
فيما واجه كانط الحاد سبينوزا من أن العقل لا يحق له أن يتجاوز إلى ما وراءه، وما وراءه من اختصاص الدين، فلا يستطيع العقل مثلا البرهنة على وجود عالم آخر بعد الموت، وحده الدين يستطيع ذلك، وقال عبارته المشهورة لقد أوقفت العقل عند حده لكي أفسح المجال للإيمان، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، نشهد أنك الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

لا تعليقات

اترك رد