نيوزيلندا وسيرلانكا .. مقارنة باطلة


 

ماهي المقارنة؟..ولماذا نعتمد عليها في قياس أي تأثيرات تمس حياتنا من أجل تحسينها وتعديلها وضمان رقيها وسيولتها في دفع الإنسان للتعلم والفهم والإدراك. فمنهجية المقارنة تعني لغويا المقايسة بين ظاهرتين أو اكثر بهدف تقرير أوجه الشبه والاختلاف فيما بينهما، أما اصطلاحيا فالمقارنة هي أحد الاساليب المنطقية الاساسية لمعرفة الواقع الموضوعي.
في سياق هذا المفهوم، طالعتنا العديد من التغريدات والتعليقات وحتى المقالات لفهم ما حدث في نيوزيلندا وربطه تماما بما حدث في سيرلانكا من ارهاب وكأنه حادث واحد أساء للأنسان وقتل الأبرياء وشوه مضامين البشرية والإنسانية تحت مسمى الإرهاب وهي لا شك مقارنة غير منطقية ولا عقلانية بالمرة.
يقول البعض وأحسبهم كثيرون، بأن حادث نيوزيلندا هو حادث ارهابي وخسيس وعنصري الخ..ولكن ما يغيب عن بال هؤلاء بأن منفذ العملية لم ينطلق من كتب دينية أو تعاليم مقدسة أو وصايا من خلفاؤه وتابعيه وسلفه وأئمته (كما فعل منفذ حادثة سرلانكا). بل قام بهذا الفعل الوحشي كردة فعل على أزمة المهاجرين العرب والمسلمين وما يمارسه البعض منهم من تحدي واضح للدول التي تستضيفهم هم وعوائلهم بوضع شروط تعسفية للطعام والاختلاط والعمل وما الي ذلك من تعاليم دينية منغلقة تدعو الي الانعزال وعدم التعايش وقبول الآخر المختلف. ورغم أن الفاعل الاسترالي أشار الي التاريخ ومجد هزائم العرب والمسلمون في غزواتهم على تخوم أوروبا، الا أن اليمين المتطرف والمزدهر في أوروبا بفعل عمليات الارهاب الاسلامي، يحظى بالإنتشار والتأييد النسبي كردة فعل طبيعية لمن يود أن يغزوهم مرة أخرى ويسبي نساؤهم ويقتل كل من يرفض الاسلام. ولعل صحوة أوروبا بعد حادثة سيرلانكا جعلت العديد من المسؤولين والقادة يهتمون فعلا بالإسلام السياسي الوحشي وقدرته على اختراق السلم والتعايش العلماني كما صرح بذلك وبشكل واضح الرئيس الفرنسي ماكرون في تحذيره من ان الاسلام السياسي هو تهديد قائم للجمهورية الفرنسية. وقد خطت سرلانكا وبعد الحادث الذي اصاب بعض الكنائس والفنادق في استهداف داعشي دموي للمسيحيين في منع ارتداء النقاب وهي خطوة كبيرة في سبيل محاصرة تمظهرات العنف والانعزال والهوية المتطرفة.
هنا، لا يمكن ابدا مقارنة فعل استثنائي يقدم عليه أحد المتطرفين كل بضعة سنوات تحت دوافع مختلفة مع أفعال تكاد تكون شبه يومية يقوم بها بعض العرب والمسلمين في سبيل دخول الجنة عبر قتل الآخر المختلف وهم ( اليهود والمسيحيين والملاحدة والمثليين والعلمانيين والكفار). أي بشكل عام كل من يطلق عليه مسمى كافر يجوز ويمكن قتله وذبحه بشكل شرعي دون تأنيب الضمير. وهذه المعضلة لم يجد لها الدعاة والفقهاء ورجال الدين أي حل سلمي لها، أو محاولة تعديل أو إعادة قراءة تاريخية لتلك النصوص والأحاديث والتراث الدال والمشجع على التطرف والإرهاب وتدمير الدول والمجتمعات تحت حجج دينية عفى عليها الزمن ولم يعد يؤمن بها الا من يريد تفريغ طاقات العنف والايذاء ضد الإنسانية.
لذا فإن ما يمارسه البعض من محاولة دمج الحادثتين تحت مسمى واحد وهو الارهاب، لا شك انه يريد الابتعاد عن رؤية الحقيقة حول ذاته وتراثه وسلوكياته، وكأنه يقول لسنا نحن فقط الارهابيين بل عليكم رؤية الناس الآخرين وهم يمارسون الارهاب نفسنا. وهو بهذا المنهج الغوغائي يريد مساواة الفعل الآخر (الأقل حدوثا) بالفعل (الأكثر حدوثا) والذي يشبه الظاهرة العامة المجتمعية في بلاد العرب والمسلمين. وهو بذلك لا يكشف عن عجزه ودفاعه عن ارهابه فقط بل يكشف عن الفكرة والايمان الشيطاني الذي يحمله.

لا تعليقات

اترك رد