الاقتصاد الوطني العراقي .. أزمة الهوية ج3

 

أعلن العراق في دستوره – دستور 2005- عن الانتقال في النظام الاقتصادي من نظام الدولة القائم على التخطيط المركزي لإدارة الاقتصاد نحو نظام السوق القائم على الحرية الاقتصادية و حيادية الدولة و الملكية الخاصة ، و قيام القطاع الخاص بالنشاط الاقتصادي في السوق بعيداً عن الدولة إلا في حالات استثنائية .

إن انتقال الاقتصاد العراقي نحو اقتصاد السوق بشكل مفاجئ و صادم لمجتمع اعتاد في اقتصاده على الدولة و هي من ترعى مأكله و مشربه و مأواه ، دون ان يمارس إدارة نشاطه الاقتصادي ، هذا ما لا يقبله المجتمع كونها جرعة كبيرة خصوصاً مع تزامن هذا الانتقال مع التحول السياسي المفاجئ أيضاً ، إذ إن الانتقال المفاجئ في البلدان ذات الاستقرار السياسي و رسوخ مؤسساته الديمقراطية و المؤسساتية ، ربما لا يُكتب له النجاح فكيف الحال إذا تزامن الانتقال الاقتصادي المفاجئ مع التحول السياسي المفاجئ أيضاً في نقطة زمنية واحدة مع غياب الثقافة الديمقراطية اجتماعياً ؟!

و على الرغم من إقرار الدستور العراقي بالانتقال نحو اقتصاد السوق و مغادرة نظام الدولة في إدارتها للاقتصاد مركزياً إلا إن الكثير من المعطيات تشير إلى إن الاقتصاد العراقي لا يزال يراوح مكانه و لم يفلت من شباك الدولة بعد ، لكنه بشكل عام هو على سكة الانتقال الاقتصادي حتى و لو تطلب الأمر وقتاً طويلاً ، و يمكن القول إن هذا التأخر في الانتقال و ربما التراجع في بعض الأحيان نحو اقتصاد السوق كان نتيجة طبيعية للانتقال المفاجئ الذي لم يستوعبه المجتمع العراقي بسبب ضخامة الجرعة المزدوجة سياسياً و اقتصادياً من جانب و لم يتم الاستعداد و التحضير لهذه الجرعة مسبقاً فكانت النتيجة هي عدم العبور نحو منطقة الأمان فظل الاقتصاد العراقي يتقهقر و عالقاً بشِباك الدولة و يسير نحو الانتقال بشكل بطيء جداً .

و من ابرز تلك المعطيات هي احتكار الدولة لكثير من وسائل الإنتاج و أهما الأرض ، فهي تملك ما يزيد على 80% من الأراضي في العراق و ان المتبقي منها 20% و المملوك من قبل الأهالي يتكون في جزئه الأعظم من الأراضي السكنية ، و كذلك تملك الدولة الثروة النفطية في باطن الأرض ، التي أصبحت عماد الاقتصاد العراقي إنتاجا و استهلاكاً و تصديراً و استيراداً و إيرادا و انفاقاً ، و هذا ما يعني ان النفط اصبح وسيلة ربط الاقتصاد العراق بالدولة من جانب و اعتياش القطاع الخاص على ما تقوم به الدولة بواسطة الثروة النفطية من جانب اخر فاصبح دوره دور هامشي و ليس أساس في الاقتصاد ، و هذا ما يتنافى مع عملية الانتقال . و غياب الحرية الاقتصادية، حيث مفارقة الحرية الاقتصادية في العراق هي من المفارقات العجيبة ما قبل 2003 حين كان النظام المركزي هو المسيطر و القائد للإنتاج و التوزيع و الاستهلاك و الاستثمار .. و ما بعد 2003 حيث التحول نحو الانفتاح و اعتماد الحرية الاقتصادية لأغلب العمليات الاقتصادية .

إن تعقد بيئة ممارسة الأعمال أسهمت في صعوبة تحرك القطاع الخاص العراقي من حيث ممارسة نشاطه بحرية و انسيابية ، و ذلك لوجود الكثير من المعرقلات التي تقيد نشاطه ، ابتداء من بدء النشاط التجاري و استخراج تراخيص البناء و الحصول على الكهرباء و مروراً بتسجيل الملكية و الحصول على الائتمان و حماية المستثمرين الأقلية و دفع الضرائب و انتهاء بالتجارة عبر الحدود و إنفاذ العقود و تسوية حالات الإعسار ، و بهذا الصدد أوضح البنك الدولي ان العراق احتل المرتبة 168 من بين 190اقتصادا في مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال على المستوى العالمي ، و هذا ما يكشف عن سوء بيئة الأعمال فيه و أصبحت بيئة طاردة للأعمال .

المقال السابقفي مقهى ريش
المقال التالىالسينما المصرية والأفلام الدينية
سجاد طعمه بيرقدار ، كاتب عراقي ، ولد في محافظة ذي قار ، قضاء الرفاعي في العام 1990 م .حاصل على شهادة البكالوريوس في المحاسبة من كلية الادارة و الاقتصاد ، الجامعة المستنصرية . نشرت له العديد من المقالات و الدراسات في السياسة و الاقتصاد في صحف محلية و دولية عديدة .صدر له كتاب " جندي الشمس " عن دار اش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد