هل ” تُدَ لِعْ ” أميركا حلفاءها و أصدقاءها ..؟؟

 
هل

تداولت و تناقلت و كالات و وسائل الإعلام الغربية و الأمريكية في الأونة الأخيرة، نوع من الإنزعاج الأمريكي و ربما معاناة من تصرفات و سياسات البعض ممن يعتبرون أقرب الحلفاء و الأصدقاء، على الأقل هذا ما يقال علنا عن هذا النوع من العلاقات التي تربط أميركا ببعض من هؤلاء الحلفاء و الأصدقاء، و التي يمتد البعض منها لعشرات طويلة من السنوات، كما في العلاقات السعودية الأمريكية، البريطانية الأمريكية، الباكستانية الأمريكية، المصرية الأمريكية، و التركية الأمريكية على سبيل المثال ..

و كما يبدو، فأن الرئيس الأمريكي الحالي أوباما هو من بين الرؤساء الأكثر إنزعاجا أو تذمرا، لكنه ليس أولهم على أية حال، من تصرفات عدد من أقرب حلفاء و أصدقاء أميركا، و كما يبدو العرب و المسلمين بشكل خاص، و هم مصر و تركيا و السعودية، كما أشار إلى ذلك خلال مقابلته الأخيرة مع مجلة ” ATLANTIC “ ، حيث وصفهم و شبههم بالذين يركبون مجانا ( على ظهورنا )، مشبها إعتمادهم الكامل على أميركا أمنيا و عسكريا، بالمقابل لا يرغبون أو أنهم غير مستعدين أن يدفعوا مقابل ذلك بالكامل ..

و كما يبدو أن المقالة و الرئيس أوباما تناسوا المزايا الخاصة التي تحصل عليها الإدارة الأمريكية و الشركات الأمريكية الكبرى في تلك الدول، حتى باتت تمثل عبئا عليها و على إقتصادياتها، ناهيك عن صفقات الأسلحة الضخمة التي توقع و تمول من حين لآخر من غير وجود حاجة حقيقية لها، إلا اللهم تمويل كبريات شركات الأسلحة، و التي ترتبط بدورها بقمة هرم السلطة و الأحزاب الحاكمة في أميركا، و هنا إشارة خاصة للسعودية و دول الخليج الأخرى ..

كما يبدو، أن شراهة الساسة الأمريكان لم تعد تكتفي بما تحصل عليه من مزايا و أموال مقابل الخدمات التي تقدمها ، فهي تطلب الآن الولاء الكامل و التام و الطاعة العمياء و الأموال مقابل ما تحصل عليه تلك الدول الحليفة من مساعدات و دعم أمني أو عسكري أو سياسي، و هذا ربما جرس إنذار لتلك الدول الحليفة و الصديقة في أن تتدارك السقوط الكامل في حبال الرغبات و الشراهة الأمريكية التي هي بإعتقادنا لا حد و لا حدود تقف عندها ..

و هنا لابد من الإشارة إلى نموذجي إحتلال أفغانستان و العراق، و الثمن الكبير الذي دفعته أميركا، و الثمن الأكبر الذي دفعه هذان البلدان، و ما نتوقع أن تكون الأدارة الأمريكية قد حصلت عليه مقابل هذه الخدمات، و لمن قدمت هذه الخدمات أساسا ..

كما أننا يجب أن لا ننسى إسرائيل، التي ربما تعتبر الآن الحليف الأول و الصديق الصدوق لأميركا، و حجم المساعدات المالية و المعنوية و السياسية التي حصلت عليها من أميركا، و نتساءل عن المقابل التي حصلت عليه أميركا و السياسة الأمريكية من كل ذلك ..

و ربما تعطينا هذه الأخبار و التقارير و التصريحات مؤشرا عن تغير في تشكيلة قائمة الصداقات و الحلفاء للمارد الأمريكي القابع في واشنطن، و تمتد أذرعه و خيوطه حول العالم، فهناك تقارير تشير إلى أنه بعد إنخفاض أسعار النفط، و التطورات العلمية و التكنلوجية في مجالات الطاقة، و إرتفاع نجم الصين كقوة مالي و إقتصادية يحسب لها ألف حساب، و بعد الإتفاق النووي الإيراني الذي لا زلنا نجهل الكثير من خفاياه و أسراره، و بعد التطورات الأخيرة في الساحة الروسية و بعض بلاد أوربا الشرقية، نتوقع أن أميركا مقبلة على تغيير توجهات إهتماماتها و سياساتها الخارجية لتبتعد قليلا عن الشرق الأوسط و تتوجه ربما إلى أوربا الشرقية و جنوب شرق آسيا، و هذا التوجه الجديد إن تأكد، فأنه يحمل أخبارا سيئة للعديد من الدول العربية و الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، التي طالما كانت الدلوعة المدللة المفضلة لدى الغرب في تعاملاتها و تجاوزاتها، و طالما نام قادتها ليلهم رغدا معتمدين و مستندين إلي حماية مفتوحة و أمان تخلقه المخابرات و الأمن و القوات المسلحة الأمريكية و الغربية التي يمكننا الآن مشاهدتها و ملاحظة وجودها في العديد من هذه الدول تحت ذرائع و أعذار مختلفة، من محاربة القاعدة إلى محاربة طلبان إلي محاربة داعش، إلى محاربة و لاحقة بومو حرام، إلى حفظ الأمن و السلام في بعض المناطق، و غيرها من الحجج التي سيكشف التاريخ يوما كم هي واهية و مفبركة ..

تشير إحدي دراسات معهد بروكنز للدراسات الستراتيجية في هذا المجال، إلى أن السبب الذي يدعو الحلفاء و الأصدقاء الحاليين في أن يتصرفوا بهذا الإسلوب و الشكل المتهاون، هو أن أميركا هي نفسها التي تدعهم يقومون بذلك، و تسمح لهم بذلك، و تتهاون معهم و هم يقومون بذلك، بل و ” تدلعهم “، طمعا منها في الحفاظ على مصالح أميركا حول العالم، لكن الحقيقة أن البعض من هؤلاء الحلفاء و الأصدقاء باتوا يتصرفون الآن فعلا خلافا لتلك المصالح ..

و ربما يرجع سبب ذلك إلى أن أميركا كانت تركز على ديمومة العلاقة مع هؤلاء الحلفاء، مما يدفعها أحيانا للتغاضي عن بعض ما يفعلونه خلافا لمصالحها، لكن ربما آن الأوان ليكون هناك بعض التغيير في هذه العلاقة و هذه السياسة، خاصة و نحن نعيش منذ فترة في مرحلة أو سياسة أو عصر القطب الواحد ..

و يرجع المهتمين في هذا المجال خلفية الخلل في هذه العلاقة التي باتت غير متوازنة و ربما غير متكافئة، على الأقل من وجهة النظر الأمريكية، إلى أزمان الحرب الباردة، حيث كان التعامل بين الدول في ذلك الوقت يتم على أساس حسابات، من هو حليفي و من هو عدوي، يا أبيض يا أسود كما يقال، و طبعا العدو هنا هو من يقف إلى جانب الإتحاد السوفياتي و حلفائه في ذلك الوقت، لكن الدراسات تشير إلى أن العالم و السياسة الدولية قد تغيرت الآن، و بالتحديد منذ إنتهاء الحرب الباردة، و تفتت الإتحاد السوفييتي و سقوط جدار برلين، حيث باتت الولايات المتحدة الأمريكية هي اللاعب الأوحد و الأقوى تقريبا في السياسة الدولية، و بالتالي لم تعد هناك جبهة أخرى معادية نخشى أن تهرب إليها الدول الأخرى، و بالتالي من يختار أن يقف إلى جانب أميركا و أن يعتبر من الحلفاء، و يتمتع بمزايا الحلفاء ، أن يكون مهيئا ليدفع ثمن ذلك الولاء و تلك العلاقة المتميزة بالكامل و حسب ما يقدره الجانب الأمريكي و يتم الإتفاق عليه ..

يذكرني هذا الكلام بالعلاقات بين نيوزيلاند و أستراليا من جهة، و أميركا من جهة أخرى، فواحد من تقاليد هذه العلاقات التي يتميز بها الحلفاء و الأصدقاء المقربون، و هنا نحن نتكلم عن علاقات خاصة أكثر، و هي علاقات العرق، فالدول الثلاث ممن يمكن إعتبارهم ” الأنكلو ساكسون “، و طبعا معهم بريطانيا، و هم يشكلون حلفا متميزا من حيث العرق و الدين و الجنس و اللون، حتى خارج إطار السياسة الدولية العامة ..

واحد من تقاليد التحالف هذا، أن تكون هناك تدريبات عسكرية مشتركة، و زيارات دورية للبوارج العسكرية و ناقلات الطائرات، و السفن البحرية العسكرية، و بالذات السفن النووية العسكرية الأمريكية، في حينها و لحد الآن لا توجد أي مشكلة لأستراليا في المشاركة في مثل هذه النشاطات، و في أستقبال الجنود و الناقلات و البوارج و السفن على أراضيها و موانئها، أما نيوزيلاند فقد كان لها رأي آخر ..

ففي الثمانينات من القرن الماضي، كان لدى حكومة نيوزيلاند شعارات تعادي الإستخدامات النووية في المجالات العسكرية، و بالتالي إضطرت للإعتذار من أميركا عن إستقبال السفن الحربية في موانئها، و عن مشاركة القوات النيوزيلاندية في تدريبات مشتركة في هذا المجال، و هذا ما دعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى معاقبة نيوزيلاند، و نزع صفة ” الحلفاء ALLIES “ منها و لسنوات طويلة، بالرغم من إعتراف الطرفين أن هناك علاقات متميزة تاريخية تربط الطرفين، و رغم أن نيوزيلاند حاربت إلى جانب أميركا و أستراليا و بريطانيا خلال الحربين العالميتين، لكنها لم تتجاوز نقطة مهمة في سياساتها الدولية ..

و قد أثرت هذه النقطة كثيرا على علاقة أميركا بنيوزيلاند، و عانت نيوزيلاند كثيرا من نزق السياسات أو إن شئنا العقوبات الأمريكية لها مقابل سيادتها و تصرفها العقلاني، لكن بمرور الزمن و تغير الحكومات و السياسات، إضطرت نيوزيلاند مؤخرا كما أظن للتنازل عن موقفها المتميز هذا، و السماح بزيارة السفن العسكرية النووية الأمريكية، و هو موقف رمزي حقيقة أكثر مما هو فعلي و عملي مؤثر، و هذا ما أعاد علاقات أميركا و نيوزيلاند المتوترة لفترة طويلة، إلى وضع أشبه بالطبيعي، لكنه لم يبلغ بعد عمق الرابط الأمريكي الأسترالي، و بعده الأمريكي البريطاني لأسباب عديدة، ربما نتمكن من توضيحها لاحقا ..

نعود إلى موضوع الحلفاء و الأصدقاء، فالدراسات الأخيرة تشير إلي أن في عصرنا الحالي الذي يتميز بالتعقيد و العلاقات المتشابكة و المصالح المتبادلة، بات من المهم و الضروري على أميركا الإهتمام أكثر بجعل الأصدقاء و الحلفاء يتصرفون فعلا كحلفاء و أصدقاء للعم سام ( و ضمنيا الإستجابة لكل إملاءاته و طلباته ) ، بدلا من الإهتمام بسعادة وراحة و رغبات هؤلاء الحلفاء و الأصدقاء أنفسهم ..

و تبين أيضا أن أوباما هو ليس الأول من بين الرؤساء الأمريكان ممن إشتكوا و تذمروا من مستوي تعامل الحلفاء معهم، فقد سبقه الرئيس كلينتون، ففي عام ١٩٩٦ مثلا، و خلال أول لقاء له مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها ناتينياهو، تفاجأ الرئيس الأمريكي بإسلوب تعامل ناتينياهو المتعالي، حتى أن أحد التقارير تشير إلى أن كلينتون نعته بأوصاف، لا يليق نشرها هنا، و شتمه في سره عند حديثه لاحقا مع أحد مستشاريه، و علق متهكما من يعتقد نفسه هذا الناتينياهو، و كيف نحن القوة العظمى، إذا كان أقرب حلفاءنا يتعامل معنا بهذه الشاكلة ..

طبعا لا داعي للتذكير، أن إسرائيل طالما تعاملت مع أميركا و دول العالم الأخري، و كأنها هي الدولة الكبرى، و أنها هي من يقرر مصير العالم، و للأسف أصبحت هذه السياسة هي القاعدة، و كثيرا ما نرى أن إسرائيل لا ترعوي بسهولة لإملاءات أميركا و الغرب، إلا بما يتماشى مع رغباتها و مصالحها هي، دون التنازل بقدر الإمكان عن أي شئ ..

من النماذج الأخرى للحلفاء و الأصدقاء غير المريحين و غير المنضبطين، حسب تعبير هذه التقارير، هو الباكستان، أو كما تسميهم أميركا الحلفاء سيئي الطبع و التصرف و التعامل .. فأميركا تعترف إنها إستثمرت البلايين من ادولارات في هذه الدولة منذ عام ١٩٥٤، و كان التعاون العسكري بين البلدين كبيرا جدا و متميزا، لكن الباكستان إستغلت هذا التعاون و الإستثمار لبناء برنامجها النووي و الحصول على أسلحة نووية ..

كما إنها تعاونت مع الجماعات الإسلامية المسلحة التي كانت تقاتل الأمريكان في أفغانستان، و دعمت و تضامنت مع مجموعات طالبان و القاعدة و من يمولهما و يدعمهما، و كانت ملجأ لبن لادن، ساعة مقتله على الأقل، كما إنها كانت متفاعلة و متعاونة مع عدد من برامج التسليح النووي حول العالم، مثل البرنامج الليبي و الكوري الشمالي و الإيراني و غيرها ..

و هنا طبعا نفهم من هذا الكلام المنقول عن التقارير و الدراسات الأمريكية، أن كل ذلك تم من غير علم و لا موافقة الإدارة و المخابرات و الجيش الأمريكي، و هذا ما لا يمكن تصديقه بسهولة برأيي، على الأقل في ضوء المعلومات المتاحة و المعلنة عن الموضوع، و هو كما يراد لنا الآن أن نصدق موضوع داعش و كيفية نشوءها و تطورها و نموها و تمددها في العراق و سوريا بشكل خاص و عدد آخر من دول المنطقة دون علم و دراية من قبل الدول المعنية كأميركا و إيران و سوريا و العراق ..؟؟

مصر، نموذج آخر للحليف السئ غير المنضبط و غير الملتزم، برأي و تقدير الدراسة و صانعي القرار الأمريكي، حيث يشار إلى أن مصر إستلمت المليارات من الدولارات الأمريكية كمساعدات منذ عام ١٩٧٩ و لحد الآن، و كان ذلك لدعم و تثبيت إتفاقية السلام الموقعة بين إسرائيل و مصر في عهد الرئيس المصري السادات، و التي لا ترغب و لا تنوي مصر بأي حال من الأحوال أن تخرج عنها أو تنقضها ..

لكن الذي حدث، أنه و بعد ٣٥ عاما من ذلك الوقت، و في تموز من عام ٢٠١٣، نرى أن أحد قادة الجيش المصري الكبار، و الذي تم تدريبه بعنايه في أميركا، هو من يقود الإنقلاب ضد الحكومة المصرية الديموقراطية المنتخبة، و الذي يتربع اليوم على قمة السلطة في مصر، و المقصود هنا طبعا عبد الفتاح السيسي، و الذي لا يعير إهتماما يذكر منذ سيطرته على الحكم لا لموضوع الديموقراطية في بلده ، و لا حقوق الإنسان، و لا الإهتمام برعاية المصالح الغربية بشكل مناسب ..

المملكة العربية السعودية أيضا واحدة من نماذج العلاقات المتوترة غير المستقرة مع الحلفاء، فالسعودية تعتبر من الدول التي تعتمد كليا على الدعم الأمريكي عسكريا و مخابراتيا و تجهيزاتيا و تدريبا و تسليحا، و المملكة في الواقع، و حسب رأي هذه الدراسة، ليس لديها أي بديل ستراتيجي لحمايتها و الدفاع عنها غير البديل و الدعم الأمريكي، و قادة السعودية يعلمون و يعترفون بذلك، بالرغم من ذلك فأن الإدارة الأمريكية و هذه الدراسة تشير إلى أن الإدارة السعودية تتصرف أحيانا خلافا للمصالح و الرغبات الأمريكية، كما في محاولاتها منع و عرقلة الإتفاقية النووية مع إيران، دعمها و تمويلها للمنظمات الإسلامية المتشددة في المنطقة، و معارضتها و تدخلها في الجهود الأمريكية المبذولة لإنهاء الصراع في سوريا ..

و حسب التقرير، فأن تفاقم الصراع العربي الإيراني بقيادة الحليفة الأمريكية الكبرى ، السعودية، يعرض المنطقة كلها للخطر و التأزم، كما أن أميركا تحرص خلال هذه الفترة أن تنأى بنفسها عن الخوض و الإنغماس مباشرة في هذا الصراع، و تحاول نصح الأطراف المتصارعة الإبتعاد عن العنف و القوة و محاولة معالجة الخلافات وديا و دبلوماسيا بقدر الإمكان ..

و جانب آخر للعلاقات السعودية الأمريكية، ما يجري في اليمن، فعندما قررت السعودية التدخل عسكريا في اليمن خلافا للنصائح و الرأي الأمريكي، حسب هذه الدراسة على الأقل، فأن رد الفعل الأمريكي الأولي كان عدم إبداء أي دعم ظاهر لهذا التدخل، و ذلك تحسبا لما قد ينتج عن فشله، لكن شيئا فشيئا وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مندفعة لتكون في صف واحد مع السعودية في حربها مع الميليشيات الحوثية في اليمن ..

في ظل هذه الوقائع، ماهي يا ترى الأسباب التي أدت إلى إستمرار الإدارات الأمريكية المتعاقبة في نهجها هذا في دعم هذه الأنظمة و الحكومات على الرغم من النتائج الضعيف المتحققة، و ربما نتائج سلبية أحيانا، عن هذه العلاقات و التحالفات، هذا التساؤل يطرح الآن بقوة بين أقبية السياسة الأمريكية ..

و ربما ما نسمعه بين الحين و الآخر من تهديدات معلنة أو مبطنة للتعاون و التنسيق المتبادل مع السعودية بشكل خاص خير دليل و مـؤشر على ذلك، و هذا ما يدعونا لتوقع تغييرات ربما شكلية و ربما جوهرية في صياغة العلاقات ما بين أميركا و حلفاءها، و ربما معايير جديدة لترقية الدول الصديق إلى مرتبة حليفة، لكي تتمكن بالتالي من التمتع بكامل صفات و مزايا الحلفاء، و هنا ننصح السعودية و غيرها في أن يقيموا هذه المتطلبات الجديدة، و مدى إمكانياتهم الإستجابة لها و تلبيتها ..

تشير التقارير و الدراسات المهتمة بهذا الشأن، إلى أن للوبيات و التكتلات الداخلية الأمريكية، و مصالح الأحزاب و الشركات و المؤسسات الصناعية و المالية الكبرى و بالذات صناعات الأسلحة، كلها لها دخل و تأثير كبير في فرض إرادتها على الحكومة و القرار الأمريكي، و العمل على إستمرارية العلاقات الشائكة و غير المستقرة مع هذه النماذج من الحلفاء، لما فيه تلبية مصالح و متطلبات هذه التكتلات و اللوبيات و جماعات الضغط الأمريكية المختلفة ..

من الجانب الآخر، و كما أشرنا أنفا، فأن سيطرة التفكير السائد أيام الحرب الباردة في التعامل مع الدول، و تصنيفهم ما بين صديق و حليف، أو عدو و مناوئ، هو السبب الرئيس لما وصلت إليه الحال في التعامل مع الحلفاء، ففي عالم اليوم لا يمكن الفصل بوضوح بين الأعداء و الأصدقاء، و ما يقود معظم العلاقات هي مصالح معينة محددة ..

فمثلا العلاقات مع السعودية كانت تركز أكثر على مدى السيطرة على سوق النفط، بإعتبار السعودية من كبار المنتجين للنفط في العالم، لكن هذا الدعم و التميز في العلاقة لا يمتد إلى ما تمارسه السعودية من دور قيادي في العالم الإسلامي و ما يتضمنه هذا الدور مما قد لا يتناسب مع وجهات النظر الأمريكية ..

كذلك فأن العلاقات مع مصر مؤخرا تميزت بالتركيز على الوساطة في توقيع إتفاقيات السلام مابين إسرائيل و الفلسطينيين، إلا أن هذه العلاقات تتعارض مع ما يمارسه الجانب المصري من فعاليات و نشاطات تقمع بعض الحريات و النشاطات المدنية و الديموقراطية و بعض حقوق الإنسان في مصر ..

في قطر، نجد أنها تستضيف واحدة من أكبر القواعد العسكرية في المنطقة و العالم، و هي عضو فعال في محاربة ما يسمونه بداعش، و أن أميركا تحرص على ديمومة وجود هذه القاعدة، لكننا نجد أن لقطر بعض النشاطات و الفعاليات غير المتفق عليها ضمن العلاقات مع أميركا، و هذا حسب الدراسة، و خاصة ما يتعلق بليبيا و سوريا، و ربما تتعارض مع بعض السياسات الأمريكية ..

و كما تشير الدراسة، فأن أميركا مضطرة أن تغض النظر عن بعض التصرفات و التحركات القطرية غير المتفق عليها خاصة في ليبيا و سوريا، من أجل عيون إبقاء و إستمرار وجود القاعدة العسكرية، علما بأن قطر ، و حسب هذه التقارير، دولة صغيرة و ضعيفة، و لا تستطيع الإستغناء عن الدعم و الحماية الأمريكية، و هي تعيش في جو و بيئة متوترة مع الدول المحيطة و المجاورة ..

خلاصة القول، فأن الدراسة و عدد آخر من التقارير، تشير إلى وجود نوع من إعادة النظر داخل حلقة صانعي و متخذي القرار الأمريكي، لما فيه مزيدا من الإحكام و السيطرة على نوع و مديات العلاقات مع الحلفاء و الأصدقاء، مع وضع مصالح أميركا في المقام الأول، و برأيي هذا قد يسبب بعض المشاكل في تعامل أميركا مع بعض الدول، و خاصة في البداية على الأقل ..

و برأي عدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، فأن عدد من أقرب الأصدقاء و الحلفاء لأمريكا باتوا يسببون لها صداعا و إحراجا من خلال تصرفاتهم التي تأتي أحيانا خارج التوقع و المألوف، و التي ربما تضطر أميركل للتغاضي عنها و قبولها عن مضض، إلا أنه يذكر هنا إستثناءا واحدا، و هو إستراليا، حيث يعتبرونها الدولة التي يمكن لأميركا الإعتماد عليها دائما، و هذا برأيي يعود إلى تشابه كبير في النشأة و الأصول و العادات و النظام السياسي المعتمد بين أستراليا و أميركا ..

إلا أن هولاء الساسة يعودون ليعلقوا، أن وجود مشكلة كبيرة ما بين أميركا و أحد حلفاءها يعتبر ربما شيئا طبيعيا و إعتياديا، لكن أن تكون المشكلة بين أميركا و معظم الحلفاء و الأصدقاء ربما يشير إلى خلل و خطأ في الجانب الأمريكي ربما، في كيفية صياغة هذه العلاقة و ديمومتها، و بالتالي فأن إصلاح هذه المشكلة و معالجتها يقع ربما على الجانب الأمريكي نفسه ..

المقال السابقهامش الديمقراطية
المقال التالىمشهدياتٌ رمضانيّة
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد