ولا عزاء

 

إذا كانت وفاة شخص عزيز عليك مصيبة فإن جلوسك لتلقي العزاء فيه مصيبة أكبر .. يدخل عليك المعزى من دول لاوياً بوزه يبدوا عليه التأثر فيجلس الى جوارك في الشادر ويقول في لهجة تراجيدية
– دا مش معقول خالص .. دا أنا كنت قاعد مع المرحوم مافيش أسبوع وكان زى الفل . ازاى دا حصل ؟؟
فتروى له ما حدث .. كيف أن المرحوم عاد من الخارج وشه أصفر وقال انه مش عارف دايخ ليه ولما دخل الى غرفته سقط على الأرض وإذا به قد فارق الحياة ……
– لا حول الله ( يقول المعزى ) شد حيلك … ويحنى رأسه في إتعاظ كاذب ويفسح الطريق لمعزى أخر جاء مهرولاً عليك وهو يقول في تأثر مصطنع .
– دا مش معقول خالص .. حد يصدق .. دا أنا كنت قاعد مع المرحوم من ثلاث أيام وكان زى البمب .. ازاى دا حصل ؟؟
فتروى له ما حدث .. كيف أن المرحوم عاد من الخارج وشه أصفر وقال أنه مش عارف دايخ ليه ….ألخ ……… حتى إذا ما أحنى المعزى رأسه في إتعاظ غمغم ببعض الكلمات المحفوظة – البقية في حياتك ، شد حيلك ، كلنا لها ….. الى آخره – دخل الى الشادر لكى يفسح الطريق الى أخر جاء يمسح بمنديله عينان خاليتان من الدموع ويقول في تأثر واضح
– دا مش معقول خالص .. دا أنا كنت قاعد مع المرحوم أول إمبارح وكان صحته حديد . ازاى دا حصل ؟؟
فتتمنى أن ترقع له صداغه أو تضربه أو ترسله الى المرحوم لكى يروى له القصة بنفسه ولكنك بالطبع تحاول كظم غيظك وتقول :
– دا رجع من الخارج وشه أصفر …… الى آخره وتروى له القصة كما رويتها لسابقيه وكما سترويها للآتيين حتى تأتى عليك لحظات تحس فيها أن وشك أصفر وأنك مش عارف دايخ ليه ….
وأنظر الى الشادر من الداخل فأرى صفوف المعزيين وقد جلسوا مطاطئ الرأس في خشوع زائف تتخلله نظرات خفيه سريعة من آن لآخر على بعضهم البعض ..
استمع الآن الي صوت القارئ الرخيم الذي يتلو القرآن ، والغريب ان الصوت ينساب دافئاً هادئاً وهنا اسرح فيما اسمعه واتسائل ، من الفنان الذي قام بتوزيع السماعات العملاقة حتى جعلها بمثل هذا التناغم والهدوء ، ولكني افيق من هذا الجمال على صوت احد العاملين بالشادر وهو يهمس في اذني : هل اجعل الشيخ يبدأ بالقراءة ؟؟ فأرد متعجبا ، ولكنه بدأ بالفعل وهو هادئ وجميل ، فيرد مبتسما : لا يا سيدي ، فالذي يقرأ الآن هو شيخ الشادر المجاور لنا …..
وبدأ شيخنا بالقراءة ، الصوت عال جدا حتى لا اكاد افقه ما يقوله ، وهذا يدفعني لترك ما يقرأ ومحاولة التقرب الى رأس بعض الجالسين لإستنتاج ما يدور في اذهانهم .
ففيهم من يتمنى الإنتهاء من هذا الواجب الثقيل فيستعجل إنتهاء القرآن ويهرع خارجا الى مصالحة المتوقفة ، ومنهم من يفكر في بيته والسهرة اللطيفة التى أعدتها له زوجته خاصة أن اليوم هو الخميس فهو يوم غير مناسب للوفاة على كل حال .
ومنهم من يفكر في مدى كرهه لذلك المتوفي فيجلس سعيدا بأنه لا يزال يتنفس بينما قبع غريمه السابق في قبراً ضيقاً بعيداً عن الدنيا .
وفي صدارة الشادر يجلس الشيخ على كرسي عال وكله زهواً وفخراً بالجمهور المحتشد الناظر اليه في إعجاب وكأن كل هؤلاء الناس قد أتوا خصيصاً لكى يسمعوه .. ومابين المعزيين يتحرك جرسون في خفة وهو يحمل القهوة – الى الأشخاص الذين يبدوا عليهم الثراء غالباً – وهو يمنى نفسه ببقشيش سخى .. أما عامل الميكروفون والسماعات فيستعجل الإنتهاء لأن المعلم أمره بسرعة العودة للحاق بفرح كبير في الشارع الملاصق للشادر ..
وعند الإنتهاء يهرع الكل الى نفسه وحياته ويبقى أهل المرحوم ليقوموا بدفع تكاليف هذا الحفل .

لا تعليقات

اترك رد