الاصلاح والازمات المزيفة

 
الاصلاح والازمات المزيفة

بين افاق التشاؤم والياس من جهة وبين الامل المعقود على شعب عمره بطول تاريخ البشرية من جهة اخرى، يقف الكثير من المفكرين والباحثين عن حلول لاوضاع البلاد وازماته الانسانية والسياسية حائرين تحت ضغط تحديات يبدو من الصعوبة بمكان ايجاد حلول لها، وان اسهل الطرق والحلول هي ابعد المتناول والممكن ذلك ان ازمات العراق في حقيقتها ازمات مزيفة مثلما هي ازمات خارجية في نفس الوقت، وللمرة الاولى في تاريخ العراق الحديث، يجد الشعب نفسه في ظل اوضاع معقدة لايمكن التمييز فيها بسهولة بين ماهو داخلي وماهو خارجي في ازماته ومشاكله، ولهذا فان اية حلول لما يعانيه العراقيون الان لم تعد ممكنة دون تدخل قوى اخرى من خارج الحدود او حدوث تغييرات ايضا خارج الحدود، ليس لعجز الشعب عن القيام بثورته، وتحرير ارادته كما كان يتردد ايام الحكم السابق، بل لان ما يعانيه العراق الان هو جزء مما تعانيه المنطقة وارتباط مشاكله ومعاناته باسباب تتعلق بدول المنطقة ايضا، ولعل الهتاف الذي ردده المتظاهرون ليلة سقوط البرلمان: ( ايران برة برة) خير دليل على مانقول، ففي الوقت الذي كان يفترض فيه ان يكون الهتاف موجها ضد القيادات والرئاسات الحكومية الفاسدة المتنفذة باعتبارها الجهات المسؤولة عن الاصلاح ،

اتخذت الاحتجاجات اتجاها هو ليس بالخاطئ على الاطلاق ولكنه لايمثل كل الحقيقة ولا كل صورة الازمة ولا طبيعة الثورة.. وحين ثار العراقيون في اب الماضي بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء، جرى تحويل انظارهم فيما بعد الى محاربة الفساد، ومن ثم الى الاصلاح الذي تغير فيما بعد ايضا الى تشكيل حكومة تنكوقراط، ثم الى ازمة برلمانية شغلت الوسط السياسي وابعدته عن معالجة مشاكل الناس المعاشية والخدمية والامنية ناهيك عن المشاكل الاساسية المتمثلة بالاصلاح والتغيير ومحاربة الفساد والميليشيات.. اذ ان ما تقوم به الجهات المتنفذة هو اشغال العراقيين بازمات متلاحقة ومتغيرة لابعاده عن الاسباب الحقيقية والمشاكل الحقيقية، وهكذا يجد المفكرون والمثقفون والسياسيون انفسهم دائما وسط ازمات متلاحقة ومتواصلة يصعب تحليل اسبابها وتوقع نتائجها، مع انها مرتبطة ارتباطا جذريا بالاحتلال الاميركي وتدخل دول الجوار الا ان الارباك ياتي من التداخل بين ما هو سياسي وبين ماهو مخابراتي، وتضارب المصالح احيانا بين هذه الدولة وتلك، مع حسابات الكفة الاعلى والارجح في الصراع الخفي والعلني بين ايران واميركا والسعودية وقوى اخرى، ولعل حوادث التفجيرات الاخيرة في مدينة الصدر وغيرها خير مثال على اختلاف وتنوع التعاطي مع الازمات، ففي الوقت الذي اعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها، (سواء كان فعلا هو من نفذها أو ان اعلانه كان لاثبات وجود او تغطية لاطراف اخرى) ، الا ان الكثير من المحللين والمراقبين ومعهم جمهور واسع ايضا اعتبروها عقوبة ايرانية للتيار الصدري الذي هتف اتباعه بقصد او دونه ضد التدخل الايراني ( ايران برة برة)، فيما اعتبر البعض الاخر ومعهم جمهور واسع ايضا ان الصراعات بين الكتل السياسية دائما ما تؤدي الى حدوث التفجيرات، وفي هذا اتهام واضح على ان الكتل السياسية هي من تفتعل التفجيرات لاغراض الضغط وتمرير الصفقات فيما بينها وليس داعش،

وفي كل الاحوال ستنتهي هذه الازمة كما انتهت سابقاتها دون معرفة الفاعل الحقيقي الذي ربما سيكون احد عناصر الميليشيات المتصارعة من اجل النفوذ المحلي او المناطقي، الا ان الثابت والاساسي في كل ما يجري ان الامر لن يخرج مطلقا عن مسؤولية الاحتلال الاميركي باعتباره الراعي للعملية الساسية وباعتباره ايضا القوة الراجحة والاعلى نفوذا، والمسؤول قانونيا واخلاقيا وانسانيا عما حصل وسيحصل في العراق، وحتى لو ابتعدنا عن هذا الاطار قليلا، فان الاحتلال مسؤول سياسيا عن انجاح تجربة الديمقراطية في العراق، ولو كان جادا حقا في ذلك لحرص على ان يقدم للعالم والمنطقة نموذجا طيبا وحسنا وان يهيء للعراقيين فرص الامن والتقدم والحياة الحرة الكريمة التي خدع بها العراقيين قبيل اقدامه على احتلال البلاد.. ولكن عدم اهتمامه بذلك وعدم تحمله المسؤولية الانسانية يقدم الدليل الواضح على ان الهدف من الاحتلال كان ومازال تمزيق العراق وتدميره ونهب ثرواته وجعله نقطة انطلاق للتلاعب بمصير الامة والمنطقة كلها..

واقع العراق اليوم من الصعوبة بمكان التكهن بنتائجه، مثلما يصعب تصور الحلول له كما قلنا، وحتى لو افترضنا ان قوى الاحتلال ترغب لاحقا بتغيير الاتجاه، والتحول جديا للتصحيح وانهاء الفوضى القائمة الان، وهذا افتراض بعيد وغير متوقع، فان الصعوبة تكمن بعد كل ماجرى في المنطقة منذ عام 2003 والى اليوم في مسالتين اساسيتين، الاولى هي تصحيح اوضاع المنطقة برمتها وانهاء الصراعات القائمة في الخفاء او العلن بين اطراف متعددة وهذا الامر يتطلب في احسن الاحوال واسوأها شن حروب مشابهة لحرب الخليج الثانية وهو ما قد نشهده قريبا اذ لايمكن باية حال استمرار الخطأ والفوضى الى ما لانهاية، وهذا يعني مزيدا من الدمار والخراب والمآسي، والثانية تكمن اساسا في هذا الشعب الذي انحرف الى مستويات ادنى وادنى من مستويات التخلف والجهل المتعارف عليها، والى انقياده التام وبكل مكوناته الى السيطرة الايرانية المكشوفة، واذا كان العرب قد اعابوا بعد سنوات من الاحتلال على شيعة العراق تبعيتهم المفترضة لايران، واذا كان العراقيون يعرفون منذ زمن طويل عمالة القادة الكرد لايران واسرائيل واميركا وغيرها، فان الغريب واللافت للنظر ان القيادات السنية باتت هي الاخرى تحت عباءة الولي الفقيه الايراني بعد انغماسها بالفساد والصفقات وغسيل الاموال والجرائم التي ارتكبتها بحق ابناء طائفتها والعراقيين جميعا،

ولذلك فان المخرج من كل هذه المصاعب لم يعد ممكنا حتى لو توفر القرار الاميركي والدولي، اذا ان مشاكل العراق السياسية هي مشاكل مزيفة فهي ليست مشاكل العراقيين انفسهم بقدر ما هي صراع اقليمي دولي يتعلق بالثروات والهيمنة، اما مشاكل العراق الحقيقية فهي تتمثل بشعب اصبحت غالبيته عملاء للاجنبي وجواسيس ولصوص وقتلة ماجورين واعضاء عصابات وميليشيات ومافيات دعارة ومخدرات ودجالين ومشعوذين ومسوقي خرافات ، تماما كوضع الصومال حين تركته اميركا بعد احتلاله ليبقى عاجزا ابدا عن لملمة نفسه وادارة شؤونه وتحسين اوضاعه..

لا تعليقات

اترك رد