كيف تتعاطى الولايات المتحدة مع صعود الصين ويقظة روسيا ؟


 

كيف تتعاطى الولايات المتحدة مع صعود الصين ويقظة روسيا ؟
فشلت واشنطن في التعاطي مع القضايا الدولية في زمن باراك أوباما عبر ممارسة دبلوماسية الواقعية السياسية، لكن وفق هذه السياسة تبنت الصين مبادرة الحزام والطريق عام 2013، وضم بوتين شبه جزيرة القرم عام 2014، وعندما وصل ترمب لرئاسة أمريكا أعاد النظر في السياسة الخارجية الأمريكية، وبحث عن سبل جديدة في التعاطي مع صعود الصين ويقظة روسيا، ورفض أن تستمر الولايات المتحدة عالم مستهلك والصين عالم تصديري، وروسيا بدأت تزاحم الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وحققت روسيا في سوريا ووصولها للمياه الدافئة في البحر المتوسط والتموضع من أجل منع الولايات المتحدة من تمرير أنابيب غاز عبر سوريا إلى أوربا لمحاصرة روسيا، وهو ما لم تحققه حتى زمن الحرب الباردة.
اتجه ترمب إلى الحرب التجارية مع الصين الصاعدة بحجة أنه يتجه نحو تحقيق التجارة العادلة، واتجه إلى مقايضة بوتين بالخروج من فنزويلا مقابل البقاء في سوريا، ولكن بشرط حماية الأمن الإسرائيلي وإخراج إيران من سوريا.
انسحب ترمب من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى التي وقعها غورباتشوف آخر زعماء الاتحاد السوفيتي مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1987، واحتمال عدم تجديد معاهدة نيو ستارت للحد من الأسلحة النووية المبرمة عام 2011 بين روسيا والولايات المتحدة في فبراير 2021 سيزيد التوتر لمزيد من التسلح، وتوسيع قدرات الصين النووية رغم أن ميزانية الولايات المتحدة ضخمة تقدر ب609 مليار دولار، فيما ميزانية الصين 228 مليار دولار، وميزانية روسيا نحو 66 مليار دولار، فلا يزال التفوق العسكري الأمريكي واضحا رغم ذلك الصين حققت هيمنة اقتصادية، وروسيا حققت هيمنة جيوستراتيجية.
ما يرعب الولايات المتحدة صعود الصين الصارخ، فبنك الصادرات الصيني يدعم مبادرة الحزام والطريق ب149 مليار دولار لتمويل 1800 مشروع، حيث روابط الحزام والطريق برية وبحرية بين جنوب شرق آسيا، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأوربا، وأفريقيا، وحتى أمريكا اللاتينية، التي تستثمر في الموانئ وسكك الحديد، وتخيف الولايات المتحدة هذه الدول بفخ الديون.
انضمت إيطاليا أول دولة في مجموعة الدول الصناعية السبع، وميركل مستشارة ألمانيا أعلنت عن قمة في 2020 تشارك فيها الصين، والأغرب من كل ذلك الاستثمارات الأميركية في الصين ارتفعت 71 في المائة فقط في الربع الأول من 2019، فيما ارتفع العجز الأمريكي في 2018 إلى أعلى مستوى له في 10 سنوات ليصل إلى 621 مليار دولار، على الرغم من تعهدات الرئيس دونالد ترمب الحد منه، أي أن الفجوة زادت بمقدار 119 مليار دولار خلال عامين منذ انتخاب ترمب رئيسا للولايات المتحدة.
فرض الرئيس الأميركي رسوما جمركية على ما قيمته 250 دولارا من واردات السلع الصينية للضغط من أجل تنفيذ بإنهاء سياسات منها ما يخص الدعم الصناعي التي تضر بالشركات الأميركية في منافستها مع نظيرتها الأميركية، وفي نفس الوقت تود الولايات المتحدة أن يتشكل تحالف عسكري بين طوكيو ونيودلهي واستراليا في مواجهة التمدد العسكري لبكين إلى جانب مواجهة الهيمنة الاقتصادية.
بسبب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تأثرت التجارة العالمية حيث انخفض نمو التجارة العالمية من قريب من 5 في المائة عام 2017 إلى أقل من 3 في المائة عام 2019، فيما استمر نمو الناتج العالمي عند نسبة أقل من 3 في المائة سنويا، رغم أن الدين العالمي يسجل مستوى قياسيا عند 182 تريليون دولار في 2017 حيث نمت الديون 50 في المائة في الأعوام العشرة السابقة.
الولايات المتحدة تتنازل عن بعض مطالبها في مفاوضاتها التجارية مع الصين، التي أثرت على الأسواق العالمية، وأثرت أيضا على سلاسل التوريد، وتريد واشنطن أن تفتح بكين أسواقها للصادرات الأمريكية، وتود انتزاع تنازلات رقمية من فم التنين، أي تخفف بكين القيود على التجارة الرقمية، وهي مسألة ذات أولوية قصوى بالنسبة إلى أكبر شركات التكنولوجيا في أمريكا التي تعد واحدة ضمن حفنة من العوائق المتبقية أمام إبرام اتفاقية تجارية مرضية بين واشنطن وبكين.
رغم ذلك لم تقدم بكين حتى الآن أي تنازلات معقولة لطلبات واشنطن، وتنهي التمييز ضد شركات تزويد الحوسبة السحابية الأجنبية، لطالما اشتكت شركات التكنولوجيا الأميركية من أن الصين تفرض قيودا غير مبررة على قدرتها على العمل بشكل مستقل وبفاعلية في الصين، وتشترط أن يكون لديها شريك صيني للحصول على رخصة، ولا يستطيعون استخدام علاماتهم التجارية.
أيضا أوربا وافقت على إطلاق المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة تفاديا لحرب تجارية، على الرغم من رفض باريس التفاوض مع شريك مناوئ لاتفاق المناخ، وأكدت المفوضية الأوربية أن تكون الزراعة جزءا من المفاوضات وتعتبره خطا أحمرا، وتريد الولايات المتحدة أن تزيل الضرائب المفروضة على السيارات الأوربية وهو قطاع شديد الحساسية لألمانيا.
لكن في مطلع 2019 وقعت المستشارة الألمانية ميركل مع الرئيس الفرنسي ماكرون اتفاقية آخن، وتشكيل أول برلمان مصغر للبلدين، ووصلت إلى حد تقاسم رئاسة مجلس الأمن، وتحويلها إلى رئاسة مزدوجة لشهرين عوضا عن رئاسة فردية تدوم شهرا واحدا لكل منهما، بل أعلنتا الدولتان عن التحضير لحلف دولي لأنصار التعددية، فيما يبدو واضحا ردا على سياسة ترمب الآحادية لتعزيز التعاون الدولي، وتم الإعلان عن هذا التحالف الدولي من نيويورك في مقر الأمم المتحدة، لم تقف هذه المناهضة لترمب بل أنقذت ميركل مستقبل سيل الشمال – 2 وتستثنيه من معايير الطاقة الأوربية وهو خط غاز يربط بين روسيا وألمانيا عبر قعر بحر البلطيق، وهي شبكة مستقلة عن سيطرة غاز بروم الروسية بعد أن تم تخصيص 50 في المائة من قدرة ضخ الشبكة ليستفيد منها منتجون مستقلون، و50 في المائة تبقى لصالح قدرات إنتاج غاز بروم، وهي شبكة بديلة عن شبكة نقل الغاز عبر الأراضي الأوكرانية.
وتتوسط ألمانيا وفرنسا منذ عام 2014 في النزاع الأوكراني من أجل تسوية النزاع حول مستقبل شرقي أوكرانيا في إطار ما يعرف بصيغة نورماندي، ليس فقط أوربا بل أيضا واشنطن تضغط على أنقرة للتخلي عن منظومة إس 400 وأعلنت عن تعليق تسليمها معدات خاصة بمقاتلات إف 35 لحملها التخلي عن المنظومة الروسية المضادة للصواريخ، حيث تعتبر واشنطن أن شراء أنقرة منظومة صواريخ إس 400 يعرض وحدة حلف الأطلسي ( ناتو ) للخطر، فالاستثنائية الأميركية أصبحت عبء أحمر بدلا من أن يكون ضوء أخضر للهيمنة.

لا تعليقات

اترك رد