أيّها الوجود هلمّ خارجاً من قبرك!


 

المسيح قام، حقّاً قام.
لقد اعتدنا النّظر في الأمور الإيمانيّة على أنّها أمور خارقة للطّبيعة وذلك لأنّها فعل إلهيّ. بيد أنّ كلّ فيض إلهيّ ما هو إلّا فعل حبّ خارق، حبّ إلهيّ لا يقوى الإنسان على الإحاطة به، مهما بلغ من معرفة. ولئن كنّا نهتمّ لهذه الأمور على أنّها خوارق طبيعيّة اكتفينا بالوقوف عند شكلها الظّاهريّ دون أن نتوغّل في عمقها العشقيّ. ما يفترض منّا التوغّل في تفاصيل الله والانغماس في حبّه حتّى لا نعود نرى إلّا حبّه الّذي هو غايتنا الوحيدة.
القيامة المجيدة هي الحبّ ذاته الّذي أخرج الكون كلّه من قبره الدّامس. كان يمكن للمسيح أن يخلّص العالم بإشارة، لكنّه ارتضى أن يميت الموت بالموت لتكون لنا الحياة. ولكن عن أيّ موت نتحدّث؟ وأيّ موت أماته الرّبّ بالقيامة؟
نقرأ في الآية الأولى من إنجيل يوحنّا الفصل الثّالث عشر ما يلي: “أمّا يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أنّ ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحبّ خاصّته الّذين في العالم، أحبّهم إلى المنتهى.” ترد في الآية عبارة (الانتقال إلى الآب) ولم ترد عبارة (الموت)، ما يعني أنّ الموت كنهاية حتميّة للإنسان مفهوم بشريّ، وقد يكون ملتبس الفهم. في حين أنّه في المنطق الإلهيّ انتقال. أحبّ الرّبّ خاصّته إلى المنتهى فواجه الموت وقبله كفعل حبّ خارق. إذاً فالموت مساوٍ لفعل الحبّ، بل إنّه الحبّ ذاته، الوحدة بين الله والإنسان. الله حبّ مطلق، وإذا ما دخل الإنسان دائرة هذا الحبّ اتّحد بالله. لكنّ هذا الاتّحاد يفترض وحدة ما هو إلهي بما هو إنسانيّ فكان موت المسيح فعل حبّ لا متناهٍ يصالح الله مع العالم بل يحمل العالم بالقيامة إلى السّماوات، إلى عمق أعماق الله. وكأنّ الرّبّ يقول إنّ القيامة حتميّة للموت المرادف للحبّ. ألا يقول الرّبّ نفسه في (يوحنّا 25:11):”أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا”؟ أي من تماهى مع المسيح في علاقة حبّ فمن المستحيل أن يموت. لأنّه وإن واجه الموت فهو يقدم على فعل حبّ إلهيّ ينتج عنه ردّة فعل إلهيّة، القيامة. وأّمّا الموت الّذي نشهده كنهاية طبيعيّة لحياتنا فما هو إلّا عنصر طبيعيّ من عناصر هذا الوجود. وأمّا الموت الّذي أماته المسيح فهو ذاك الّذي يقيّد أعناقنا بفعل الانفصال عن الله. ما نقرأه في رسالة القدّيس بولس إلى أفسس: “الله بواسع رحمته وفائق محبّته لنا أحيانا مع المسيح بعدما كنّا أمواتاً بخطايانا. فبنعمة الله نلتم الخلاص، وفي المسيح يسوع أقامنا معه وأجلسنا في السّماوات.” (أفسس 6،4:2) إيماننا بالقيامة، يقين بحضورنا في السّماء، في قلب الله، منذ الآن. نرى أنفسنا في السّماء ونحن ما برحنا في العالم. نحيا في السّماء بالمسيح يسوع لنتوهّج في العالم فيستنير ويتحرّر ويقوم من موته.
نحن أموات حتماً إذا ما رفضنا فيض الحبّ الإلهيّ. تلك هي خطيئتنا الأساسيّة الّتي منها يتدرّج كلّ فعل معادٍ للحبّ الإلهيّ. وبقدر ما نفهم أنّ الموت هو الحبّ ذاته نعي معنى القيامة. لو أنّ المسيح انتهى على الصّليب لكان الوجود كلّه كذبة ولبقينا أمواتاً في عبوديّتنا، مستعبدين لظلمتنا. لكنّ المسيح قام، والقيامة هي الحبّ المدوّي بصوت عظيم: “أيّها الوجود هلمّ خارجاً من قبرك!”

لا تعليقات

اترك رد