احكام نهائية في محاكمة يوسف شاهين

 

– انت الخير والبركة يا حاج عباس

ودعته وكان امامي ساعتين لتواجدي في الاستديو ..واقترحت ان ناخذ فطير مشلتت معنا .. والفطير يشبه الكاهي عندنا ويشتهر به حي الحسين بانواع متعددة …اخذنا فطيرنا وذهبنا لاستديو جلال …ونحن نسير تذكرت مقالة للاستاذ الناقد السينمائي سمير فريد عن سينما المؤلف التي تكون فيها الذات الكاتبة فيها حاسمة في التحكم في فلسفة الفيلم وأنه خلاصة مجهود فكري وتخيلي وابداعي لدرجة تتشابك فيها العلاقات بين ذات الكاتب وموضوعات كتابته في مجال من التوتر والصراع ولكي تكتسب مصداقيتها تخرج من ذات صاحبها لتمتد نحو الاخر بحيث لا تنفصل الذات عن الجماعة وتكون تكثيفا رمزيا ومرئيا لحالات اجتماعية وثقافية ونفسية وتتجاوز المألوف والراكد وخلق جسور مغايرة للنمط التقليدي في التواصل سواءكان متواصلا مع الذات او الماضي او السلطة او الناس بحيث يصبح الفيلم متعدد الابعاد … وهذا ما فعله شاهين حيث اسقط الذات – الخاص – على العام وهذا تجلي لاصالة المخرج الذي ترجم ثقافته ولغته وتصوره الخاص للعالم ويعطي ابعادا حضارية .

فسينما شاهين تحتاج الى مشاهد مبدع حتى يحصل ذلك التواصل الضروري الذي يهدف اليه الفيلم … لان اللحظة الجوهرية في السينما تتمثل في المشاهدة التي تحاور الصور السينمائية باسلوبها المتميز الواقع المعاش فهي تنتج مشاهدا متحررا من السائد من الافلام ومن تكررارها …هنا يكون شاهين قد اوصل رسالته التي يريدها من خلال افلامه وخلق مشاهد متحفز فكريا بحيث ياخذ موقفا من الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يعيشه .
وصلنا استديو جلال .. كل الفنيين موجودين … استغربوا حضوري لوحدي لان المعتاد ان آتي مع شاهين .. وكان اكثرهم استغرابا المدير الفني ..فاخبرته بما طلب شاهين ..

– انا غير راضي على تصرفكم .. وانا بيتي بالمهندسين كان عديتو علي حتى اتصرف .
– دي اوامر الاستاذ وعلينا التنفيذ دون مناقشة عندك حاجة اعترض عند شاهين …

حضر شاهين وحدد الزوايا .. وبدأ مدير التصوير بتوزيع الاضاءة … جاء الحاج عباس بالاكسسوار المطلوب .. وقبله شاهين واعطاه شوكلاته تعبيرا عن امتنانه .. واعطاني نصف شوكلاته واخذ النصف الثاني له قائلا
– دي على قدك لانك رفيعة

جاء المخرج علي بدرخان وهو احد تلاميذ يوسف شاهين انتجت له شركة افلام مصر العالمية التي يملكها شاهين فيلما اسمه شفيقة ومتولي .. وهو من الشباب الجادين والجيدين .. ومن الشباب الذين اسسوا سينما مصرية جديدة ومعه شادي عبد السلام ..عاطف الطيب .. محمد خان .. شريف عرفة … رأفت الميهي ..محمد شبل .. داوود السيد وغيرهم … الذين تاثروا بمدرسة شاهين وبنفس نظرياته …

جلسنا نتحدث عن اهم ملامح السينما المصرية الجديدة او الواقعية الجديدة التي هي مدرسة شاهين كما يحلو له علي ان يسميها..
فحدثني قائلا : نحن امتداد للسينما الايطالية الجديدة والطليعية .. ولكن ناخذ بنظر الاعتبار الواقع المصري .. نحن لا ننقل الواقع مثلما موجود في الطبيعة لاصبحنا انطباعيين .. لان هنالك فرق بين الواقعية والواقع …فالواقعية اسلوب معين تحاول ان تعيد تكوين الواقع وان الفيلم مرآة لهذا الواقع الذي نعيد صياغته …فهي تؤمن وتتنبأ بما قد يحصل من خلال قراءة دقيقة للواقع وللتاريخ فهدف السينما هو الاحتفال بيوميات الاحداث ونحن اي سينمائيو الواقعية الجديدة نؤكد على الكرامة للروح الانسانية التي تتجلى حتى في ابسط المواقف … فنحن ننقب في الواقع ..وانا برأيي اجد شاهين من المنقبين في واقعه الذي هو امتداد لواقع عاشه ويعايشه ويؤكده .. فترينه دائم البحث للكشف عن دلالات حقائق اجتماعية محددة تحت اطر مجتمع بكل تناقضاته …شوفي كيف يوجه الممثل كيف يشرح له لكي يصل الى ما يريده .

– علي خل نتكلم عن كيف يستعمل التغريب البرشتي في السينما ؟؟ لماذا يستخدم الاسلوب المسرحي هل لانه درس المسرح بشكل جيد ؟ علما ان يوسف شاهين قد درس المسرح واختصاصه مسرحي لكنه تحول الى السينما وبرع فيها … فلذلك نرى في كل افلامه حوارات من مسرحيات شكسبير مثل .. هاملت .. مكبث .. تاجر البندقية وغيرها

كيف يكسر شاهين الايهام لدى المشاهد ؟؟ … التغريب البرشتي اسلوب مسرحي وله مدرسة خاصة به في السينما لم الاحظ ابدا او اسمع ان مخرج سينمائي استخدم التغريب البرشتي .

الان عندنا المحكمة قائمة ومستمرة .. لقد نصبت سكة الشاريو استعمل عدسة 18 لكي تعطي اكبر مساحة …القاضي وعلى جانبه مستشارين .. يحاكم يحيى كبيرا وقد وضع في القفص الطفل يحيى صغيرا .. الاحداث ساخنة في المحكمة وبنفس المشهد ولكن باضاءة معتمة في يمين الكادر يدخل اثنان يضعان المنضدة ويفرشان المفرش .. ثم يخرجان ليأتيا بكرسي وشمعدان .

تدخل سهير البابلي بلبس غير لبس المحكمة وتطرز بمفرش تتحرك الكاميرا الى الخلف وبان الى حيث الام التي تؤدي شخصيتها سهير البابلي تخفت الاضاءة من على منصة القاضي وتنوير سهير وهي تتحدث عن الظلم الذي وقع عليها وهي صبية عمرها 15 سنة ويزوجوها رجل عمره 60 سنة ..ثم يدخل نور الشريف بملابس تعود الى الاربعينيات ويجلس يستذكر معها شبابه الكاميرا هنا تدفع الى الامام لتحصرهما في لقطة متوسطة .. وبعد الانتهاء من حوارهما تخفت الاضاءة وترجع الكاميرا الى الخلف وتضاء المنصة ويستمر القاضي في المحكمة بمحاكمة الشخصيات الاخرى ..

وتنتهي اللقطة …ولكني اتساءل مع نفسي هل أراد شاهين ان ينصف الام في هذا المشهد ؟؟ او يخفف قسوته عليها في مشاهد المحكمة فلذلك استخدم الاسلوب البرشتي وكسر اندماج المشاهد مع الاحداث؟ علي ايه رأيك ؟

– أنا اؤيدك فيما قلتيه ..واضيف كان يريد ان يقول يا جماعة دا تمثيل وانا اخذت حياتي كمادة درامية لكي اكون اكثر صدقا وقربا من الواقع الذي عشته .
أن اسلوب معالجة شاهين يدخل في نطاق لعبة المعنى التي تميز ثقافته السينمائية والتفكير في الفيلم او في بعض اجزائه يحصل التوتر الذي يفرضه في تضمين الفيلم بمعاني محددة من خلال اساليب وتقنيات تعتمد منطق الجذب والاستقطاب للمتفرج الذي يتحاور او يتصارع مع المعاني التي يطرحها الفيلم .. في حين ان معظم افلام شاهين تخلق لدى المتفرج او تضعه في معمعة موقف غامض حيث يعترضها الوعي الشخصي الذي يمتلكه المتفرج ولذلك فأن المعنى في الفيلم يتحرك بين الصور والاصوات المكونة للفيلم ولكنه يتحدد بطبيعة الاستقبال الذي يقوم به المتفرج وبالمستوى الثقافي الذي يشكل وعيه وتصاغ فيه احكامه … هذه الاساليب التي يضعها شاهين جعلت من افلامه للنخبة المثقفة او الواعية وليس لعامة الشعب ذوي الثقافة المحدودة التي تريد فيلما واضح ولا تريد ان تفكر .. فنرى عامة الناس عزفت عن مشاهدة افلامه التي تجبرهم على التفكير وهم الذين اعتادوا على رؤية افلام تبعدهم عن واقعهم الأليم .

ان مشاهد المحكمة التي استغرق تصويرها 27 يوما بها من التكنيك الفني الذي توفر لدراسي السينما الشيء الكثير سواء بالنسبة الى الاسلوب الاخراجي الذي ابدع شاهين فيه … او الآساليب التي اعتمدها في توصيل افكاره …وبناء ديكور في غاية الاتقان وبه من الابداع والغرابة ما يجعلك تقف ازاءه مبهورا … واضاءة تم توزيعها حسب مضمون المشاهد فقد تعددت اساليبها من الفنتازيا الى الواقعية الى الانطباعية الى الواقعية الجديدة ..وحوار دقيق جدا كل هذا الكمال في مشاهد المحكمة يستطيع دارس السينما ان يتعلم الشيء الكثير من التكنيك الفني حينما يدرس هذه المشاهد دراسة حقيقية .

لا تعليقات

اترك رد