حوار مع أركيولوجيا الزمن ، حوار مفتوح مع الفنان محمد شبعة ـ1ـ


 

حوار مع أركيولوجيا الزمن
حوار مفتوح مع الفنان محمد شبعة ـ1ـ
محمد شبعة (1935ـ2013) أحد الوجوه البارزة في الحركة التشكيلية المغربية، شكل مع فريد بلكاهية ومحمد المليحي نواة التيار الحداثي منذ أواسط ستينيات القرن العشرين.
عمل مدرسا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالدار البيضاء، كما درس بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، والتحق لمدة كمدير للمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان. نشر كتابات متعددة تناولت قضايا الفن التشكيلي، كما ساهم بفعالية في مجلة “أنفاس” الشهيرة، حيث لم يتردد في البحث في الهوية الثقافة المغربية. كما أنه أحد أولئك الذين شجعوا بقوة إماج الفنون المغربية التقليدية في الفضاء الحضري.
له إسهاما كبيرة وكتابات تعد رصيدا لتاريخ هذه الحركة. والحديث معه يمتد إلى حوار فإلى نقاش يوسع الآفاق ويتشعب من الميدان التشكيلي ليربطه بميادين أخرى. أجريت معه هذا الحوار عام 1987 بمكتبه، يوم كان مستشارا لوزير الصناعة التقليدية.
ارتأيت الحديث معه ليس قصدا للتعريف بشخصه ولكن لمحاورته والاستفادة من تجربته الطويلة والثرية، وتوضيح بعض الأمور التي تغيب عن القارئ المتتبع والمهتم بالحركة التشكيلية في المغرب.
نص الحوار:
س: ـ اتسمت المرحلة الأولى من عملك بمتانة الأشكال ورصانتها، وبهندسة تعتمد الزوايا المستقيمة والحادة، وبحرارة اللون وقوته، لكن فضاء اللوحة عرف في المرحلة الجديدة صفاء تحررت معه الأشكال وتموجت الخطوط أكثر مما كانت عليه من قبل، مما منح العمل الفني صبغة شاعرية غنائية. وقد سبق أن علقت على هذه المرحلة بقولك إنها عودة إلى الممارسة الفنية التي تتيح لك أن تعبر عن مشاعرك وأحاسيسك، وبأنها نوع من العودة إلى وحدانيتك وأنانيتك التي افتقدتها في المرحلة السابقة، (هذا الكلام مقتبس من دليل معرض قاعة نظر 1984).
هل هناك ندم أو ما شبه ندم على تلك الوحدانية والأنانية بانصهارك في مجموعة الدار البيضاء، وهل جعلتك هذه المرحلة تعيش تقيدا لم تصل معه إلى التعبير عن مشاعرك وأحاسيسك؟
ج: ـ الحقيقة أنه لا يمكن تقسيم حياتي الفنية إلى مرحلة أولى وأخرى ثانية، هذا طبعا إذا استثنينا المراحل الدراسية والتكوينية التي سبق أن تحدث عنها في ملف مجلة “أنفاس” فقسمتها إلى مرحلتين: مرحلة التكوين الأكاديمي المدرسي التي يمكن أن أدمج فيها محاولاتي ومجهوداتي لمحاولة التخلص من براثن ذلك التكوين، فمررت بتجربة الانطباعية والاستفادة من تأثيرات بيكاسو وكاندنسكي وماتيس.
المرحلة الثانية تبتدئ سنة 1962 حين سفري إلى إيطاليا قصد إتمام التكوين، فتعرفت هناك على فنانين ومثقفين إيطاليين، وعيت فيما بعد، بفضل الاحتكاك المستمر بهم، وبالمشاكل المختلفة المتعلقة بالفن ووظيفته في المجتمع. وانطلاقا من هذا الوعي بدأت اهتماماتي بالفنون التقليدية، هذه الاهتمامات التي وجهت حياتي الفنية بأكملها.
وإن ما تلاحظه من تغيير على فضاء اللوحة بعد القطيعة التي أرغمتني على التوقف عن الممارسة العملية، وغيابي عن المعارض لفترة تقترب من عشر سنوات لا يعني بالنسبة لي الخروج من مرحلة والبدء في أخرى. فنشاطي خلال الستينات لا يمكن فصله عما جاء بعده، والغياب لا يعني التوقف النهائي عن النشاط العملي خصوصا وأنني ما زلت ملتزما بالعمل السوسيوثقافي الذي ميز حركتنا منذ البداية، وهذا النشاط يعد بالنسبة لنا خط الربط والاستمرار الذي يمنع الحديث عن مرحلة أولى ومرحلة ثانية.
لا يمكن أن تقول إن الفنان مجرد من وحدانيته وأنانيته مهما كانت ظروف عمله، إذ أن الإحساس حاضر في كل حين. وأنانيتي ووحدانيتي ضحيت بهما شيئا ما لصالح الجانب الآخر الذي يلتزم بالعمل السوسيوثقافي. هذا العمل البيداغوجي الذي انعكس على المجموعة الثلاثية شبعة، المليحي، بلكاهية، والذي تميز بالعودة أو التنقل المستمر من العملي إلى النظري ومن النظري إلى العملي. فالتفكير البيداغوجي وجه كل أنشطتنا التي هي أنشطة الجمعية، معارض، مناظرات، ممارسات قمنا بها في الشارع وفي مؤسسات تعليمية، تجربة برشيد وغير ذلك. والمهم في كل هذه الأنشطة أنها من إنتاج جماعة تغيب معها الفردية.
وفكرة العمل الجمعوي أتتنا من الوعي بالفن المغربي ومعطياته التراثية التي يذوب فيها الفرد لصالح الجماعة. فالتقاليد المغربية كلها كانت جماعية، وفي المعمار والفنون الشعبية وفي كل الميادين الثقافية /الفنية
فعدم وجود الأنانية، أنانية الفنان أثرت عليه عملية الخلفية السوسيوثقافية التي تربطه بعقد اجتماعي تربوي في عمل الفنان. فلم يكن هناك اختيار لأن الظرف التاريخي فرض علينا القيام بالدور الذي قمنا به. إن هناك أنانية في دور المنشط السوسيوثقافي ـأنانية الفنان في إطار مجموعتهـ لتسهيل عمل الآخرين الذي يسهل معها دوره الشخصي فتعود كل المنفعة عليه أولا. ولا شك أننا اليوم نجني ثمار تلك المجهودات التي قمنا بها.
س: ـ كثيرا ما يروج الحديث عن الفقر الفني وعن الوضعية المأساوية التي تسبب فيها والتي يمكن تلخيصها في استحواذ الطبقة البورجوازية على إبداعات نخبة من الفنانين الجيدين وجر الشباب إلى نفس الهيمنة. واليوم نجد هذا الشباب يصيح ويشكو من هيمنة “الكبار” وعدم فتح أبواب الفرص أمامهم، ما رأيكم في هذا؟
ج: ـ إن ما نسميه الفقر الفني يعود بنا إلى تلك الأشياء التي كنا نطالب بها وبمعالجتها، أي إلى ما نجب أن نتوفر عليه حتى نهيأ شروط تكوين الفنان في أحسن الظروف. فيجب أن تتوفر لدينا التجهيزات اللازمة والأساسية لهذه الغاية، من متاحف يتردد عليها الفنانون والزوار، ومدارس عليا، ومركبات ثقافية…وأظن أن وجود هذه البنيات التحتية سيساعد على تكوين كل أولئك الذين يتوفرون على دينامية وطاقة قوية تغلي بداخلهم وتحثهم على العمل، على أن يكونوا فنانين.
وهذا الزخم إذا توفرن سيبرز الكيف من خلاله فتنتج عنه مجموعة بارزة ومتميزة يمكن بعدها أن نصل إلى تصنيف الفنانين إلى درجة أولى وثانية وهكذا…
وأظن أن الفقر الفني يجعل السوق تعاني معاناة شديدة من تقلص إقبال الناس على اقتناء العمل الفني، فيترتب عن ذلك ارتباك في الظروف العادية عند الفنان مما يخل بظروفه الروحية/النفسية والإبداعية. وفي اعتقادي أن هذه الحالة من الأسباب التي تدفع الفنانين الشباب إلى الغيرة من الكبار. وهي غيرة أتأسف لطغيانها بدون أن يكون هناك أي تجاوز تطبيقي. فأنا أفضل جدلا ومنافسة في هذا الإطار العملي. وتبقى الشكوى من الكبار بدون أي أساس ثابت، لأن ليس هناك عدد كبير من هؤلاء “الكبار”، وثانيا ليست هناك مزاحمة كما يُعتقَد.
فأعمال الشباب تقتنى بسهولة وتتوفر عليها عدد من البيوت، عكس أعمالنا التي يتجاوب معها الجمهور ولا يقتنيها. فالشكوى والصياح كما أسميتها ناتجان عن سوء في الفهم لأن الواقع يثبت عكس ذلك. إنهما ناتجان عن عقدة ثابتة بين الأساتذة والتلاميذ.
س: ـ غالبا ما يدور في أذهان بعض الفنانين الشباب تخوف من سياسة وزارة الشؤون الثقافية إزاء تنظيم المعارض وتهيئ القاعات، خصوصا ونحن نرى أن قاعات العرض التي كانت مفتوحة في وجه العارضين أغلقت منذ ما يزيد على السنة والنصف، كبهو الوزارة وبهو المسرح ومتحف الأوداية وقاعة باب الرواح، ولا شك أن هذه السياسة ستؤدي بالنشاط الفني إلى أزمة كبيرة، إذ ستعود الأمور ربما إلى مجراها الأول، حيث إن بعض المؤسسات الأجنبية، كالمراكز الثقافية والرابطات وغيرها أصبحت تتبنى الفنانين المغاربة، وهكذا ستكون جماعة الدار البيضاء أفسدت بيدها ما أصلحته أو حاولت قبل اليوم، ما رأيكم في هذا الذي يجري؟
ج: ـ لا أظن أن قاعات العرض قد أغلقت نهائيا في وجه الفنانين المغاربة، بل هناك إعادة نظر في سياسة العرض وطرق التظاهر الفني بهذه القاعات، وستعتمد السياسة الجديدة على المستوى الجيد للعمل الفني والطريقة التي يتعامل بها الفنان نفسه مع عمله. وهذا شيء إيجابي في حد ذاته ولا شك.
ففي السابق لم تكن هناك لجنة كفيلة تنظر في أعمال المرشحين للعرض بالقاعة الوطنية مثلا، وأتحدث هنا عن قاعة باب الرواح لأنها تعتبر النموذج الأسمى أو الدرجة العليا التي يمكن أن يصلها الفنان في نظر الجمهور. لقد كان هناك توزيع زمني يملأ بأي كان وبما وجد، بغض النظر عن مستوى العمل الذي سيعرض على الجمهور، مما ترتب عنه فوضى ليست في صالح الفنان والجمهور نفسه.
والحقيقة أن باب الرواح أغر بكثير من الشباب حين لعب دورا كبيرا في التنشيط العشوائي المضر. ولا شك أن للصحافة الوطنية نصيبها في هذا التغرير، إذ نجدها من باب التشجيع تنشر مقالات مطولة عن فنان مبتدئ بدون أن يكون تحليل أو فائدة تستنتج. وهذه أشياء مسيئة للفنان نفسه. فأنا أرى أن التصنيف لا بد منه حتى بالنسبة للجمهور. فيجب أن نأخذ الأشياء بجدية ونوفر لها مقاييس علمية وموضوعية.
إن القياس لا يتوفر عندنا بسبب غياب المؤسسات التكوينية المتخصصة وحتى القياس مع الفنانين المغاربة لا يوجد، ربما لعدم اطلاع الشباب على أعمال هؤلاء، فهم يكادون يجهلونهم. وهذا عامل خطير ولا شك. إنه سيؤدي بالفنان إلى عبقرية مغرورة.
أتساءل لماذا يتهرب الفنان المبتدئ من الجمعيات الثقافية التي توجد بمدينته أو بالحي الذي يسكنه؟! وهذه الجمعيات محتاجة إليه والاستفادة بينهم متبادلة.
إن المسؤولية في تشجيع الفنانين المبتدئين وتنشيطهم لا ترجع إلى الثقافة وحدها، بل تطرح على عاتق البلديات والمجالس المنتخبة وغيرها، التي يجب أن تفتح دُورا جهوية للنشاط الثقافي. فهذا العمل غائب تماما، مما يدفع الشباب إلى اللجوء إلى البعثات الثقافية الأجنبية التي ذكرتها حيث يجدون كل المساعدات: القاعات والإنارة والحراسة والاستقبال والمجانية فيما يخص المطبوعات وغيرها.

يتبع…

لا تعليقات

اترك رد