زمرد خاتون ، ملكة دمشق المنسية

 

في التاريخ الإسلامي نساء كثيرات شهيرات لعبن دورا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ، وكان لهن كبير الأثر في إدارة شؤون الدولة والمال والعباد . سنتحدث اليوم عن صفوة الملك زمرد خاتون ملكة دمشق المنسية رغم أنها ملكة وابنة ملك وأخت ملك وزوجة ملكين وأم ملكين وجدة لملك . أينها منهم وأينهم منها؟ كلهم رحلوا عن مسرح الأحداث في دمشق وبقيت الحكاية .
يحكى أنه في الثلاثينات من القرن الثاني عشر أيام الحروب الصليبية على بلاد الشام وتحديدا حوالي العام 530 هجرية ، وكان قد مضى على احتلال الصليبيين لبيت المقدس سحابة 40 عاما ، وأنشأوا إماراتهم على طول امتداد ساحل بلاد الشام وكلهم ثقة أنهم امتلكوه للأبد وسيطروا على طرق التجارة بين الشرق والغرب. لقد أسسوا إمارة إنطاكية وإمارة الرها في الشمال وإمارة طرابلس في الوسط وإمارة بيت المقدس في الجنوب . كانت هذه الإمارات تمتلك مفاتيح السلام والحرب ، وكانت دمشق وحمص وحلب والموصل خارجة عن السيطرة ، وكانت كل حركات المقاومة الاسلامية تبوء بالفشل أمام صليل سيوف الغزاة الحديدية ، وأمام الدعم المادي والعسكري المقدّس الذي يأتيهم من البحر ، والمؤامرات التي تجري على قدم وساق داخل الإمارات العربية في ذلك الوقت .
وشاء القدر أن يرسل عماد الدين الزنكي أمير الموصل وحلب بارقة أمل في أفق المقاومة الإسلامية فعمل على توحيد القوى الإسلامية ونجح في بداية الأمر، ولم يبق أمامه إلا دمشق. حاول عماد الدين الزنكي ضم دمشق إليه بكل الوسائل لكنه فشل. كان حاكم دمشق في ذلك الوقت ظهر الدين طغتكين هو محارب تركي سلجوقي عنيد يحارب الصليبيين ويهادنهم وفق ما تسمح به الظروف . لكنه توفي بعد ظهور اسم عماد الدين الزنكي بشهرين ، وتولى الحكم ابنه بوري ( الذئب) الذي لم يكن اسما على مسمى فتولى الحكم من بعده أولاده . كانت صفوة الملك زوجة بوري ابن ظهر الدين طغتكين وهي ابنة الأمير جاولي أمير القدس وعمها الأمير إتسز ملك دمشق ( تحدثنا عنه في مقال سابق) وكان الملك تتش زوج أمها وأمير دمشق بعد أتسز ( وهو من قتل إتسز خنقا )، وكان أخوها من أمها الملك دقاق حاكم دمشق عام 1099م فلما مات بوري تولى الحكم ابنها اسماعيل ابن بوري ابن ظهر الدين طغتكين.
حاول عماد الدين الزنكي اسقاط دمشق في شباكه لكن فشل . حاول أن يحاصرها ففشل فرأى أن يهادنها . في هذه الأثناء كان اسماعيل هو الملك وكانت سيرته بغيضة حد الكراهية ، كان متهورا وجريئا حد الوقاحة وأحمق السيرة والسلوك يسيطر عليه التعسف والوسواس وسوء الظن وكان الدمشقيون يبغضونه حد الكراهية . ورغم ذلك فضّله القادة والتجار ورجال السلطة والمستفيدون من فساده المستشري على عماد الدين الزنكي لسبب واحد هو الحفاظ على مصالحهم الخاصة. كان اسماعيل يمعن في ارتكاب القبائح والمنكرات ويوغل في الفحش والمحظورات الدالة على فساد العقل والرؤية والجهل وحب الظلم وشرع في المصادرات والظلم وصار لا يرقب في إنسان ولاء أو ذمة في حين كان قواده مشغولين في السرقة والنهب والدسائس الداخلية . وفجأة جاء إلى الملكة صفوة الملك من همس في أذنها أن ابنها الملك اسماعيل يشك بها ويتهمها ببعض القواد الفاسقين.
جن جنون الملكة صفوت الملك وكانت يومها في الستين من عمرها . كان مصدر الوشاية عليّه القوم وأصحاب الضياع والتجار والمتنفذين والفاسدين لأنهم علموا أن اسماعيل كاتب عماد الدين الزنكي لتسليمه البلاد والدخول في تحالف معه وخوفا من ضياع نفوذهم ومصالحهم الكثيرة . وبعد أيام قليلة ، شهدت قلعة دمشق حدثا فريدا الملكة الأم تقف في صدر العرش وقادتها العسكريون يمزقون الملك اسماعيل بسيوفهم أمام عينيها وهو يصرخ مستغيثا أمه التي تقف جامدة كصخرة لا يلين لها طرف . وبعد مقتله ، نصّبت الملكة ابنها شهاب الدين محمود ملكا على دمشق وبدأت تحارب عماد الدين الزنكي .
وفي لحظة من اللحظات خطر ببال عماد الدين الزنكي أن يراسلها ويعرض عليها الزواج ليكسب دمشق العنيدة وكان الزواج السياسي في حياة عماد الدين الزنكي أسلوبا في الحكم . ترددت المراسلات والغرام بينهما بعد أن قبلت الملكة العجوز بالزواج منها وقررا أن يعقد الزواج في مدينة حمص . جهز المعنيون في دمشق العروس لعريسها الموعود وأخرجوها في رحلة اللاعودة وأغلقوا أبواب دمشق أمامها وأمام عماد الدين الزنكي الذي لم يظفر من الصفقة إلا بالعروس العجوز . وبعد عام قُتل ابنها شهاب الدين في فراشه في قلعة دمشق وتولى أخوه محمد غير الشقيق الحكم وتقطعت أسباب عودتها إلى دمشق . حاول الزنكي مرة بعد المرة احتلال دمشق لكنه فشل في كل محاولاته فأرسلها عماد الدين الزنكي إلى حلب وبعد مقتل الزنكي في إحدى المعارك عادت الملكة صفوة الملك إلى دمشق التي تغيرت كثيرا ولم يعرفها أحد. فقررت الحج عن طريق بغداد إلى مكة ثم انتقلت إلى المدينة وهناك بقيت بجوار قبر النبي تجد فيه بعض السلوى . وخلال وجودها في المدينة كانت تعمل في غربلة القمح حتى تأكل وتغسل الصحون وتخدم الناس ، وفي عام 1161 م وكانت صفوة الملك في التسعين من عمرها شيع رجال قلائل جثمان العجوز مغربلة القمح وغاسلة الصحون من دون أن يعلموا أنها الملكة زمرد خاتون صفوة الملك ، ملكة دمشق .
يذكر التاريخ أنها بنت مسجد الأصحاب في دمشق ومدرسة الفقه الحنفي الإسلامي ولا ينسى أحد أنها الأم التي قتلت ابنها أمام عينيها لوشاية وصلت إليها .
فهل سمعتم بها من قبل ؟

لا تعليقات

اترك رد