ولاية النيابة الادارية في توقيع الجزاءات التأديبية وفقا لدستور 2014

 

نصت المادة 197 من الدستور الحالي على ان: النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة، تتولى التحقيق في المخالفات الإدارية والمالية، وكذا التي تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة لجهة الإدارة في توقيع الجزاءات التأديبية، ويكون الطعن في قراراتها أمام المحكمة التأديبية المختصة بمجلس الدولة، كما تتولى تحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة، وذلك كله وفقا لما ينظمه القانون.

ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى، ويكون لأعضائها كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية. وينظم القانون مساءلتهم تأديبيا

ومفاد صراحة النص ان المشرع الدستوري قد اسند للنيابة الإدارية بوصفها هيئة قضائية مستقلة قائمة على شئونها – وفقا للمادتين 185 و197 من الدستور – الولاية العامة في التحقيق في المخالفات المالية والإدارية وكذا ما يُحال إليها , وتحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية التي تُنظر أمام محاكم مجلس الدولة , وكذا توقيع الجزاءات التأديبية فيما تتولى تحقيقه في حدود العقوبات التي عيَّنها الدستور بالنصاب المُقرر لجهة الإدارة , وان مفاد عبارة “السلطات المقررة لجهة الإدارة في توقيع الجزاءات التأديبية” هو تحديد دستوري لنصاب العقوبة التي يكون للنيابة الإدارية توقيعها, وبمفهوم آخر استبعاد الأحوال والجزاءات التي تنفرد المحاكم التأديبية بتوقيعها , تبعاً لأن الأصل في حسم الخصومات على اختلاف أنواعها ينعقد للمحاكم.

وفي سبيل ما تقدم -كفل الدستور لأعضاء النيابة الإدارية كافة الضمانات والواجبات والحقوق المقررة لقضاة المحاكم تكريساً لاتساع ولايتها وما يرتبط به من إطلاق صلاحياتها وسُلْطاتِها، وتوفيراً لضمانات الاستقلال والحصانة والحيدة.

ومما تجدر الإشارة إليه ان الغاية فيما نهجه المشرع الدستوري في اسناد سلطة توقيع الجزاءات التأديبية للنيابة الإدارية في الحدود التي بيَّنها، تتطابق مع غاية ما انتهجه المشرع العادي -في المادة 325 مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية – حال اسناد ولاية توقيع العقاب إلى النيابة العامة في القضايا التي يجوز فيها توقيع عقوبة الغرامة التي لا يزيد حدها الأدنى على ألف جنيه.

وعليه فإن القرار بالعقوبة الصادر من النيابة الإدارية انما يصدر من أعضاء يتوافر فيهم الصفة القضائية قرر لهم الدستور كافة الضمانات المُشار إليها في المادة 94 من الدستور، والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء هيئات المحاكم، وكان الدستور قد وفر ضمانات التقاضي للمتهم بأن كفل له الطعن في هذه القرارات أمام المحكمة التأديبية المختصة وبذات تشكيل المحكمة المختصة بنظر الدعوى التأديبية.

متى كان ما تقدم، فإن اسناد الدستور توقيع الجزاءات التأديبية إلى النيابة الإدارية في بعض القضايا يعني ان عضو النيابة الإدارية وهو يباشر هذا الاختصاص يكون قائما بولاية القضاء.

وقد ساير ذلك وطبقته النيابة الادارية فأصدر المستشار رئيس هيئة النيابة الإدارية قراره رقم 129 لسنة 2016 بأنشاء لجان التأديب والتظلمات تكون مهمتها توقيع الجزاءات التي تراها مناسبة مع المخالفات الثابتة في حق المتهم الذي انتهت النيابة لإدانته في فصل تام بين سلطة التحقيق والتصرف بما يشكل ذلك ضمانة دستورية للمتقاضين ثم تبع ذلك صدور قانون الخدمة المدنية رقم 18 لسنة 2015 والغي ثم من بعده قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ونص علي:

تختص النيابة الإدارية دون غيرها بالتحقيق مع شاغلي الوظائف القيادية، وكذا تختص دون غيرها بالتحقيق في المخالفات المالية التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للدولة أو المساس بها.

كما تتولى التحقيق في المخالفات الأخرى التي تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة للسلطة المختصة في توقيع الجزاءات أو الحفظ.

وعلى الجهة الإدارية المختصة بالنسبة لسائر المخالفات أن توقف ما تجريه من تحقيق في واقعة ما أو وقائع وما يرتبط بها إذا كانت النيابة الإدارية قد بدأت التحقيق فيها، ويقع باطلاً كل إجراء أو تصرف يخالف ذلك.

إنه وفقاً للمادة 224 من الدستور تلتزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكامه، والتي لا يتمتع البرلمان في شأنها بسلطته التقديرية العادية في سن القوانين، إنما يكون مقيدا بإصدارها لتنفيذ أحكام الدستور، ومن بين القوانين المنفذة لأحكام الدستور تعديل قوانين تأديب الموظفين، بما يتوافق والمادة 197 من الدستور،

إلا ان المشرع باستثناء تعديلات المادة 60 من قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، والتى رأت المحاكم التأديبية انها لا تصلح سنداً تشريعياً لمباشرة النيابة الإدارية الاختصاص بتوقيع الجزاءات التأديبية، امتنع عن تعديل قوانين التأديب رغم أهميتها باعتبارها الوسيلة الوحيدة لضبط الأداء بالمرافق العامة، والضمان لتطبيق مبدأ الثواب والعقاب ، فأضحت قوانين التأديب قاصرة ومعيبة، مشوبة إما بالإغفال التشريعي الكلى مثل قانون النيابة الإدارية رقم 117 لسنة 1958، الذى لم تمتد اليه يد التعديل منذ اكثر من ثلاثين عاما،

رغم انه القانون الأساسي في التحقيق الإداري والمساءلة التأديبية في مصر، او مشوبة بالإغفال النسبي بعدم تنظيم موضوع سلطة توقيع الجزاء تنظيما شاملا، يكفل ممارستها على الوجه الذي أراده الدستور، مثل نص قانون الخدمة المدنية، وهوما ندعو معه البرلمان الى تعديل قوانين التأديب بما ينفذ أحكام المادة 197 من الدستور،

حتى لا تثار مسألة الرقابة على دستورية هذه القوانين من خلال المحكمة الدستورية العليا، التي تبسط رقابتها على الاغفال النسبي حالياً، مثل حكمها بجلسة11 يونيو2006 في القضية رقم 308 لسنة24 ق. دستورية، بعدم دستورية نص في قانون الرسوم القضائية، ورسوم التوثيق في المواد المدنية لعدم تنظيم الموضوع تنظيماً كاملاً على الوجه الذى ينفذ أحكام الدستور.

أن تأخر إصدار القانون أدى لزيادة صدور أحكام إلغاء الجزاءات، وهو ما تسبب في نشأة مشكلات عملية تتمثل في تعطيل آلية المساءلة والمحاسبة في الجهاز الإداري وإفلات الموظفين المخطئين من الجزاءات رغم ارتكابهم أخطاء ومخالفات، مطالبًا بضرورة تعديل قانون النيابة الإدارية لإنهاء الوضع الخاطئ الذي نشأ عنه صدور أحكام بإلغاء الجزاءات.

أنه شاع اعتقاد خاطئ لدى الكثيرين بأن ما يصدر عن النيابة الإدارية هو مجرد توصيات غير ملزمة وأنها لا تصدر قرارات قضائية ملزمة، ولعل هذا الفهم الخاطئ نجم عن عدم دراية صحيحة بأحكام القانون وعدم إلمام بأحكام المحكمة الإدارية العليا، فوجه الحقيقة والصواب فى ذلك هو أن عددًا من تصرفات النيابة الإدارية تعد قرارات قضائية ملزمة، فالنيابة الإدارية تصدر نوعين من القرارات القضائية:

الأول: قرارات تصدرها بوصفها سلطة التحقيق التأديبي، وهي

1-قرار إحالة الموظف إلى التحقيق أمامها من تلقاء نفسها دون ضرورة الحصول على موافقة جهة الإدارة (المحكمة الادارية العليا الطعن رقم 3133 لسنة 42 ق جلسة 1997/2/15)

2-قرار وقف المتهم عن العمل احتياطيًا على ذمة التحقيق لمدة ثلاثة شهور استنادًا للمادة 83 من القانون رقم 47 لسنة 1978.

3-قرار ضبط وإحضار الشهود للتحقيق أمام النيابة الإدارية.

4-قرارات تفتيش أماكن العمل وتفتيش أشخاص ومنازل الموظفين المتهمين التي تملك النيابة الإدارية إصدارها وفقًا لأحكام القانون 117 لسنة 1958.

أما الثاني فهو القرارات القضائية التي تصدرها النيابة الإدارية بوصفها سلطة الاتهام والادعاء التأديبي وهي:

1-قرار الإحالة إلى المحكمة التأديبية إذ إن النيابة الإدارية بعد انتهائها من التحقيق الذي تجريه تترخص وحدها بمطلق سلطتها التقديرية في تحديد جسامة الجريمة التأديبية ومدى الخطورة الإجرامية لمرتكبها، ومدى صلاحيته للبقاء في الوظيفة العامة، وعلى ضوء ما تستقر عليه عقيدتها في هذا الشأن تصدر قرارًا بإحالة القضية إلى المحكمة التأديبية دون الرجوع إلى جهة الإدارة أو الحصول على موافقتها قبل إقامة الدعوى التأديبية (المحكمة الإدارية العليا الطعن رقم 3749 لسنة 31 ق جلسة 1988/2/27).

2-قرار تحريك الدعوى الجنائية عن الجرائم الجنائية التي تتكشف لها أثناء التحقيق، وذلك بإحالتها مباشرة إلى النيابة العامة لأعمال شئونها حيالها.

3-قرار الطعن على الأحكام التأديبية أمام المحكمة الإدارية العليا إذ تفحص النيابة الإدارية أحكام المحاكم التأديبية الصادرة في الدعاوى التأديبية للتحقق من صحتها.

لا تعليقات

اترك رد