خطباء الجمعة و بعض حماقاتهم

 

لا أدري على أي أساس أو معيار اختيار خطيب الجمعة في بعض المساجد المشهورة ، فكثير من حماقات بعضهم تسيء لمن يمثلونه و يخطبون باسمه و بمقلديه أو مقلدي والده أو تابعيه وحتى بعضها تسيء للمذهب أو الطائفة التي يتحدث باسمها ..

قد يغيب على المتلقي عقله و نزعته الأخلاقية حينما يصعد المنبر شيخ معروف ليخطب بكل جهورية و صراخ ليثبت نفسه أو ” يتفلسف ” حتى يثبت بلاغته أمام البسطاء من الناس والأميين ، غير أنهم لا يعون معظم كلامه لكنهم يبصمون بعشرة أصابع على صدقه و صحة كل حديثة من ألفه الى ياءه ، ليس لأنهم يقتنعون عقلياً بكلامه ، أبداً ، بل لأنهم يبنون و يؤسسون أفكارهم بكلماته ، حتى لو أخطأ فلن يجد من يقول له يا شيخ لقد جانبت الحقيقة و بدأت تضل الناس ، لا يفعلون ذلك لانهم يرونه أفقه منهم و أعلم منهم و أفهم منهم ، لذلك فهم بكامل التسليم و التصديق لحديثه ..

سأذكر لكم أيها السادة الأجلاء بعض الحماقات ، في إحدى الجمع كنت في مسجد الكوفة ( أحد أهم المساجد عند المسلمين الشيعة في بلاد الرافدين ، و حتى السنة ، لما له من رمزية لاحتواءه على المحراب الذي قتل فيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خليفة المسلمين ) كان الخطيب شيخاً كبيراً و له هيبة ، كانت إحدى حماقات الشيخ أن أهان ” عامل النظافة ” و شبهه بأسفل الناس و أحقرهم قيمة و منزلة و شرفاً .. في الحقيقة رغم أني كنت أحترم الشيخ جداً و أقدره ( قبل سماعي لكلامه هذا ) ، إلا أنني في ذلك الوقت ” و هو قبل سنوات ” قد غصصت بهذه العبارة منه ، فصرت أفكر لماذا يقول ذلك و جلّ مقلدي مرجعه ” من الشيعة طبعاً ” هم فقراء و مساكين ( و منهم عمال النظافة ) و لا يتململون من إطاعة الأوامر ، فقد أخطأ الشيخ بحقهم و أهان إنساناً لولاه لأصبحت وساختهم تطرد حتى الكلاب لنتانتها ، فهو ليس عامل نظافة و حسب بل هو صاحب فضل علينا جميعاً بدون استثناء و يجب أن نحترمه كإنسان و كصاحب فضل و لا نقلل من احترامنا له ، فالإنسان السليم لا يقيم الأشخاص بناءاً على مناصبهم أو وظائفهم أو أموالهم …

من هنا علينا أن نعتبر ، و يجب أن تتغير تقاليد المجتمع و ضرورة أن يكون للمتلقي صوت كالخطيب تماماً ، عندما يراه قد أزل و أخطأ ، فلقد كان أجدادنا لا يهابون المخطىء مهما كبر مقامه وحجمه و سلطته ، و يعترضون عليه في المسجد و يوقفونه عن الكلام ليستفهموا أو ليعترضوا على بعض ما قال ، لم يسلم من ذلك حتى الخلفاء الراشدين و منهم عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب فتذكر الروايات أن المسلمين قد قاطعوا كلامهم في خطب كثيرة أمام الناس ، معترضين على بعض الأمور ، و هذا دليل شجاعة المجتمع و رجاحة عقله ، عكس ما نراه اليوم مع شديد الأسف ..

أيها القاريء المتحمس لإكمال مقالي المتواضع هذا ، سأروي لك حادثة أخرى ، في الواقع تعد من أكبر حماقات خطباء المنابر في صلوات الجمعة أو حتى في غير يوم الجمعة .. مؤخراً وقبل أسابيع ، خطيب جمعة آخر بنفس المسجد سمعته أهان و تجاوز بوقاحة على صحابي و إمام من أئمة المسلمين السنة ، الصحابي الزبير بن العوام ، رغم أن قائده و ” تاج رأسه ” هو من رموز الوحدة الوطنية الإسلامية والدينية عموماً في العراق و الداعي الأول للوحدة بين السنة و الشيعة و له من المحبة لدى السنة و الجماعة الكثير في العراق وبعض البلدان العربية لمواقفه الكبيرة في صفهم و بجانبهم في ذروة الحرب الطائفية و حتى اليوم ، قد صعقني و أنا أستمع لكلمات هذا الشيخ الخطيب ” الأحمق ” التي لم أكن لأستسيغها وكنت سأخرج لولا أني قد عزمت على إكمال حماقته حتى ينتهي لأفهم ما يبغي من حديث ، فقد أثار دهشتي و استغرابي لما يقول ، و لم أرَ معترضاً ولا مستنكراً بل شاهدت تسليماً مطلقاً و قناعة بكلامه الطائفي المقيت ..

مثل هذه الحماقات يجب أن لا تتكرر و يجب علينا جميعاً رفضها و استهجانها و محاربتها فكرياً ، علينا توحيد كلمتنا و أمتنا و ترك الماضي لأهله ، و التوجه لبناء بلد موحد لا يعتدي أحد على مقدسات الآخر ، و لا يهين رموز الطائفة أو الدين الآخر ، بل العيش بسلام تحت كنف العراق و بشواطىء دجلة الخير و الفرات ، الرافدان الخالدان العظيمان ..

المقال السابقالرجال اكس: أيام من المستقبل الماضي (2014)
المقال التالىقسطاط القيامة
ولد الكاتب العراقي أحمد كامل الجبوري في مدينة القادسية جنوب بغداد في الخامس من كانون الأول_ديسمبر من عام 1991 م - يعيش في بغداد على شواطيء دجلة الخير .. مهندس - حاصل على شهادة البكلوريوس في هندسة الحاسوب/ قسم الشبكات .. نُشرت له مقالات متنوعة ، علمية ، فلسفية و سياسية أيضاً ، في مجلّات و مواقع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد