المذاهب الفقهية في الإسلام

 

هناك من ينظر إلى المدارس الفقهية التي نشأت عقب الخلفاء الراشدين في المدينة والكوفة على أنها بداية نهضة فكرية تشريعية في الاسلام وهناك من ينظر إليها على أنها بداية الخروج عن الدين الحنيف وتأسيس فكر جديد يستمد شرعيته وخصوبته من التراث الإسلامي . وما المذاهب الفقهية إلا امتداد للمدارس الفقهية في الاسلام وتشظى عنها إلى حلقات دراسة صغرى أسست لنزعات فكرية متباينة مختلفة الرأي والرؤى .
بدأت هذه المذاهب في الانتشار في عهد بني أمية وبني العباس حيث امتزج العمل الديني بالعمل السياسي ضد النظام القائم ، وبدأ الفقهاء باستخدام كل ما يمتلكون من أسلحة فكرية ضد خصومهم السياسيين في الرأي . وتأثرت هذه المذاهب بالثقافات الأجنبية والمحلية السائدة مثلما تأثرت بالفلسفات التي سبقها أو عاصرتها .
ساعد التدوين في تأصيل المذاهب الفقهية في الإسلام وجعلها نهجا مستقلا عن الدين في معظم الأحيان وبديلا عنه في أحيان أخرى . لقد مهد انتشار المذاهب الفقهية لتأسيس المذاهب السياسية والمذاهب العقائدية . وقد لعب هذا الثالوث المكون من المذاهب الفقهية والمذاهب السياسية والمذاهب العقائدية دورا هداما في الفكر الإسلامي لأنه أسس للخلاف الديني والمذهبي وفك أواصر التعلق بالقرآن الكريم منهجا عقليا ومصدرا للتشريع ، وصار الحديث والاجتهاد والاستحسان ندا للمصادر الإسلامية الأصلية إن لم يكن بديلا عنها في كثير من الأحيان .
ويمكن أن نلخص المذاهب الفقهية في الإسلام بما يلي:
المذهب الزيدي:
أسس هذا المذهب الامام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي استشهد عام 122 للهجرة .
أصول المذهب الزيدي :
لقد اعتمد المذهب الزيدي على الأصول التالية :
اعتمد المذهب الزيدي على الحديث أولا ثم الاجتهاد بالرأي .
توسع المذهب الزيدي بالأخذ بالقياس كمصدر من المصادر التشريعية وأخذ بالاستحسان . وقد اتفق المذهب الزيدي مع المذهب الحنفي في هذه النقطة .
اعترف المذهب الزيدي بالاستصحاب والحكم على الشيء بالحال التي كانت عليها حتى يقوم دليل على تغير الحال . وقد اتفق المذهب الزيدي مع الشافعي في هذه النقطة .
اخذ المذهب الزيدي بالمصالح المرسلة وهي بناء الأحكام الشرعية على المصلحة التي لم يرد نص بإلغائها أو اقرارها بالذات . وقد اتفق المذهب الزيدي مع المذهب المالكي في هذه النقطة .
المذهب الزيدي هو أول من دون الفقه والحديث معا في وقت مبكر.
أما أشهر فقهاء المذهب الزيدي فهم : الامام الهادي يحيى بن الحسين الزاهد بن القاسم الرمي والامام قاسم بن ابراهيم العلوي وأحمد بن يحيى بن المرتضى بن الحسين المهدي وأبو الحسن عبد الله بن مفتاح ومحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ومحمد بن اسماعيل الصنعاني والقاضي أحمد بن قاسم العنسي الصنعاني.
المذهب الحنفي :
أسس المذهب الحنفي الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي توفي عام 150 هجرية .
أصول المذهب الحنفي :
يمكن تلخيص أصول المذهب الحنفي بما يلي:
أول مذهب جمع بين فقه أهل العراق وفقه أهل المدينة .
اعتمد المذهب الحنفي على الاجتهاد بالرأي والاستحسان.
انتج كتب ودراسات اهتمت بنظام الدولة وقواعدها المالية .
اعتمد المذهب الحنفي على القياس والاستحسان والعرف.
يميل المذهب الحنفي إلى اعطاء الفرد مطلق نشاطه الفكري والاقتصادي .
يعتمد المذهب الحنفي على القرآن أولا ثم السنة ثم قول الصحابة ثم الاجتهاد.
أما أشهر فقهاء المذهب الحنفي فهم : يعقوب بن ابراهيم الأنصاري ( أبو يوسف) و الامام محمد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد اللؤلؤي وزفر بن الهذيل بن قيس الكوفي .
المذهب المالكي :
أسس هذا المذهب الامام مالك بن أنس بن أبي عامر توفي عام 179 هجرية .
أصول المذهب المالكي :
يمكن أن نلخص أصول المذهب المالكي بما يلي:
يعتقد المذهب المالكي أن الاجماع هو إجماع أهالي المدينة فلا يشترط اجماع جميع المجتهدين على حكم من الأحكام .
الحديث عند المذهب المالكي هو المصدر الثاني والمتمم للقرآن الكريم ورواية الحديث لا تعتمد على السند وتوثيقه وكان يُعْمِلُ العقل والرأي في الحديث الذي ينقل.
اعتمد المذهب المالكي على الاستنباط والتعليل واعمال العقل في المصالح المرسلة والاستحسان ومبدأ سد الذرائع ومعنى سد الذرائع هو وسيلة الأمر المحرم محرمة ووسيلة الواجب واجبة وما يؤدي إلى الواجب فهو واجب وكل ما يؤدي إلى الحرام حرام .
أما أهم فقهاء المذهب المالكي فهم : أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم و أشهب بن عبد العزيز القيسي وعبد الله بن وهب بن مسلم وأسد بن الفرات وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون وعبد الملك بن حبيب والامام شهاب الدين القرافي.
المذهب الشافعي :
أسس هذا المذهب الامام أبو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس الشافعي المطلبي توفي عام 204 هجرية .
أصول المذهب الشافعي :
يمكن أن نلخص أصول المذهب الشافعي بما يلي:
يعتمد المذهب الشافعي على القرآن مصدرا في التشريع يليه السنة النبوية الشريفة .
يعتمد المذهب الشافعي على أن الاجماع ليس فقط اجماع أهل المدينة بل اجماع فقهاء المسلمين بما لا نص فيه .
يعتمد المذهب الشافعي على القياس دون توسع وبحيث لا يتعارض مع الحديث.
رفض المذهب الشافعي الأخذ بالاستحسان واعتبر من استحسن كمن شرع .
لم يأخذ المذهب الشافعي بالمصالح المرسلة كمصدر تشريعي.
لم يأخذ المذهب الشافعي بقول الصحابي لاحتمال خطأه إلا في حال اتفاق الصحابة على حكم ما .
جمع المذهب الشافعي بين مدرستي الرأي والحديث في مذهب واحد.
يعد المذهب الشافعي أول من أرسى قواعد تدوين أصول الفقه .
أما فقهاء المذهب الشافعي فهم : ابراهيم بن خالد الكلبي و يوسف بن يحيى البوطي واسماعيل بن يحيى المزني والربيع بن سليمان بن داوود .
المذهب الحنبلي :
أسس هذا المذهب الحنبلي الامام أحمد بن حنبل وتوفي 227 هجرية
أصول المذهب الحنبلي :
يمكن تلخيص أصول المذهب الحنبلي بما يلي:
اعتمد المذهب الحنبلي على القرآن والسنة النبوية والاجماع والقياس وقول الصحابي .
اعتمد المذهب الحنبلي على حزمة من فتاوي أحمد بن حنبل اعتمدت على النصوص وفتاوي الصحابي والحديث المرسل والقياس .
أما أشهر فقهاء المذهب الحنبلي فهم : صالح بن أحمد بن حنبل وعبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الخرساني وأبو القاسم عمر بن أبي علي الخرفي
المذهب الجعفري :
أسس هذا المذهب الإمام الصادق جعفر بن محمد الباقر توفي عام 148 هجرية حيث أخذ العلم عن أبيه محمد الباقر وجده علي زين العابدين .
أصول المذهب الجعفري :
يمكن تلخيص أصول المذهب الجعفري بما يلي:
يعتمد المذهب الجعفري على القرآن أولا ثم السنة النبوية والأحاديث الصحيحة .
يعتمد المذهب الجعفري على الأحاديث المروية عن أئمتهم وأهل البيت لأنهم يعتقدون أنهم أعلم الناس بذلك .
يعتمد المذهب الجعفري على الاجماع دليلا من الأدلة الشرعية بعد القرآن الكريم والاجماع لديهم هو اجماع الجعفريين على حكم شرعي .
يعتمد المذهب الجعفري على الاجتهاد بالعقل المجرد فإذا لم يكن هناك نص فما رآه العقل حسنا أخذوا به .
لم يأخذ المذهب الجعفري بالقياس نظرا لوجود امام في كل عصر والامام معصوم وعند الحاجة يعود المسلمون الجعفريون إلى الامام في حل قضاياهم.
لم يأخذ المذهب الجعفري بالمصالح المرسلة بل اعتمد المصالح المطلقة لأنها من الأمور التي يقرها العقل فما وافق العقل وجب العمل به.
أما أشهر فقهاء المذهب الجعفري فهم : أبو جعفر بن يعقوب الكليني والقمي والطوسي والحلي ومحمد بن باقر النجفي .
المذهب الظاهري :
أسس المذهب الظاهري الامام داؤود بن علي بن خلف توفي عام 270 هجرية . وقد كان متعصبا للإمام الشافعي أثناء وجوده في العراق وقبل أن يؤسس مذهبه الخاص .
أصول المذهب الظاهري :
يمكن تلخيص أصول المذهب الظاهري بما يلي :
تمسك المذهب الظاهري بالنص وترك الرأي.
لم يأخذ المذهب الظاهري بالإجماع كمصدر مستمر قائم واعتبر أن اجماع المجتهدين أمر مستحيل.
لم يأخذ المذهب الظاهري بالقياس واعتبره جزءا من الحكم بالرأي ومخالفة للنص .
أما أهم فقهاء المذهب الظاهري فهم : الامام داود الظاهري وأبو بكر محمد بن داود وأبو محمد علي بن أحمد المشهور باسم ابن حزم الأندلسي .
المذهب الإباضي :
أسس المذهب الإباضي جابر بن زيد وعبد الله بن اباض المتوفى سنة 80 للهجرة .
أصول المذهب الإباضي :
يقوم المذهب الإباضي على الورع والتقوى وحسن الخلق والتمسك بأهداب الفضيلة والدين وينتشر هذا المذهب في مسقط وعُمان والجزائر .
يرفض المذهب الإباضي التطرف.
اعتمد المذهب الإباضي على القرآن والسنة والاجماع والقياس وأخذ المذهب بخبر الواحد والحديث المرسل.
أما أشهر فقهاء المذهب الإباضي فهم : الشيخ ضياء الدين عبد العزيز التميني والشيخ محمد بن يوسف اطفيش والشيخ أبو اسحاق ابراهيم والامام ابو اسحاق أطفيش.
المذهب الأوزاعي:
أنشأ هذا المذهب الامام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، توفي عام 157 هجرية.
أصول المذهب الأوزاعي:
اعتمد المذهب الأوزاعي على الرأي والحديث وذهب في الاجتهاد المطلق مذهبا فريدا وانتشر مذهبه في الأندلس والغرب لفترة طويلة من الزمن ثم حل المذهب الشافعي محله في الشام على يد القاضي أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي.
مذهب الطبري :
أسس المذهب الامام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى عام 310 للهجرة.
أصول المذهب الطبري:
اعتمد مذهب الطبري على الفقه الشافعي في أفكاره حيث وضع الامام الطبري عدة كتب أشهرها التفسير الكبير وكتاب التاريخ وكتاب اختلاف الفقهاء .
وهناك العديد من مذاهب أقل أهمية يضيق المجال لذكرها هنا .
لقد ساهم انتشار المذاهب الفقهية في العالم الاسلامي بما يلي:
انتشار الفرق والخلاف السياسي وتعميقه بين المذاهب وبدأ ما يسمى التمذهب الديني في التكون .
بدء التفكير العلمي و نشوء الفكر الغيبي في الفكر الاسلامي.
بدء الفكر القانوني والتشريعي والمالي .
بدء عصر الافتاء في قضايا إسلامية كثيرة.
بدء عصر التدوين والكتابة الفقهية الدينية .
ظهور مراكز للفكر والفقه الإسلامي مثل المدينة وبغداد والكوفة والبصرة ومكة ومصر ودمشق والقيروان وقرطبة .
رافق انتشار المذاهب اطلاق لحرية العقل في الاجتهاد المطلق في الإسلام .
بدء تدوين أصول الفقه الإسلامي وبدء تدوين الخلاف بين الفرق الاسلامية المختلفة.

المراجع
الدكتور عبد الرحمن الصابوني ، المدخل إلى التشريع الاسلامي ، جامعة حلب ، 2008.
القواعد الكلية في الفقه الاسلامي .
فلسفة التشريع في الاسلام ، الدكتور صبحي المحمصاني ، 1999.
تاريخ التشريع الاسلامي للخضري ، 2000

لا تعليقات

اترك رد