الدعوى الكيدية وأثرها على المجتمع

 

والدعوى الكيدية هي: مطالبة المدعي غيره بأمر لا حق له فيه، وبغير وجه حق مع علمه بذلك في مجلس القضاء، فهي دعوى بالباطل، يقصد منها المدعي الإساءة وإلحاق الضرر بالمدعى عليه، ويظهر فيها الظلم والبهتان، وقد جاءت نصوص الشريعة بتحريم الدعوى بالباطل، إذا تكبد المدعى عليه أضراراً مالية، تتطلبها المرافعة القضائية، من نفقات أو مصروفات، أو أضراراً معنوية، وذلك بسبب إقامة الدعوى الكيدية ضده، وإلزامه بالدخول فيها، فهل يحق له المطالبة بالتعويض عما لحقه من أضرار؟

وان الكيد في التقاضي لا يقتصر على جانب دون اخر فتراه في القضايا الحقوقية وقضايا الاحوال الشخصية والقضايا الجنائية ولا يصدر من جانب المدعي او المخبر فقط وانما قد يصدر السلوك الكيدي من المدعي عليه او المتهم من خلال انكاره الكيدي وان كان الانكار حق من حقوق المدعي عليه او المتهم الا ان هذا النوع من الانكار قد ينقلب الى نوع من المراوغة والمكر والمخبثة اذا لم يبغي من انكاره هذا سوى الاضرار بخصمه ومثال الكيدية في الدعاوى المدنية كان يتهم البائع المشتري بالاحتيال عليه والاستحواذ على ماله في حين ان حقيقة الواقعة عملية بيع وشراء تمت بينهما فيعمد البائع الى تحريك الشكوى امام محكمة التحقيق بعد ان ويلبسها لبوس الفعل الجرمي دون ان يكون هناك سند قانوني الا بقصد الايقاع بالمشتري وانزال العقاب الجزائي بحقه فهذا نوع من الادعاء الكيدي ويخل بسير العدالة والقضاء لأن هذه الدعوى حقوقية يفترض اقامتها امام محاكم البداءة او ان يدعي بائع السيارة ان سيارته قد سرقت للضغط على المشتري لتسديد الاقساط التي بذمته او ان يقيم ذوي القاتل دعوى متقابلة تجاه ذوي المجنى عليه يتهموهم فيها بجريمة ما للضغط عليهم ولإجبارهم على التنازل او منعهم من متابعة دعواهم الجزائية ضد الجاني وفي الدعاوى الشرعية يعمد الزوج الى اقامة دعوى يطلب فيها مطاوعة الزوجة له في الدار الزوجية التي اعدها لها حينما تقيم عليه دعوى المطالبة بالنفقة . او تعمد الزوجة الى اقامة دعوى تفريق قضائي حينما يقيم الزوج دعوى المطاوعة وقد يكون المكر والكيد من خلال استعمال اجراءات التقاضي ووسائله استعمالاً جائراً يلحق ضرراً بالخصم الاخر او انكار المستندات المقدمة او الطعن بصحتها وقد يكون بأساءه استعمال طرق الطعن القانونية لغرض تأخير حسم الدعوى والمماطلة والتسويف واطالة امدها وتأخير حسمها او اطالة فترة توقيف المتهم ويمثل الاخبار الكيدي الكاذب – وهو محور بحثنا هذا – اخطر انواع الجرائم التي تخل بسير القضاء والعدالة في هذا الوقت حينما يتعمد المخبر السري – والذي منحه المشرع حق الاخبار عن بعض الجرائم المهمة دون الكشف عن اسمه الاساءة الى هذا الحق واستغلال الحماية القانونية الممنوحة له بموجب هذه المادة خلافاً للقصد السامي والهدف النبيل الذي ابتغاه المشرع من تشريعها فالمشرع قصد بتشريعه هذا النص تشجيع الافراد على الاخبار عن الجرائم المهمة والخطرة التي تمس امن واستقرار البلاد والمجتمع والتي ترتكبها في اغلب الاحيان جماعات او تنظيمات مسلحة او جهات ارهابية او اشخاص متنفذين وخطرين قد يكون لهم من الوسائل والطرائق ما يمكنهم من الانتقام والثأر ممن يخبر عنهم كما قصد المشرع الحفاظ على سلامة المخبرين وذويهم وممتلكاتهم من ردود افعال المتهمين المخبر عنهم او ذويهم لكن للأسف استغلت هذه المادة في الوقت الحاضر اسوء استغلال واستعملت كأداة للأضرار بالأخرين وايذائهم بدافع الحقد والمكيدة والانتقام والثأر وتشويه السمعة او الاقصاء السياسي او الاجتماعي او الوظيفي حيث نسبت جرائم خطيرة تتعلق بالإرهاب والقتل او الفساد المالي لأشخاص ابرياء للدوافع المشار لها ليس الا .

ونرى ان من اسباب ازدياد هذه الظاهرة واستفحالها هو هبوط المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي بل السياسي ايضا وفساد الذمم وتدني مستوى الاخلاق امام ضعف ونقص التشريعات القانونية التي تتصدى لها وغياب المعالجات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للحد منها وكنتيجة لذلك يتحول حق الادعاء من حق قانوني مقدس غايته المحافظة على مصالح الافراد والمجتمع الى وسيلة للأضرار بها لأن القانون ووسائل التقاضي هي من طرق وسبل احقاق الحق والعدل وان الانحراف بها الى اغراض اخرى تضر بالأخرين او للحصول على مصالح غير مشروعة يجعل منها سبب للمعاناة وفقدان الجمهور ثقتهم بحسن سير العدالة ويؤدي ايضا للفوضى والاحساس بالخوف وعدم الاطمئنان الى اجراءات القضاء ويؤدي الى التنافر والتباغض بينهم ولجوئهم الى وسائل اخرى غير مشروعة وغير حضارية للحصول على ما يعتقدونه حقا لهم او للدفاع عن مصالحهم لذا فان الاخبار الكيدي الكاذب هو طعنة في جسد العدالة واعتداء على ثقة الجمهور بعدالة القضاء وحياده وهدم لركيزة مهمة يقوم عليها الكيان الاجتماعي هي عدالة النظام القضائي وحياده

أن الظلم قبيح ولأنه مفسدة للناس ومذهبة للمروءة ومنفرة للأخوة وجالبة للغبية وقد نهانا الله تعالى ورسوله الكريم عنه نهياً شديداً فالأرض تحيى بإحياء العدل ولخطورة هذه الظاهرة وما تسببه من تأثيرات سلبية على وجه العدالة والحق لابد من التصدي لها ومواجهتها والحد منها من خلال بث القيم الاجتماعية السامية في المجتمع وزيادة وعي الافراد والتركيز على التربية الاجتماعية والاخلاق القومية وتنمية القيم الانسانية النبيلة كالصدق والامانة والشجاعة والفضيلة والنزاهة والحلم واحترام وصيانة حقوق واموال واعراض الاخرين وتنمية الروابط الاجتماعية والمحافظة عليها ومواجهة القيم الاجتماعية الفاسدة التي وردت الى مجتمعنا كنتيجة للانفتاح العالمي والاختلاط بالثقافات الاخرى وما تبثه وسائل الاعلام والاتصالات الموجهة من سموم وثقافات هدامة للمجتمع والتصدي لها من خلال المناهج المضادة لها ووضع خطط والبرامج اللازمة للوقوف تجاه كل ما يسئ الى القيم الاجتماعية النبيلة والاعراف والاخلاق الحسنة التي توارثتها المجتمعات الراقية كما ان الاهتمام بالجانب الاقتصادي مهم ايضا للقضاء على أي ظاهرة سلبية وليس ظاهرة الاخبار الكاذب فقط فكما يقال ( حيث يحل الجوع لا يبقى للقانون حرمة وحيث لا يكون للقانون حرمة يحل الجوع ) وذلك من خلال رفع مستويات المعيشة والدخل للفرد وخلق فرص العمل والاستثمار كما ان الوضع السياسي الذي يسود البلد قد يكون عنصرا فعالا في ازدياد هذه الظاهرة وغيرها والعلاج هنا يكون من خلال التأكيد على احترام اصول ومبادئ العمل السياسي الشريف والابتعاد عن والوسائل التي تعيبه وتشينه وتفسده حيث اصبحت الإخباريات والاتهامات الكيدية احدى الوسائل المتبادلة التي يستخدمها الكثير من السياسيين خاصة في اوقات الانتخابات والترشيحات للمناصب السياسية والقيادية وبذلك كان العامل السياسي والذي غالبا ما يتداخل معه العامل الطائفي والقومي عنصرا مساعدا في ازدياد هذه الظاهرة اما الجانب التشريعي فله حيز مهم في هذا الشأن لأن التشريعات يجب ان تواكب التغيرات فالقانون هو وليد الحاجة الانسانية لذا فأن هذه التشريعات تصدر وتعدل بسبب حاجات انسانية ملحة تكون سبباً لإصدارها او تعديلها ولكن تشريع النصوص العقابية او تشديدها كحل للوقوف بوجه أي ظاهرة سلبية لا يكون كافياً ما لم تسندها وتعضدها تشريعات تنص على تطوير الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي في البلد وتعمل على تنمية وتطوير المجتمع وازدهاره وكان المشرع العراقي قد تصدى لهذه الظاهرة بنصوص عقابية شديدة وحاول سد النقص التشريعي في هذا المجال بإصدار وتعديل بعض النصوص القانونية

لا تعليقات

اترك رد